مظاهرة أمام البيت الأبيض ضد تورُّط الولايات المتحدة في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن (AFP)

هذا بالإضافة إلى إحالته على الوضع الإنساني المريع في اليمن، والتلميح إلى الخطأ الاستراتيجي الذي انغمرت فيه بلاده حينما دعّمت في ظل الإدارة السابقة وقبلها، حليفها السعودي، عسكرياً بإمداده بالسلاح والدعم اللوجيستي والاستخباراتي، وما تناسل عن ذلك الدعم من جرائم حرب كقصف المدنيين، وتجويع الساكنة، وانتشار الأوبئة واستفحال الأمراض، وارتفاع عدد الضحايا من فئة الأطفال.

لم تكتف الولايات المتحدة في ظل الإدارة الجديدة، بالتزامها بوضع حد للحرب بل سحبت حزب أنصار الله أو الحوثيين من قائمة الجماعات الإرهابية، وعينت مبعوثاً لها مكلفاً بالملف اليمني السيد تيموتي ليندر كينغ، وهي كلها قرارات مزعجة للسعودية، هذا فضلاً عن خطاب الولايات المتحدة حول العودة لمبادئ حقوق الإنسان.

بيد أن رئيس الدبلوماسية الأمريكية أنتوني بلينكن حرص على التلطيف من القرارات الجديدة التي من شأنها أن تغضب حليفه السعودي، بالإشارة إلى حق السعودية في الدفاع عن نفسها.

فهل تُترجم هذه التصريحات المشجعة لوضع حد للحرب على اليمن؟ وهل تستطيع الولايات ثني الأطراف، الظاهرة منها والمستترة. ذلك أن القصف الجوي للتحالف الذي تقوده السعودية والإمارات لم يتوقف، والحصار مازال مستمراً، ورد الحوثيين بالطائرات من غير طيار لم يفتر، والمعارك على أشدها حول محافظة مأرب ما بين الحوثيين والجيش الوطني.

التحول الذي أبدته الإدارة الأمريكية غير كاف لوضع حد للحرب في اليمن. ولا يبدو بالنظر إلى التطورات على الأرض إلى بوادر انفراج أو حلحلة، فالسعودية لن تتراجع بالنظر إلى تطور الأحداث على الأرض، وهو ما عبر عنه مندوب السعودية في الأمم المتحدة من أن السعودية لن تنتظر الإذن من أحد للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.

أما الحوثيون فهم جزء من المعادلة الإيرانية، وورقة في البرنامج النووي الإيراني، وواحدة من وسائل ضغط طهران على الإدارة الأمريكية لإلغاء العقوبات على إيران.

تغيّر أسلوب الولايات المتحدة حيال كل من السعودية، الحليف الاستراتيجي، وإيران، العدو الاستراتيجي، إلا أن التغيير لن يطال الجوهر، سواء حيال السعودية التي ستبقى حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، أو حيال إيران التي يُنظر إليها دوماً كدولة مارقة، تهدد الأمن والاستقرار ليس في الخليج وحده بل في الشرق الأوسط، وتبعثر اللعبة الغربية في سوريا ولبنان، وتهدد إسرائيل.

أسباب تغيير الأسلوب، من الزاوية الأمريكية، هو أن الخيار العسكري في اليمن لم يحسم المعركة، ويدخل ضمن ما يسميه الاستراتيجيون الأمريكيون بالحروب التي لا يمكن الانتصار فيها، كما ورد فيما يُعرف بأوراق أفغانستان.

تغيرت طبيعة الحروب منذ حروب الاستقلال إبان الفترة الاستعمارية، حيث لم تعد القوة العسكرية كافية لحسم النزاع، ويمكن للطرف الضعيف أن يكيل ضربات قوية للطرف القوي، ويجبره على التراجع كما حدث في الحرب الهند صينية مع فرنسا، وحرب التحرير الجزائرية، وفي فيتنام مع الولايات المتحدة، وفي أفغانستان مع الاتحاد السوفيتي.

تدخل الحرب اليمنية في دائرة الحروب التي لا يمكن للقوي أن ينتصر فيها. صمود الطرف الضعيف وارتباطه بإيديولوجية جامعة يفل من قوة القوي.

ويضاف إلى ذلك الطبيعة الجغرافية لليمن المتشكلة من جبال ومنافذ وعرة، وهو عامل يحد من خيار القوة. الخيار العسكري في اليمن أبان عن محدوديته، وليس هناك أي إمكانية أن يكون حاسماً في المستقبل، وهو العامل الأساسي الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى تغيير رؤيتها بشأن الحرب على اليمن.

أكسبت الحرب في اليمن جماعة الحوثي شرعية، لأنه من منظور يمني بل دولي يدافع عن حوزته الترابية ضد معتدٍ، ويقف ضد تمزيق البلد والأطماع التوسعية ونزعات الانفصال، أمام ضعف "الحكومة الشرعية" وتورط المجلس الانتقالي في مخططات تجزيئية وانفصالية.

ولذلك، أياً كانت المآلات الدبلوماسية، فالحوثي رقم مهم في المعادلة، ولا يمكن لأي تسوية أن تتم بمعزل عنه. وفي ذلك فشل لكل من السعودية والولايات المتحدة، والخيار الدبلوماسي الذي تدعو إليه الولايات المتحدة هو من أجل تقليل الأضرار، والتركيز على مصدر الخطر، من منظور أمريكي، وهو البرنامج النووي الإيراني.

مهما كانت التطورات، فلن تتخلى الولايات المتحدة عن حليفها السعودي، بالنظر إلى تاريخ العلاقات الأمريكية السعودية، ومن أجل ضبط سوق النفط، و بالنظر لأذرع السعودية في العالم العربي، من أدوات تأثير دبلوماسي ومالي وإعلامي وقوة ناعمة، وعدم دفعها لمغازلة الصين وروسيا، فيما يخص مبيعات السلاح.

إلى جانب ذلك، تُعتبر السعودية الضمانة الأساسية، من منظور أمريكي لإنجاح اتفاق أبراهام، وهو أحد الركائز الأساسية للسياسة الأمريكية في المنطقة والذي يقوم على تطبيع علاقات دول من العالم العربي مع "إسرائيل"، وهي السياسة التي لم يكن لها أن تتم من دون مباركة السعودية، ولا يمكن الإبقاء عليها بمعزل عنها.

لا تعدم السعودية وسائل التأثير بداخل حزام واشنطن، من خلال علاقاتها المتشعبة مع المُشرعين، واللوبيات، ومراكز البحث، وتجار السلاح. ولذلك من الوارد أن تعرف الإدارة الأمريكية انعطافة في اتجاه السعودية، مع تنازلات سعودية فيما يخص ملف حقوق الإنسان، وإجراء ترتيبات جديدة ومصالحات، على المستوى الإقليمي، مع كل من قطر وتركيا.

أوراق الولايات المتحدة في المنطقة غير تلك التي كانت تملكها من قبل، رغم إرادة الرئيس الأمريكي بايدن بالعودة إلى الساحة الدولية، فكل من الصين وروسيا فاعلان، يُحسب لهما الحساب، وهما حاضران بقوة في إيران، ويحدّان من أثر العقوبات.

من جهة أخرى أبانت تبرئة الرئيس السابق ترمب من قِبل الكونغرس أن الولايات المتحدة لن تتعافى بسهولة من التمزق الذي تعانيه، ومن شأنه أن يستفحل، مع إمكانية قيام توجه سياسي ثالث خارج الثنائية الحزبية المشكلة للثقافة السياسية الأمريكية. وإذا ما استفحل الشرخ الداخلي، فلسوف يؤثر سلباً على دور الولايات المتحدة في الساحة الدولية.

أما الملف النووي فلم يظهر إلى حد الآن أي اختراق دبلوماسي في الموضوع، أمام اشتراط كل طرف خطوة من الجانب الآخر. الولايات المتحدة التي تشترط وقف برنامج التخصيب، وإيران التي تشترط رفع العقوبات، وتهدد بالخروج من الاتفاق. وكل ذلك يؤشر إلى العودة إلى المربع السابق، مما ينذر باستمرار الحرب في اليمن، واستمرار معاناة الشعب اليمني.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي