تعود روسيا لتتدخل في الانتخابات ولكن هذه المرة في أوروبا. فمع مرور الوقت تتأكد حقيقة أن منصات التواصل الاجتماعي قد تحولت إلى سلاح بيد البعض يستخدمه في عمليات التدمير والتخريب. وعليه فإن تكيُّفنا مع هذه الحقيقية أصبح أمراً لا مفرّ منه.

فبعد ما يقرب من أربع سنوات على التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016 والتلاعب بآراء وأصوات الناخبين عبر عمليات ضخّ هائلة للمنشورات والإعلانات الموجهة عبر منصات التواصل الاجتماعي خصوصاً فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، ما زالت هذه المنصات عرضة للاستغلال من قبل الكثير من اللاعبين الذين يرون في هذه المنصات وسائل فعَّالة لشن حملات التضليل.

بعد كل هذه السنوات، وعلى الرغم من كل الجهود والإجراءات التي اتخذتها هذه المنصات لمكافحة آفة حملات التضليل المعلوماتي، ما زلنا نشهد حالات تدخُّل مباشر من أجل العبث بآراء الناخبين، والتأثير على قراراتهم وتوجهاتهم السياسية.

وهذا الأمر يضعنا أمام حقيقة هي أننا بتنا نتعامل مع سلاح ناعم ينتشر عبر الأثير ليصل إلى كل فرد فينا أينما كان مكانه، ويعمل بالنتيجة على التأثير به، بغير وعي منه في كثير من الأحيان.

هذا السلاح هو منصات التواصل الاجتماعي التي أصبح انتقالها من مجرد وسيلة للبقاء على تواصل مع الأقارب والأصدقاء، إلى أداة في المعترك السياسي والآيديولوجي أمراً حتمياً، ولا مفرَّ لنا بناء على ذلك من التعامل معها وفق ما آلت إليه طبيعتها.

قبل أيام نشرت المفوضية الأوروبية تقريراً لها في غاية الأهمية يُظهِر كيف حاولت جهات محسوبة على روسيا التدخل في الانتخابات الأوروبية التي جرت مؤخراً في مايو/أيار الماضي.

وهذا التقرير يُعَدّ الأول من نوعه الذي يدلّ بشكل رسمي على الدور التي تمارسه هذه الجهات المشبوهة. وقد كانت العديد من المنظمات الأهلية، والناشطين، ومراكز الأبحاث مسبقاً يحذّرون من هذه الجهات، وتأثيراتها المحتملة على العملية الديمقراطية.

وقد جاء في التقرير أن الأدلة التي تم جمعها تكشف عن نشاط من جانب مصادر روسية تهدف من خلال حملات تضليل مستمرة وثابته إلى قمع الإقبال على الانتخابات الأوروبية والتأثير على توجهات الناخبين.

على أن للمشكلة وجهين: الوجه الأوَّل متعلق كما أشرت بتحوُّل منصات التواصل الاجتماعي إلى سلاح بدلاً من أن تكون أداة اجتماعية للتواصل. أما الوجه الثاني فيتعلق بأن الجهات التي تقوم بشن حملات التضليل عبر هذه المنصات يصعب الكشف عنها على وجه التحديد.

وعدم القدرة على الكشف هذه لا تعود إلى عجز في التقنيات المستخدمة في عمليات الكشف والتعقب، بل إلى طبيعة الإنترنت التي توفّر فضاءً واسعاً من المجهولية التي تسمح لمستخدميها بالاختباء، وإخفاء الهوية الفعلية للمستخدم.

لذلك وعلى أهمية التقرير المذكور الذي يشير إلى مصادر روسية في عمليات التدخل، فإنه فشل في إعطاء دلائل تربط بشكل مباشر بين عمليات التدخل والكرملين، أو إعطاء تفاصيل حول المجموعات التي تدّعي أن روسيا وظفتها للقيام بعمليات التدخل والتضليل المعلوماتي.

الأمر الآخر الذي يتعلق بخاصية المجهولية التي تتصف بها الإنترنت بالإضافة إلى إخفاء الهوية الحقيقية هو أن التكتيكات التي يستخدمها هؤلاء الفاعلون لا يمكن الكشف عنها، أو يتعذر التعرف عليها بشكل يسمح بتتبعها أو اجتراح وسائل فاعلة لصدها أو مقاومتها أو حتى احتوائها. فالتقرير لم يصل إلى حد تقييم هذه التكتيكات ومدى فاعليتها في التأثير على أمزجة الناخبين السياسية.

لقد قامت شركات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب باتخاذ الكثير من الإجراءات لمكافحة عمليات التضليل المعلوماتية، وكذلك قامت الكثير من الحكومات عبر أجهزتها الأمنية والتشريعية من خلال سن القوانين في مقاومتها وصدها، إلا أن هذه الجهود تبدو متواضعة أمام حقيقة الاستخدام الخبيث لمنصات التواصل الاجتماعي في التأثير على الحياة الديمقراطية.

فمن هذه الجهود على سبيل المثال، أن شركة فيسبوك وحدها كما أشارت صحيفة نيويورك تايمز قامت بحظر أكثر من 1700 صفحة، ومجموعة، وحساب لمنخرطين في سلوكيات خبيثة تستهدف دول الاتحاد الأوروبي في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، وأن الجهات المتخصصة في الاتحاد الأوروبي رصدت ما يقرب من ألف حالة تدخُّل لجهات محسوبة على روسيا منذ كانون ثاني/يناير من العام الجاري.

هذه الإجراءات ربما تعمل على تخفيف حدة هذه التدخلات الخبيثة، ولكن القضاء عليها تماماً يبدو مهمة مستحيلة.

ما من شك بأن هذه النتيجة تصيب غالبيتنا بالإحباط. ففي ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، وفي ظل اعتمادنا الكبير عليها، ربما من الصعب علينا تقبُّل فكرة أن تتحول هذه المنصات إلى سلاح ناعم يؤثر في اللا وعي لدينا ولدى أطفالنا وأبنائنا تجاه تبنِّي أفكار تتعارض أو تتخاصم مع هُوياتنا المحلية أو قناعاتنا الشخصية.

بنظري، جزء مهمّ في حل المشكلة أو التعاطي معها بطريقة بنَّاءة يكمن في تغيير مقاربتنا للحل. يتركز الحل حالياً على المعطى التقني والقانوني من خلال تغيير هذه الشركات لخوارزمياتها وسياسات الحماية والخصوصية لديها، أما الحكومات فتعمل على سن قوانين معيَّنة تتعلق غالباً بالملكية الفردية، ومحاربة الاحتكار، ونشر خطاب الكراهية.

المقاربة التقنية-القانونية لا تكفي. يجب أن تكون هناك مقاربة مجتمعية بحيث تتظافر جهود هذه الشركات والحكومات مع منظمات المجتمع المدني لتعزيز حملات التوعية، ونشر الخطابات البناءة، وتقوية الحصانة الشخصية، والمحافظة على الوعي الجمعي من خلال التعليم، والتدريب، والفهم القائم على المعرفة، والإحساس المشترك.

قد تبدو هذه المهمة طويلة وشاقة، ولكن لا بدّ منها. إن حملات التضليل المعلوماتي ونشر خطاب الكراهية لا يمكن أن تثمر نتائجها المرجوة التي تطمح إليها المصادر التي تقف وراءها ما دام المجتمع يتمتع بالقوة والمعرفة والوعي.

فإذا كانت خاصة المجهولية تسهم في تسهيل عمل أصحاب التضليل المعلوماتي، فإن جهل المجتمعات يفاقم هذه الظاهرة ويجعلها متأصلة في بنياته الحيوية، لذلك فإن مجابهة المجهولية تقنياً لا بدّ أن تترافق مع مجابهة الجهل معرفياً من أجل وضع حد لحملات التضليل المعلوماتية وكل ما يرافقها من ظواهر انعدام الأمن المعرفي، وانتشار خطاب الكراهية، وحالة الشك وانعدام اليقين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي