يرفع الملك الأردني عبد الله الثاني نبرة القلق والتحدي من خطوة الحكومة الإسرائيلية "الحتمية" المتعلقة بضمّ أراضٍ فلسطينية واسعة في الضفة الغربية، ويشمل الضم أيضا أراضي غور الأردن، ومستوطنات الضفة، والقدس الموسعة وفق التصور الصهيوني.

وقد اختار الملك عبد الله الثاني المجلة الألمانية ذائعة الصيت "دير شبيغل" ليعبّر فيها عن قلقه ومخاوفه وتحذيراته تجاه الخطوة الإسرائيلية المقبلة، ولعله أراد من وراء ذلك تجنُّب المنابر الأمريكية والتعويل على الجانب الأوروبي.

ما الذي يقلق الملك والأردن من خطوة الضمّ؟

عناصر كثيرة تجعل الأردن قلقاً من خطوة الضمّ هذه، ورافضاً لها في ذات الوقت، فالقضية لم تعد مرتبطة بالمساس بحقوق الأشقاء والجيران الفلسطينيين فقط، بل تتعداها إلى النيل من الأمن الوطني الأردني وهوية البلد، وإليكم أهم عناصر القلق:

أولاً: تتضمن عملية الضم هذه نهاية مقاربة الأردن المتعلق بالقضية الفلسطينية، وهنا أقصد نهاية مشروع حلّ الدولتين.

ثانياً: عملية الضم فنياً تقضي على أي احتمال لوجيستي لقيام دولة فلسطينية، فالمشروع الإسرائيلي يقوم على ضم الأغوار التي تشكل 30% من مساحة الضفة الغربية، وضم القدس الكبرى أي 20%، والمستوطنات 15%، وهذا يعني ترك الفتات غير المنسجم للفلسطينيين (أرض غير كافية لإقامة دولة فلسطينية).

ثالثاً: عملية الضم تجعل الجغرافيا الفلسطينية التاريخية "من البحر إلى النهر" تحت سيادة الدولة اليهودية، أما الديموغرافيا الفلسطينية فلن يتم استيعابها إسرائيلياً، مما يمهد لترانسفير ناعم يتسرب نحو الأردن، ويعاظم مشكلات الهوية فيه.

رابعاً: إن عملية الضم إن تمّت فلن يتم التراجع عنها لاحقاً، فالخبرة الأردنية في التعامل مع "إسرائيل" على قناعة بأن الضمّ سيتحول إلى أمر واقع، وأن الأفضل منع حدوثه.

الصدام الذي تحدث عنه الملك

بتقديري أن الصدام بين الأردن وإسرائيل ليس بالجديد أو المتجدد، فالتناقض بين سلوك الحكومة الإسرائيلية والمصالح الأردنية تزداد سخونته منذ زمن ليس باليسير.

فداخل "إسرائيل" قرار سياسي يحظى بشبه إجماع بضرورة دفن حل الدولتين، وهذا أمر يعرفه الأردن جيداً ويراقبه، ويرى فيه مساساً واضحاً بمصالحه ووجوده، خصوصاً أن العقلية الصهيونية تأسست على ضرورة أن يشتمل مشروعها السياسي في المنطقة على "شرق الأردن" من أجل التعامل مع مشكلة الديموغرافيا الفلسطينية بحيث يصبح الأردن هو الوطن البديل، وتحافظ "إسرائيل" على نقائها العرقي.

وما قاله الملك عبد الله للمجلة الألمانية، لا يخرج عن كونه جرعة من التنبيه لحقيقة هذا الصدام، كما أنه تنبيه وتحذير على أن مآلات الصدام قد تكون أكبر من المتوقع.

انكشاف العمق العربي

للأسف، يأتي مشروع الضم في سياق عربي معقَّد وهزيل، يمكن اعتباره عامل ضغط على الأردن، فالانكشاف والتخاذل العربي بائن بينونة كبرى ولا يحتاج إلى مكبرات بصرية.

مصر صاحبة الاشتباك التاريخي مع إسرائيل، غير مهتمة بما يجري، فلم يعد الأمر ضمن دائرة أولوياتها، فالإسلام السياسي المتمثل بـ"جماعة الإخوان" تحديداً هو عدوها الأول والأخير، وما دونه ليس بالأمر الجلل.

أما السعودية صاحبة المبادرة العربية، فترى أن الخطر الإيراني يطغى على كل شيء، وفصل المسار الفلسطيني عن مسار التطبيع أضحى أكثر وضوحاً، والأصعب عند الأردنيين أن تصبح إسرائيل جزءاً من مقاربة مواجهة إيران.

ماذا في جعبة الأردن للردّ على الضمّ؟

تصريح الملك وتحذيراته، فتحت باب النقاش عند النخب الأردنية، حول الخيارات والبدائل المتاحة للأردن للتعامل مع الخطوة الإسرائيلية الخطيرة.

ما ماهية الخيارات والبدائل في عمق القرار الأردني؟ ما طبيعتها؟ وهل يمكن استثمارها على الشكل الأنسب؟ وهل خيار التكيف مع الخطوة مطروح، أم إنه خط أحمر لا يمكن القبول به؟

خيارات الأردن وأوزانها المتاحة:

أولاً: نشاط دبلوماسي لقطع الطريق على الخطوة، وهو خيار قائم بالفعل، وبتقديري أنه لن يجدي نفعاً.

ثانياً: سؤال العلاقات بين الأردن وإسرائيل بعد قرار الضم. هل يمكن أن نقطع تلك العلاقات؟ هل بالإمكان الاقتراب من مفهوم إلغاء اتفاقية وادي عربة؟ هل بالإمكان وقف اتفاقية الغاز؟ وللأمانة لا تبدو الإجابات متفائلة.

ثالثاً: وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، ومن المثقفين الأردنيين من يرى أنها خطوة متاحة.

رابعاً: ترى وجهة نظر أن الأردن لا يملك القدرة على اتخاذ موقف حادّ ورافض من الخطوة الإسرائيلية، لاعتبارات واقعية، فهذه الخطوة مدعومة أمريكياً، ومسكوت عنها عربياً. ويرى هؤلاء، وبعضهم جزء من منظومة الحكم، ضرورة التكيف وتقليل الخسائر،وقرار المحكمة الدستورية الأخير، الذي يقضي بعدم جواز إصدار قانون أو تشريع يلغي أو يعدل اتفاقية سبق للمملكة أن وقعت عليها، أثبت أن نخبة حاكمة أردنية تريد الإبقاء على وادي عربة.

الرهان على الجانب الفلسطيني.. عامل قوة وطوق نجاة

فرحت رام الله بتصريحات الملك ورحبت بها، واعتبرت ما قاله الملك عبد الله الثاني بمثابة تأكيد للموقف الفلسطيني ومساند له.

لكن للأمانة، فإن الأردن في حاجة إلى الموقف الفلسطيني أكثر من حاجة رام الله إلى عمّان، فالصلابة الفلسطينية في استمرار رفض الخطة الأمريكية يساعد الأردن على مزيد من الصمود، ويساعد على مزيد من دعم الخطاب التحذيري للملك.

الأردن لا يريد انحلال السلطة الفلسطينية، ويرى أنها السد الأخير للمحافظة على الحقوق الفلسطينية والدولة الفلسطينية. ولا يرغب أيضاً في انتفاضة بالداخل، فالمنطقة لا تحتمل مزيداً من الأعباء الأمنية نظراً إلى انعكاس ذلك مباشرةً على الشارع الأردني. إن انهيار السلطة، أو تفجر الأراضي الفلسطينية بانتفاضة جديدة من شأنه أن يعقّد المشهد على الأردن.

ختاماً، ما قاله الكاتب عريب الرنتاوي ملخّصاً موقف الأردن يُعتبر مثاليا، فالرجل يرى أنه أياً يكن من أمر، فإن الخيارات المتاحة أمام صناع القرار ليست من نوع "أبيض أو أسود"، أي التكيف مع الصفقة وقرار الضم، أو المواجهة الشاملة بويلها وثبورها وعظائم أمورها.

بمقدور الأردن أن يفتح خياراته في التصدي لإسرائيل حدّ إلغاء المعاهدة، إن هي استمرت في إدارة ظهرها لحساباته ومصالحه وحساسياته، وليس بالضرورة أن ينتهي الأمر إلى "قطع وقطيعة"، لا مع المجتمع الدولي، ولا مع مجتمع المانحين برمته، بل ولا حتى مع الولايات المتحدة ذاتها. فالأردن ما زال يحتفظ فيها بصداقات خارج "الإدارة والبيت الأبيض"، يرجَّح أن تكون كفيلة بامتصاص ردود الفعل غير الموزونة، التي قد تصدر عن البيت الأبيض. فهذا هو طريقنا وهذا هو خيارنا للدفاع عن أمننا الوطني ومصالحنا العليا.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي