إصرار النظام السوري على مناقشة الدستور الحالي، ومجرد إجراء تعديلات عليه لا اقتراح دستور جديد، قد يقوض مبنى النظام السياسي القائم في سوريا ومعناه، الذي يرسخ حكم عائلة الأسد، منذ ما يقارب خمسة عقود.

لم تتمخّض الجولة الحادية عشرة من المفاوضات السورية-السورية في مسار أستانا عن أي جديد، لا سيما بخصوص حلّ الخلاف المتعلّق بتشكيل لجنة صياغة الدستور السوري، التي يفترض أن تتشكّل مثالثة بين النظام والمعارضة والمجتمع المدني، إذ بقي الخلاف على الثلث الثالث المخصَّص للمجتمع المدني على حاله، بسبب رفض النظام وحلفائه (روسيا وإيران) تسمية هذا الثلث من قِبل ستيفان دي مستورا، المبعوث الدولي (المنتهية ولايته) إلى سوريا.

لم تتمخّض الجولة الحادية عشرة من المفاوضات السورية-السورية في مسار أستانة عن أي جديد، لا سيما بخصوص حلّ الخلاف المتعلِّق بتشكيل لجنة صياغة الدستور السوري

ماجد كيالي

بيد أنه قبل تناول تلك الحيثية، وتوضيح أبعادها، قد يجدر بنا لفت الانتباه إلى مسائل عديدة، أهمها يكمن في الآتي:

أولاً: أن ثمة مخاتلة في الحديث عن مفاوضات سورية-سورية، حيث إن ذلك لم يحصل في مسار أستانا، المستمر منذ عامين مع 11 جولة، ولا حتى في مسار جنيف، المستمر منذ العام 2013، مع تسع جولات، حيث لم يجلس طرفا التفاوض المعنيان وجهاً لوجه ولا مرة.

ثانياً: أن المفاوضات في المسارين المذكورين هي في الحقيقة تجري بين الأطراف الدوليين والإقليميين، لذا وبخصوص مسار أستانا فإن المفاوضات تجري بين روسيا وتركيا وإيران، مع علمنا أن الصراع السوري، بمحدداته ومستوياته، خرج منذ زمن من أيدي الطرفين المعنيّين مباشرة، أي النظام والمعارضة.

ثالثاً: تجري تلك "المفاوضات" في ظل ضعف واضح للمعارضة السورية، نتيجة هشاشة بناها، وتفكُّكها، وارتهاناتها، والفجوة بينها وبين مجتمعات السوريين في الداخل والخارج، ما يضعف مكانتها التفاوضية، إزاء النظام.

في ظل مسار أستانا التفاوضي، في العامين 2017 - 2018، فقدت المعارضة معظم أوراقها، لا سيما سيطرتها على الأرض، أي أن ذلك حصل رغم الاتفاق على "مناطق منخفضة التصعيد"

ماجد كيالي

رابعاً: في ظل مسار آستانا التفاوضي، في العامين 2017 - 2018، فقدت المعارضة معظم أوراقها، لا سيما سيطرتها على الأرض، أي أن ذلك حصل رغم الاتفاق على "مناطق منخفضة التصعيد"، إذ إنها خسرت مواقعها واحداً إثر الآخر، في دمشق وما حولها، وفي درعا، وفي حمص وريفها، بحيث لم تبق إلا منطقة واحدة، وهي إدلب وريفها، من تلك المناطق الأربع التي كان اتفق عليها في الجولة الرابعة من مفاوضات أستانا، مايو/أيار 2018.

خامساً: ما يفترض لفت الانتباه إليه، أيضاً، أن روسيا استطاعت اختزال كل العملية التفاوضية، بمجرد حديث عن تشكيل لجنة لصياغة الدستور، لكن حتى في هذه الحيثية، فإن الغرض منها تمرير مسائل أخرى، لصالح النظام وحلفائه، مثل إعادة الإعمار، وزعم تسهيل عودة اللاجئين، وذلك بعد أن نجحت في تهميش استحقاقات بيان جنيف1 عام 2012، وإفراغ قرار مجلس الأمن الدولي 2254 عام 2015 من مضمونه، وضمن ذلك الالتفاف على مفاوضات جنيف بخلق مسار أستانا.

الآن، وفيما يخص تشكيل لجنة الدستور فمن الواضح أن محور روسيا وإيران والنظام يشتغل وفق إستراتيجية معيّنة قوامها، أولاً، تحويل عملية المفاوضات إلى عملية علاقات عامة، أو إلى دوامة لا نهاية لها، ومن دون أي مضمون حقيقي، بما يقارب النهج الإسرائيلي في المفاوضات مع الفلسطينيين، حيث من المهم المفاوضات في حد ذاتها، وليس التوصل إلى حلول معينة لإنهاء الصراع. ثانياً، إثارة مشكلة في تشكيل اللجنة، إذ إن النظام لا يكتفي بحصّته في اللجنة، وإنما هو يريد أن يجعل حصّة المجتمع المدني من الموالين له، أيضاً، علماً أن للنظام حصّة حتى في وفد المعارضة، أو المحسوب على المعارضة، سواء من تمثيل منصّة موسكو (قدري جميل)، أو من بين المستقلين.

ثالثاً، حتى لو تشكَّلت لجنة صياغة الدستور فإن النظام سيعرقل عملها، سيما مع تأكيده المتكرر أن الدستور هو شأن سيادي، أي يفترض أن يجري تحت إشرافه، هذا إضافة إلى إصراره، تبعاً لما تقدَّم، على مناقشة الدستور الحالي، ومجرد إجراء تعديلات عليه، وليس اقتراح دستور جديد، قد يقوِّض مبنى النظام السياسي القائم في سوريا ومعناه، الذي يرسخ حكم عائلة الأسد، منذ ما يقارب خمسة عقود.

رابعاً، إضافة إلى كل ما تقدم، يجدر إدراك أن أطراف أستانا الضامنة، أي روسيا وتركيا وإيران، لكل منهم أجنداته وأولوياته. لذا فإن ذلك يفسر أن الجولة الحادية عشرة من مفاوضات أستانا جرت تحت النار، أي في أجواء تسخين، في جبهات إدلب وما حولها، عبر القصف الصاروخي الذي استهدف جرجناز ومناطق في ريف حلب وإدلب، وعبر القصف بالكيماوي، واتهام فصائل المعارضة العسكرية به، وكذلك من خلال ادعاء محاربة الإرهاب، بحجة وجود جبهة النصرة في إدلب، وطلب قتالها من فصائل المعارضة. والفكرة هنا أنه ليس ثمة مصلحة لا للنظام ولا لإيران في بقاء منطقة خفض التصعيد في إدلب، ما يذكِّر بأن هذه المنطقة تم الاتفاق على استمرارها في قمة ثنائية جمعت الرئيسين الروسي والتركي في سوتشي (17/9) وليس في القمة الثلاثية التي عُقدت قبل ذلك بعشرة أيام في طهران، وضمن الرؤساء الثلاثة بوتين وأردوغان وروحاني، بمعنى أن إيران ليست معنية باستقرار هذه المنطقة، بل معنية بتخريب التوافق الروسي-التركي بشأنها. والمفيد هنا أن تركيا لا يمكن أن تقدم أي تنازل في شأن اللجنة الدستورية بدون ضمانها استمرار التوافق على منطقة خفض التصعيد في إدلب.

ينبغي إدراك حقيقة مفادها أنه بدون موقف أميركي حاسم فإن الصراع السوري سيستمر وفق صيغة لا غالب ولا مغلوب، لا النظام ولا المعارضة

ماجد كيالي

خامساً، وأخيراً ينبغي إدراك حقيقة مفادها أنه بدون موقف أميركي حاسم فإن الصراع السوري سيستمر وفق صيغة لا غالب ولا مغلوب، لا النظام ولا المعارضة، وألا أحد، أي لا طرف دوليّاً أو إقليميّاً، يمكن أن يستثمر أي نجاح له في سوريا على شكل عوائد سياسية، مع علمنا أن الولايات المتحدة بعثت برسائل عدة في هذا الشأن، إن بقول وزير خارجيتها أن بلاده مع تركيا تسيطر على 40% من مساحة سوريا، أو في تصريح عدد من المسؤولين بأن عودة الاستقرار لسوريا، وخروج كل القوات الأجنبية، يتطلب إنهاء الإرهاب، وإخراج إيران وميلشياتها، وتحقيق الانتقال السياسي. على ذلك لا يوجد في المعطيات الإقليمية والدولية ما يفيد بحسم الصراع الجاري في سوريا، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية ما زالت على موقفها اللا مبالي إزاء ما يجري، أو المتعلق باستدراج الأطراف الأخرى لمزيد من التطور في الصراع السوري، لوضعهم في مواجهة مع بعضهم، واستنزافهم.

القصد من كل ذلك تأكيد أنه من السذاجة توقُّع أي نجاح في مسار أستانا، أو أي مسار تفاوضي آخر، لذا فما جرى في الجولة الحادية عشرة بخصوص لجنة صياغة الدستور، سيحصل في الجولات الآتية، أيضاً، على هذه المسألة أو تلك، في حال استمرار المعطيات الإقليمية والدولية الراهنة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي