بعد عام على نقل سفارة بلاده إلى القدس واعترافه بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، يستمر الرئيس ترمب في اعتدائه على القضية الفلسطينية، مغترّاً بزيادة هرولة التطبيع العربي، غير أن صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته تقف لهم بالمرصاد.

منذ عام مضى على نقل سفارته إلى القدس واعترافه الرسمي بها عاصمة للكيان الاحتلالي الصهيوني الغاصب، درج الرئيس الأميركي ترمب المبتلى بهستيريا العظمة على تصعيد منسوب عدائه السافر للشعب الفلسطيني وللأُمَّتين العربية والإسلامية، بعشقه الهستيري للكيان الصهيوني، ومساندته العمياء لاعتداءاته وغطرسته ومخططاته الرامية إلى ابتلاع الأرض الفلسطينية وامتداداتها المجاورة، وبسط يده الطولى على امتداد جغرافية الوطن العربي بأسره. لم يتوقف تطاوله عند جريمته النكراء الهادفة لمحو تاريخ القدس وهويتها العربية وإرثها الممتد إلى أعماق التاريخ عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك، فشرع في الدعوة لإنهاء عمل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وقطع مصادر تمويلها وحلها باعتبارها الهيئة الدولية الشاهدة على أبشع جريمة اقتلاعٍ لشعب من أرضه عبر التاريخ، تمهيداً لشطب قرابة ستة ملايين لاجئ ونازح فلسطيني، وإلغاء حقهم في العودة إلى أرضهم وديارهم التي اقتُلعوا منها، وصولاً إلى إغلاق هذا الملف وتصفية القضية الفلسطينية، وشرعنة الاحتلال وبسط سيطرته على كامل التراب الفلسطيني على غرار ما فعله سلفه الأسبق بوش الأب حين جيَّش كل طاقات إدارته لإلغاء القرار الأممي المتعلق بإدانة الصهيونية واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية، قبل أكثر من عقدين من الزمن.

منذ عام مضى على نقل سفارة بلاده إلى القدس درج ترمب على تصعيد منسوب عدائه السافر للشعب الفلسطيني.

ربحي حلوم

وبالتزامن مع انقضاء عام على الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، خرج الرئيس ترمب على العالم في أواخر الأسبوع المنصرم بطرح مشروع قرار على الجمعية العامة للأمم المتحدة -لا يتصل من قريب ولا من بعيد بمصالح الشعب الأميركي- ويقضي بشجب قيام الشعب الفلسطيني في قطاع غزة الصامد بالدفاع عن نفسه ضد الاعتداءات الهمجية الصهيونية عليه، ويندد بمقاومته البطولية في الرد على العدوان، وبحقه المشروع في الرد على جرائم الاحتلال، واصفاً ذلك الرد بالإرهاب، ضارباً عرض الحائط بمنصوص القرار الأممي رقم 3246 الصادر عن الجمعية العامة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1974، والذي يقضي في فقرته الثالثة بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة المحتل بكافة الوسائل، بما في ذلك السلاح.

ومن حسن الطالع أن تأتي نتيجة الاقتراع على مشروعه المذكور مخيبة لآماله وطموحاته الشريرة، على الرغم من أن بعضاً من أنظمة جمهوريات الموز المرتهنة لسبابة إصبعه، وبعضاً من الدول الآسيوية والأوروبية والأميركية المضلَّلة التي ما زالت تحكمها عُقَد الإمبراطوريات الدارسة، قد رفعت من نسبة مناصريه دون أن تُفلح في بلوغ العدد المطلوب لإقرار مقترحه المسخ، وعلى الرغم من أن النتيجة على هزالها شكَّلت صفعة لراعيها، فإنها ترسم علامة استفهام تستوجب الوقوف عندها تحسُّباً لما قد يتبعها من محاذير.

خطوات الرئيس ترمب تكشف بؤس ردات الفعل الصادرة عن مواقع صنع القرار لدى الأنظمة العربية.

ربحي حلوم

إن هذه المحاولة التي تشكل حلقة في سلسلة نوايا ترمب العدوانية، وما تكشف معها من بؤس ردات الفعل المستحقة بشأنها في مواقع صنع القرار لدى الأنظمة العربية، التي لم يرْقَ أي منها إلى الحد الأدنى من المسؤولية التاريخية إزاء هذا الاستهداف الذي يطال شرف الأمة وأعز مقدساتها، يدعواننا للمقاربة بين حال دولنا والأنظمة القابضة على ناصية صنع القرار في عالمنا العربي اليوم، وما نشهده من هرولة تطبيعية مع عدونا التاريخي وارتماء مهين في أحضان حاضنته الأميركية، وبين ذات الحال التي ذقنا مرارتها في أوائل تسعينيات القرن الماضي وما زلنا نتجرع سمها ونحصد عواقبها المرة على امتداد الربع الأول من القرن الحالي.

ففي زمن الردة العربية التي هرولت فيها كل أنظمتنا العربية إلى مؤتمر مدريد سيئ الذكر للدخول في مفاوضات استدراجية مع عدونا أواخر عام 1991، اقتنص الرئيس الأميركي بوش الأب هذه الهرولة العربية والفلسطينية نحو الرغبة في الحج إلى مؤتمر مدريد الذي تمخض عنه اتفاق أوسلو الكارثي، وتقدم بمشروع قرار أميركي للتصويت عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة يقضي بإلغاء القرار الأممي الأسبق الصادر عام 1975، والذي يقضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية كشرط من مقتضيات انعقاد مفاوضات السلام المزعوم، وجيَّش له كل أتباعه في الأنظمة العربية وغير العربية، وصدر القرار بأغلبية 111صوتاً من بينهم أغلبية عربية مقابل 25 دولة رافضة؛ وفي غضون بضعة أشهر تبعت ذلك شهدت الغرف المغلَقة والدهاليز المعتِمة في الكثير من العواصم الأوروبية والأميركية اتصالات ومباحثات سرية محمومة آلت بعد أقل من عامين إلى التوقيع على أخطر اتفاقيتين هما اتفاقيتا أوسلو ووادي عربة.

إن العامل المهم في كبح خطط الرئيس ترمب والكيان الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية يتمحور حول الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني وإبداعه في رد العدوان الصهيوني الهمجي.

ربحي حلوم

فما أشبه الليلة بالبارحة، حيث ظن ترمب أن حقبة اليوم هي استنساخ لحقبة التسعينيات، فطرح مشروع قراره على الجمعية العامة طامحاً إلى نتيجة كتلك التي حصدها سلفه بوش، لعله يفوز بالإبل في حمأة المهرولين إلى حاضنة التطبيع وبمباركة من المنسقين الأمنيين المغردين في غير سرب شعوبهم، ظنّاً منه أنه وإياهم قادرون على وأد المقاومة وتجريد غزة من بندقيتها المُشْرعة في وجه الاحتلال، وعلى لجم إرادة هذا الشعب وتمرير صفقة القرن على غرار ما شهدته صفقات التسعينيات.

إن العامل المهم في كبح خطط الرئيس ترمب والكيان الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية يتمحور حول الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في القطاع الغزي الصامد وإبداعه في رد العدوان الصهيوني الهمجي الأخير على أعقابه، وتوجيه صفعة غير مسبوقة لم يتلقَّ مثلها على امتداد نصف القرن الأخير، قلبت الطاولة في وجه كل هؤلاء المهرولين التُبَّع، وفي وجه الرئيس ترمب وسياسته الرعناء، وجعلتهم يتحسسون رؤوسهم ويعيدون حساباتهم حتى لا يجرفهم طوفان الغضب الشعبي في عواصمهم، الأمر الذي جسَّدته نتيجة التصويت الأخير على مشروع قرار الإدارة الأميركية الذي كان سيمهد الطريق لتمرير صفقة القرن وتغيير خارطة المنطقة، فلم يأت حساب الحقل على حساب البيدر، فتلعثم المُطَبِّعون كما تلعثم معهم الرئيس وحاشيته المهرولون.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي