نحن إزاء منطق جديد تدير به الدول العربية ظهرها للفلسطينيين، في عملية انفتاح واسعة مع دول الاحتلال الإسرائيلي بناء على مصالحهم القومية، وهي وضعية غير مسبوقة فيما يتعلق بتاريخ القضية الفلسطينية التي تمتعت على الدوام بحاضنة عربية رسمية قوية.

لم يضيع رئيس الوزراء الإسرائيلي الفرصة اليوم أثناء خطابه في الكنيست، لمدح "السلام"، ذلك السلام الذي جاء وفق تعبيره من منطق القوة، في إشارة إلى سياسة الإملاءات التي فرضتها إسرائيل وإدارة الرئيس ترمب على المطبِّعين العرب الذي نعتهم الخطاب -وإن بطريقة غير مباشرة- بالضعفاء والجبناء. لقد كان نتنياهو صريحاً في خطابه عندما قال: "لطالما اعتقدت أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا من موقع القوة وليس الضعف. القوي يٌحترم. تتشكل التحالفات مع الأقوياء، بينما يُداس الضعيف، ".

عندما جرى الإعلان عن اتفاقية التطبيع بين دولة الإمارات ودولة الاحتلال الإسرائيلي، كان هناك اندفاع عارم من قبل الإعلام المؤيد لمحور الإمارات- السعودية- مصر تجاه تبرير هذه الخطوة عبر الترويج بأن الاتفاقية من شأنها أن تحافظ على حقوق الفلسطينيين من خلال وقف عملية الضم التي كانت سلطات الاحتلال تزمع تنفيذها للكثير من أراضي الضفة الغربية وغور الأردن، وأنها – أي الاتفاقية- تصب في المصلحة الاستراتيجية للإمارات خصوصاً من خلال الترويج إلى تضمنها شرط عدم اعتراض إسرائيل على صفقة شراء الطائرات الأمريكية من طراز F-35.

ولم يمض الكثير من الوقت حتى بتنا نرى زيف هذه الادعاءات، وكيف أن دولة الاحتلال الإسرائيلي ما لبثت أن صفعت المطبعين العرب على وجوههم. ففيما يتعلق بصفقة الطائرات فقد عبر نتنياهو عن عدم قبوله بأي شرط ضمني يعطي الضوء الأخضر تجاه امتلاك الإمارات هذا الطراز من الطائرات المقاتلة، وفي حال تمت الصفقة بين الولايات المتحدة والإمارات، فإن إسرائيل تسعى لإقناع واشنطن بخفض فاعلية الطائرات حتى لا تكون قادرة على منافسة الطائرات الإسرائيلية من الطراز ذاته وذلك من أجل المحافظة على التفوق النوعي للقوة العسكرية الإسرائيلية مقارنة بدول الجوار حتى ولو كانت دول الجوار هذه مطبعة معها، أو موقعة على اتفاقيات سلام.

أما فيما يتعلق بعملية إيقاف الضم، فإن حجم الزيف في تلك الادعاءات يتضاعف. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقبل حتى أن يجف الحبر على ورق التفاهمات مع الإمارات، خرج بتصريح واضح بأنه لا يوجد حديث عن إلغاء الضم، وأن كل ما في الأمر هو تأجيل العملية. أي ممارسة عمليات الضم بطريقة صامتة لا تثير المشاكل ولا المتاعب، وذلك مراعاة لحسابات انتخابية تتعلق بالرئيس ترمب مع قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن إسرائيل بصدد تقديم تنازلات للمطبعين من دول الخليج على طبق من ذهب. خصوصاً في ظل إيمان قياداتها الراسخ بأن هذا التطبيع جاء وفق مبدأ القوة، أي فرض الإملاءات، وأن المطبعين العرب من دول الخليج لا يملكون إلا الانصياع في ظل حالة الانكشاف الإقليمية، وترهل النظام العربي، والذي أنتجته، بالمناسبة، السياسات الصبيانية لمحور السعودية –الإمارات.

والأمر لم يتوقف عند هذا الحد إسرائيلياً، بل قامت حكومة نتنياهو بالدفع نحو بناء المزيد من الوحدات الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية. وهو ما يعني قطعاً واضحاً وصريحاً مع أي وعود حاول محور المطبعين الترويج لها تجاه دعم الحقوق الفلسطينية. وهو ما بات يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تكن قضية مساومة على طاولة هؤلاء أصلاً، بل تم التضحية فيها مسبقاً.

فقد أمر نتنياهو مؤخراً ببناء ما يقرب من 4500 وحدة استيطانية في الضفة الغربية؛ تضاف إلى ما يقرب أيضاً من 5 آلاف وحدة سكنية كانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت عنها في وقت مبكر من هذا الشهر. كما أن حكومة الاحتلال وافقت، وفق حركة "السلام الآن الإسرائيلية" على بناء ما يقرب من 3500 وحدة استيطانية في القدس الشرقية، ليضافوا، وفق المنظمة، إلى ما يزيد عن 428 ألف مستوطن يعيشون فوق الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بواقع 132 مستوطنة، وأكثر من 124 بؤرة استيطانية عشوائية.

هذه الزيادة في عملية بناء المستوطنات، وإن كانت تأتي ضمن الضغوط التي يتعرض إليها نتنياهو من جناح المستوطنين في حزب الليكود، إلا أنها تأتي في قطع مباشر مع جميع الادعاءات الإماراتية حول المحافظة على الحقوق الفلسطينية، وأن التطبيع مع إسرائيل إنما يصب في مصلحة الفلسطينيين تجاه إقامة دولتهم، ويبدو أن الوعود والتحذيرات التي أطلقها سفير الإمارات يوسف العتيبة عبر مقالته في صحيفة معارييف الإسرائيلية حول ضرورة إيقاف إسرائيل مشاريع الضم، أي الاستيطان، حتى لا تغامر بعلاقاتها مع الدول العربية لا تساوي الحبر الذي كتبت به.

إن السياسات على الأرض، كما التصريحات في الهواء وعبر وسائل الإعلام، تثبت أن التطبيع مع إسرائيل لا يمر عبر قناة الحفاظ على مصالح الفلسطينيين ودعماً لحقوقهم العادلة. بل إنها تثبت مساراً مغايراً يتمثل إما بالتجاهل الكامل لحقوق الفلسطينيين، أو حتى الذهاب أبعد من ذلك من خلال شيطنتهم، وتحميلهم هم وحدهم الواقع المرير الذي وصلوا إليه وذلك في تنصل مباشر لجميع الواجبات الملقاة على عاتق الدول العربية فيما خص القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

وإن كانت سياسة شيطنة الفلسطينيين أوضح من أن تنكر، وأكثر من أن تحصى على ألسنة إعلاميي محور الإمارات-السعودية، فإنها قد بدأت تأخذ طوراً أكثر رسمية مؤخراً من خلال تصريحات الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي السابق في واشنطن، التي اتهم فيها القيادة الفلسطينية بالتقاعس عن حل القضية الفلسطينية، ونكران الجميل في حين اتهم حركة حماس بأنها تصدر الإرهاب إلى مصر، راسماً خطاً مغايراً للعلاقة مع إسرائيل يقوم فقط على مبدأ المصالح القطرية بمعناها الضيق، وهو منطق يعترف ضمناً بإسرائيل أو يسلم بأنها باتت دولة طبيعية في المنطقة لا دول احتلال قائمة على أراض عربية محتلة طرد أهلها منها عنوة وقسراً.

نحن إذن إزاء منطق جديد تدير به الدول العربية ظهرها للفلسطينيين، في عملية انفتاح واسعة مع دول الاحتلال الإسرائيلي بناء على مصالحهم القومية، وهي وضعية غير مسبوقة فيما يتعلق بتاريخ القضية الفلسطينية التي تمتعت على الدوام بحاضنة عربية رسمية قوية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي