لم يحمل العام 2020 كثيراً من الأخبار الطيبة لإيران التي بدت محاصرة أكثر من أي وقت مضى بالفشل الاقتصادي.

وهذا ليس فقط بسبب جائحة كورونا العالمية التي ضربت البلاد بشكل قاسٍ معطلة كثيراً من أوجه الاقتصاد والإنتاج، ولكن بسبب عدم القدرة على الانخراط في البيئة المالية العالمية بسبب تشديد العقوبات الأمريكية التي باتت تطال، إضافة إلى الشخصيات النافذة، مجالات تجارية متنوعة، وهو ما جعل البنوك الإيرانية، على سبيل المثال، غير قادرة على إرسال أو استقبال التحويلات المالية الدولية.

للتذكير فإن السبب الأهمّ وراء اقتناع قادة النظام الإيراني بالانخراط في المفاوضات النووية كان من أجل القفز على العقوبات الأحادية والأممية التي ترى إيران أنها المعوق الرئيس الذي يحول دون استكمال نهضتها وتحولها إلى قوة إقليمية.

لم يكن التحدي الاقتصادي كل شيء، إذ تَعرَّضت البلاد في أول شهر يوليو/تموز، وهو للمفارقة شهر التوقيع على الاتفاق النووي في العام 2015، لسلسلة من الهجمات والحرائق التي كان أبرزها هجوم نطنز الذي استهدف المنشأة النووية الأهمّ في مجال تخصيب اليورانيوم.

كان ذلك الهجوم حدثاً مميزاً، فهو لم ينفَّذ بشكل تقليدي عبر الاستهداف الخارجي، ولكن بطريقة أقرب للتدمير الذاتي، وهو ما جعل التساؤلات عن الطريقة التي تم بها الهجوم وعما إذا كان ناتجاً عن خطأ غير مقصود مطروحة لأسابيع طويلة عقب الحادثة، رغم قراءة كثيرين له في سياق المعارك المتصلة بين الولايات المتحدة وإيران. طرح الهجوم أيضاً تساؤلات حول الحرب الإلكترونية، أو ما بات يُعرف بالهجمات السيبرانية، التي تستطيع فيها الدول أن توجه أكثر الضربات ألماً دون أن تضحّي بأي أحد من جنودها.

في السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، وقبل أسابيع قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته البيت الأبيض، تلقت إيران صفعة أخرى استهدفت كبير علمائها النوويين محسن فخري زاده (1958-2020) الذي تتهمه أطراف على رأسها الكيان الصهيوني بالوقوف ليس فقط خلف المشروع النووي السلمي، ولكن أيضاً بالتحضير للقنبلة النووية.

وزارة الدفاع كانت أعلنت في البداية أن وفاة زاده نتجت عن هجوم بالأسلحة من قبل مجهولين، إلا أن علي فدوي، من الحرس الثوري، سرعان ما أوضح قائلاً إن العملية تمت عبر تركيب رشاش آلي متحكَّم به من بُعد في شاحنة صغيرة. قال فدوي إن ذلك السلاح كان قادراً على التصويب بدقة على رأس فخري زاده دون أن يصيب رأس زوجته التي كانت تجلس إلى جانبه.

فكرة تنفيذ عملية اغتيال بعيد المدى بشكل دقيق وآلي تماماً هي فكرة مزعجة بلا شك، سيما بالنسبة إلى النظام الإيراني الذي يفتخر بقدرته على التأمين التي تتعدى الحفاظ على قياداته الرئيسة وموارده الاستراتيجية إلى القدرة على تنفيذ هجمات سيبرانية معاكسة وقادرة على اختراق أكثر الشبكات تحصيناً.

نجاح عملية اغتيال فخري زاده الذي كان محصَّناً بشكل كافٍ وشبه متوارٍ عن الأنظار، وقبله العملية التي لا يزال كثير من أسرارها مجهولاً والمتعلقة بهجوم نطنز، كانا يشيران بوضوح إلى وجود خلل في المنظومة الأمنية يرقى إلى درجة الاختراق.

من الناحية الشعبية قوبل خبر اغتيال العالم النووي بردود فعل هادرة وشعارات تدعو إلى مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وتحذّر من التسوية.

أما الأجنحة الراديكالية التي تعتبر أن زاده الذي انتمى باكراً إلى "الحرس الثوري" وهو أحد أبنائها، فقد لامت حكومة روحاني وحملتها المسؤولية، وهو ما أضعف موقف الوجوه الأكثر رغبة في الحلول السلمية داخل دوائر صنع القرار الإيراني، كوزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي سبق أن انتُقد بشكل قاسٍ تحت قبة البرلمان بسبب مواقفه التي بدت بالنسبة إلى صقور نظام الوليّ الفقيه شديدة التراخي. حتى الآن، ورغم التصريحات التهديدية، يبدو أن النظام الإيراني رأى أن من الأنسب امتصاص الصدمة والتحلي بالصبر، بخاصة أن أيام ترامب الرئاسية صارت معدودة.

إن منطقة الشرق الأوسط تعيش ومنذ عملية اغتيال زاده في توتر شبيه بالتوتر الذي كان طاغياً عقب تنفيذ عملية اغتيال القائد في الحرس الثوري قاسم سليماني، والذي ردت عليه إيران بعملية كانت أقرب لحفظ ماء الوجه من كونها عملاً انتقامياً متناسباً مع خسارتها لشخصية عسكرية مفتاحية مثله، وفي حين بدا ذلك الرد المتهافت محل سخرية لم يملك النظام بأركانه المختلفة إلا أن يؤكد بين الفينة والأخرى، آخرها في احتفالية ذكرى الاغتيال الأولى، الرغبة الأكيد في الانتقام له.

التوتر الحالي له ما يبرره، فمن الناحية الإيرانية، وبسبب وجود كثير من الأجنحة المتشددة والراغبة في الانتقام السريع لكل الضربات الموجعة التي تم تلقيها خلال الفترة السابقة، فإنه لا يمكن التعويل بشكل كامل على تشبث طهران بخيار الدبلوماسية والصبر الاستراتيجي انتظاراً لبدء العهدة الرئاسية للرئيس الديمقراطي الجديد الذي قد يقدم وجوده حلّاً للأزمة التي تعيشها، سواء على صعيد تراكم العقوبات أو على صعيد المضي بشكل مناسب في تنفيذ الاتفاق النووي.

عامل آخر يجعل تجاهل الأجنحة المتشددة أمراً صعباً، هو اقتراب موسم الانتخابات التي يُعتبر كسب رضا القيادات الأصولية من أهمّ شروط النجاح فيها.

أما من الناحية الأمريكية المقابلة فلا يبدو أن الرئيس ترامب مستعدّ لتسليم الملفّ الإيراني لخلفه دون أن يضع عليه توقيعاته الأخيرة، وإن اعتبرنا الرئيس ترامب غير مسؤول بشكل مباشر عن عملية اغتيال فخري زاده، إذ كان علماء الذرة الإيرانيون على مر التاريخ القريب محلّ استهداف من قبل أعداء إيران وعلى رأسهم الإسرائيليون، إلا أن ترامب وإدارته هم مسؤولون بلا شك عن حالة التحشيد على الخليج والتصعيد غير المسبوق في لغة التهديد، الذي تأخذه طهران بدورها على محمل الجد.

حتى الآن لا يُعرف ما إذا كان بإمكان الرئيس الأكثر تهوراً في تاريخ الولايات المتحدة الحديث أن يكون جادّاً في توجيه ضربة عسكرية موجعة في الداخل الإيراني، بخاصة أنه في هذه الحالة سيورّط بلاده في حرب مفتوحة ومتعددة الساحات، لأن إيران لن تقف وقتذاك مكتوفة الأيدي وستجد نفسها مُجبَرة على الردّ، وإن أدى ذلك إلى تعثُّر مسار التفاوض النووي ولنهاية اللعبة الخطرة التي سُميت بالضغط الأقصى.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي