عشر سنوات على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والمسمَّاه "الرصاص المصبوب"، ومازال القطاع يعاني من ذات الويلات حيث يعجز المجتمع الدولي عن رفع المعاناة عن مليون ونصف مليون شخص هم سكان القطاع.

عشر سنوات مرت على محرقة غزة، حينما أقدمت إسرائيل على قصف قطاع غزة وساكنيه، فيما يُعد محرقة، ضاربة عرض الحائط بالمواثيق الدولية والهدنة المبرمة والالتزامات التي تربطها والسلطة الفلسطينية وتعهدات "مسلسل السلام". ألقت حينها، غداة عيد الميلاد، وابلاً من القذائف، جواً وبراً وبحراً، ومنها القنابل العنقودية والفوسفورية، المحرمة دولياً، من دون تمييز.

لم توفر لا المستشفيات ولا المدارس، ولا سيارات الإسعاف ولا المؤسسات الأممية التابعة للأونروا (غوث اللاجئين) في عمليتها تلك التي أسمتها الرصاص المصبوب. عشر سنوات، وكان حينها الرئيس بوش الابن يتأهب كي يسلم المشعل لبارك أوباما، واستغلتها إسرائيل فرصة، خلال الفترة الانتقالية للسلطة في الولايات المتحدة، كي تُمطر غزة بشواظ من نار لا ينقطع. عشر سنوات من محرقة، بقي الضمير الدولي معطَّلاً وفي حكم المتواطئ أمام تعنّت إسرائيل وصلفها.

غزة عنوان إبادة شعب وعنوان هوان منظومة.

حسن أوريد

عشر سنوات ظهر فيها النظام العربي، أو ما يسمى كذلك، اسماً بلا مسمى، وجسداً بلا روح. عشر سنوات حينما تبدّت عورة العالم العربي، ما بين تواطؤ سافر وعجز بيّن. فلم تُقْدم القوات الإسرائيلية على التحريق الممنهج لغزة وتدمير بنياتها لولا الضوء الأخضر الذي حصلت عليها من لدن "الأشقاء" كما ورد على لسان وزيرة خارجية إسرائيل تزيبني ليفني Tzipni Livni في تصريح لها بالقاهرة وقد حظيت بـ "شرف" الالتقاء برئيسها آنذاك ومسؤول مخابراتها عمر سليمان، في جملة مأثورة (enough is enough) مقطبة جبينها، متوعدة في الخطاب، متهجمة في التصريح.

عشر سنوات، حين "تفضّل" المسؤولون العرب، في حمأة القصف والدمار، أكرمْ بهم وأنعمْ، بتقديم بعض المساعدات الإنسانية من أغطية وأدوية في الوقت الذي كانت فيه غزة تُقتل وتغتصب. عشر سنوات، حينما كانت الجماهير تصدح، في الرباط وتونس والقاهرة، وتنقل غضبها قناة الجزيرة، ضد العنجهية الإسرائيلية، ولا من يوقف الغطرسة. عشر سنوات حينما كان المتطوعون من الأطباء، يصطدمون بحاجز اسمه رفح، فينثنون خائبين، وقد مُنعوا من أن يؤدوا واجباً إنسانياً.

التاريخ يطفح بالجرائم وأقوى رد ضد الجرائم الدولية فضحها.

حسن أوريد

غزة عنوان إبادة شعب، وعنوان هوان منظومة. تحول الغضب بعدها، بعد سنتين، إلى"الربيع العربي". وهل يمكن فصل هذا عن ذاك؟ هل يمكن فصل الهوان الذي تبدّى حينها من بركان الغضب الذي انفجر بعدها؟ وهل يمكن نعت ما حصل لغزة حينها إلا بكونه محرقة وعملية إبادة؟

التاريخ يطفح بالجرائم، وأقوى رد ضد الجرائم الدولية فضحها. التستر عليها تواطؤ. ولكن الفضح لا يكفي. لا بد من التذكر. نسيان ما وقع في غزة قبل عشر سنوات، هو تواطؤ.

في تاريخ تراجيديا الشعب الفلسطيني محطات مُرْوعة، من دير ياسين وكفر قاسم، إلى صبرا وشاتيلا، فجنين. وغزة إحدى تلك المحطات المؤلمة، بل صدرها وعلامتها البارزة. والصمود والمقاومة يستمدان وهجهما ودفقهما من خلال الذاكرة.

البكاء والتباكي على مآسي مجموعة بشرية، والسكوت عن مآسي آخرين، ليس من العدل في شيء. العدل يأنف من الاختزال. فليس هناك مجموعة بشرية أسمى من أخرى، ولا واحدة أدنى من ثانية. ما حاق باليهود بأوشفيتز وفي غيرها من المحرقات جريمة إنسانية. مثل ما تعرض له البولونيون والغجر، في مختلف المحارق النازية، وقبله الغولاك من قِبل ستالين. أو ما تعرضت له البوسنة بعدها من تطهير عرقي، في أعقاب النظام العالمي الجديد، الذي بشّر به الرئيس الأميركي بوش الابن، أو ما عرفته رواندا من تناحر ما بين التوتسي والهوتو، وهو سُبّة في جبين الإنسانية، إذ لم تتدخل القوى العالمية لوقف النزيف إلا بعد أن أصابت الفأس الرأس، أو ما يتعرض له الروهينغيا حالياً من تهجير وتطهير عرقي في بورما، أو مسلمو الإيغور في الصين من تضييق.

ما تعرض له الفلسطينيون في غزة قبل عشر سنوات جريمة دولية لا تقل عن الفصول المُروعة من تقتيل وإبادة تطفح بها كتب التاريخ.

حسن أوريد

وما تعرض له الفلسطينيون في غزة قبل عشر سنوات جريمة دولية لا تقل عن الفصول المُروعة من تقتيل وإبادة تطفح بها كتب التاريخ. ضياع الذاكرة ليست أهون من ضياع الأرض. وحفظ الذاكرة سبيل من سبل استعادة ما ضاع.

عشر سنوات، ولا شيء ينبئ في الصحف ولا في وسائل الإعلام الدولية عن تلك المأساة. كما لو أنه يُنتظر أن يطالها النسيان.

لم تتوقف المنظومة العربية عن الاندحار بعدها، وهو ما أغرى الإسرائيليين بممالأة إدارة ترامب وتواطؤ "الأشقاء"، بالإجهاز نهائياً على الحقوق الفلسطينية فيما أسموه صفقة القرن. وجزء من الرد على هذا التخاذل، تذكُّر ما وقع قبل عشر سنوات في غزة. فالتاريخ يعلمنا أن القوة لا يمكن أن تنتصر ما دامت ذاكرة تتلجلج. الذاكرة جزء من المقاومة، ووقود العمل.

فمن أحيا نفساً واحدة، فكأنما أحيا الناس جميعاً، ومن قتل نفساً واحدة فكأنما قتل الناس جميعاً. وفي غزة، قبل عشر سنوات، قُتلت الإنسانية، ومات الضمير الإنساني. وانبعاثه رهين بالتذكر، بعدم النسيان. من لدن الضمائر الحية، من أي قبيل كانوا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي