من آثار الدمار الذي خلفته صواريخ المقاومة الفلسطينية  (Jack Guez/AFP)

من بداية تصعيد قوات الاحتلال الكبير في القدس، من باب العامود إلى حي الشيخ جراح، إلى ساحات المسجد الأقصى، كان واضحاً عند الكثيرين بأن هذا التصعيد المستفز والكبير لن يمر من غير تدهور للأوضاع يقود إلى مواجهات مباشرة بين قوات الاحتلال من جهة، والفلسطينيين من جهة أخرى ليس على مستوى النضال الشعبي بل على مستوى الحرب الفعلية، وهو ما تمثل في دخول قوى المقاومة الفلسطينية على الخط وذلك استجابة لتطلعات شعبها في رد الاعتبار للشعب الفلسطيني، وصداً ودفاعاً عن القدس ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمدقق في تفاصيل مشهد الأحداث يجد مجموعة من المستجدات على مجريات الصراع لم تكن مشاهدة في السابق، وهو ما يدل على أن الصراع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي يشهد تقدماً مستمراً يصب في معادلة تراكمية لدحره نهائياً من أرض فلسطين يوماً ما، ونرجو أن يكون هذا اليوم قريباً.

أولاً وقبل كل شيء، رأينا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قابلة، في حال جوبهت برد فعل قوي وصارم، للانصياع والتراجع. في إسرائيل، ومن ورائها المنظمات الصهيونية الدينية المتطرفة، كانت قد تراجعت عن قرار المحكمة حول تهجير الفلسطينيين من مساكنهم في حي الشيخ جراح في القدس أو على أقل تقدير أجّلت قرار النطق بالحكم. كما أنها اضطرت إلى تغيير مسار مسيرة الرايات للمستوطنين اليهود ولم تمر من باب العامود، في حين فكت حصارها عن المعتصمين في المسجد الأقصى على الرغم من أن ذلك كلف الكثير من الأضرار على مرافق الحرم من ناحية، وعلى المصلين من ناحية ثانية.

في الوقت ذاته، كشفت الأحداث عن انكشاف مذهل للجبهة الداخلية للجمتع الإسرائيلي. فقوة هذا المجتمع تتركز في آلته العسكرية والأمنية الكبيرة وحسب في الوقت الذي يعتبر المجتمع هشاً للغاية. وليس أدل على ذلك من حالة الهلع التي أصابت المستوطنين عندما سمعوا بتهديد قوى المقاومة بضرب مدينة القدس بالصواريخ، الأمر الذي دعاهم إلى إخلاء ساحة البراق عن بكرة أبيها. هذا يعني أنه مجرد أن تسقط ورقة التوت عن هذا المجمع فإن مقاومته أمام المتغيرات الأمنية ستكون هشة جداً، وسوف تكتظ المطارات والمواني بالهاربين خارج فلسطين المحتلة حيث اعتدنا أن نرى أن الهجرة العكسية تكثر كلما اشتد الصراع، ولنا أن نتخيل الحال الذي وصل إليه هذا المجتمع الصهيوني حتى تخرج صحيفة يومية هي الكبرى لديهم، صحيفة معاريف، وتكتب بمانشيت عريض عنوان "الدولة تحترق".

ولكن المفارقة الكبرى ربما، والأكثر ادهاشاً، فقد كانت تحرك بعض مدن الداخل الفلسطيني ومشاركتها بشكل غير مسبوق في المواجهات مع قوات الأمن الإسرائيلية. فلأول مرة على سبيل المثال تتصدر مدينة مثل اللد عناوين الأخبار، وقد سار حديث بين الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي بأن المدينة قد تحررت فعلاً عندما تسربت فيديوهات تصور هروب قطعان المستوطنين من المدينة على إثر المواجهات.

لقد انتفض الفلسطينيون في مدن وبلدات مجد الكروم، والناصرة، وحيفا، وأم الفحم، ورهط، وكفر كنا، وشفا عمرو، وعرابة، وغيرها، وهو إعلان عن فشل ما يمكن أن يسمَّى بنظام الأسرلة وتذويب الهوية الفلسطينية.

إن رفع علم فلسطين في هذه المدن والبلدات لا يقل استفزازاً للسلطات الإسرائيلية عن ضربهم بصاروخ من صواريخ المقاومة الفلسطينية. هناك وعي متجذر بالهوية الفلسطينية لدى عرب الداخل، وهم اليوم وأكثر من أي وقت مضى يشعرون أنهم ينتمون إلى الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، وها هم اليوم يهبون دفعاً عن القدس وغزة، ويرفضون سياسات الاحتلال العنصرية الممارَسة بحقهم، فهم يعلنون بهذا الرفض أحقيتهم بالمكان، واعتراضهم العميق على معاملتهم كمواطني درجة ثانية على أرضهم.

هنا نجد أنه ربما لأول مرة منذ مدة طويلة جداً يتوحد فيها الشعب الفلسطيني في نضاله ضد إسرائيل، في الداخل، وفي الضفة الغربية، وفي القدس، وفي غزة. هذا لا يعني أننا أصبحنا على مرمى حجر من تحرير فلسطينية كاملة، ولكننا أمام واقع جديد يتشكل، وهو واقع إحساس الفلسطينيين، بغض النظر عن وجودهم، بانتمائهم الواحد. لقد صرفت إسرائيل الكثير من الجهد ومن الوقت لكي تفرق الشعب الفلسطيني وتشتته، واليوم نراه أكثر من أي وقت مضى قابلاً للتوحد نحو هدف واحد، هو هدف التحرير، واسترداد الأرض.

وهذا يقودنا إلى النقطة التالية، وهي أس هذه الوحدة، وعنوانها، وهي هنا القدس والمسجد الأقصى. لقد أثبتت الأحداث السابقة أن قضية القدس هي في مركز الصراع، وأنه مركز لا يقبل القسمة على اثنين. وقد حفزت الكل الفلسطيني لكي يقف سداً منيعاً أمام مشاريع تقسيم الحرم القدسي، أو حتى مشاركته في مواسم معينة. فالحرم القدسي ملكية إسلامية خالصة، ولا يمكن مشاركتها مع أي طرف كان، فما بالنا إذا كان هذا الطرف طرفاً محتلاً غاصباً كإسرائيل.

لقد حاولت إسرائيل، ومن خلال إدارة الرئيس السابق ترمب، فرض أمر واقع في القدس تمثل على سبيل المثال بتمرير صفقة القرن التي شطبت القدس من مفاوضات الحل النهائي، ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.

أرادت إسرائيل أن تفرض سيادتها على القدس ما بعد الاعتراف، وهو ما أفشلته هبة المقدسيين. بطبيعة الحال المعركة لم تنتهِ بعد، وسوف تعاود إسرائيل اتباع جميع الطرق والوسائل من أجل تنفيذ سيادتها الكاملة على القدس وخصوصاً على منطقة الحرم القدسي، وهو الأمر الذي يحتاج من الفلسطينيين وجميع المساندين لهم إلى حالة من التيقظ الدائم والحذر والعمل الدؤوب.

أما أخيراً، فإن رد المقاومة الفلسطينية كان حاسماً وكبيراً وفي الصميم. أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية مباشرة عملية "سيف القدس"، وقد تصاعدت بشكل غير مسبوق حيث ضربت الصواريخ في ثاني يوم من العملية مدينة تل أبيب في عمق دول الاحتلال الإسرائيلي.

ليس هذا وحسب، بل وصلت صواريخ المقاومة إلى أبعاد غير مسبوقة، وأصبحت مدياتها تغطي مدن فلسطين المحتلة قاطبة، حيث سجل سقوط صواريخ على جنوب مدينة الناصرة المحتلة لأول مرة، ومرج ابن عامر، وبيسان والكرمل، وهو أمر جديد عبر عنه مراسل الجزيرة إلياس كرام عندما قال بأن "ما يقرب من ستة ملايين إسرائيلي من أصل تسعة أصبحوا داخل مرمى نيران المقاومة الفلسطينية".

هذه التطورات الحاسمة دفعت بعض المعلقين الإسرائيليين إلى التعبير بطريقة هستيرية عن وضعهم الجديد الذي وجدوا أنفسهم فيه. فالصحافي الإسرائيلي سفي هندلر قال بأن "حماس ألحقت بنا الهزيمة الكبرى في تاريخ المواجهة معها، لم تنجم الهزيمة عن عدد صواريخ حماس بل نجاحها في لسع الوعي الإسرائيلي. لقد جعلت حماس إسرائيل في نظر قاطنيها مكاناً غير آمن، وعنيفاً، ومتفككاً، وهذه ضربة قوية للأمة الإسرائيلية".

أما المحلل العسكري المعروف إليكس فيشمان فكتب في يديعوت بالقول: "نحن في حرب. هذه ليست جولة، وليست أيام قتال، فشل المطار، وضرب البنية التحتية الاستراتيجية "كاتسا" (هو خط نفط إيلات-عسقلان)، وضرب مكثف للمراكز السكانية، هذه حرب بين إسرائيل وحماس".

في حين قال المعلق العسكري لصحيفة هآرتس عموس هارئيل بأن "إسرائيل تعجز عن الحصول على صورة تغطي على إنجازات حركة حماس التي لسعت وعي مجتمعنا. وجيشنا عاجز عن تسويق إنجازاته لدى الجمهور الإسرائيلي".

وفي كلمته الجديدة، أعلن أبو عبيدة أنه وبأمر من قائد هيئة أركان القسام محمد الضيف، أطلقت حماس تجاه مطار رامون جنوب فلسطين المحتلة وعلى بعد نحو 220كم من غزة، صاروخ عياش 250 بمدى أكبر من 250كم وبقوة تدميرية هي الكبرى. وبذلك تكون جميع مطارات إسرائيل تحت نيران المقاومة الفلسطينية، فإسرائيل عمدت قبل أيام إلى إغلاق مطار بن غوريون وتحويل الرحلات إلى مطار رامون، ومع استهداف الأخير، ستكون إسرائيل في عزلة عن العالم.

هذه المعالم الجديدة للصراع من شأنها أن تؤسس لمرحلة جديدة، تتراكم فيها الخبرات والإنجازات الفلسطينية بما يخدم المشروع الكبير ألا وهو تحرير فلسطين.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي