يشهد الأمن القومي العربي تحديات جسام، وفي الوقت الذي تتطلب فيه اللحظة الراهنة ضبط إيقاع الأولويات، تسعى الإمارات إلى اتخاذ الأمن القومي العربي رهينة لتطلعاتها التدخلية وهو الأمر الذي يعرض ملايين الناس للخطر.

عندما سمعنا أن الأزمة الخليجية منذ أشهر قليلة كانت قاب قوسين أو أدنى من الحل بوساطة أمريكية لولا تدخل أبو ظبي زادت القناعة لدى كثيرين أن إمارة السوء هذه ليست فقط تعبث بأمنها القومي وحسب بل بأمن الوطن العربي ككل.

ففي الوقت الذي تتعرض فيه منظومة دول مجلس التعاون الخليجي لما يشبه الانهيار، وفي اللحظة التي تعتبر هذه الدول أنها في أمس الحاجة إلى منظومة متماسكة وقوية ومنسجمة لدرء الأخطار المحدقة، تعمل أبو ظبي جاهدة ليل نهار لتدمير هذه المنظمة وشلها، والنتيجة زيادة في انكشاف دول الخليج ليس على الجانب الأمني وحسب بل على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية أيضاً.

للمزيد حول الموضوع يمكنك قراءة:

المشروع السعودي-الإماراتي في المنطقة.. هل يتهاوى في ظل الأزمة الاقتصادية؟

عندما ترى سلوك الإمارات خارج الدول العربية، ترى أنها تسعى لترسيخ صورة عن نفسها بأنها تدعم الاستقرار وإحلال السلام بين الخصوم. هذا ما حاولته على سبيل المثال عندما استطاعت وبمساعدة السعودية التوصل إلى مصالحة بين الخصمين اللدودين في شرق إفريقيا وهما إثيوبيا وإريتريا. فقد وقع الجانبان في مدينة جدة السعودية المطلة على البحر الأحمر اتفاقية مصالحة في سبتمبر/أيلول 2018، وذلك تحت إغراء المال الإماراتي-السعودي حيث وُعِدتْ إريتريا وحدها بمساعدات بلغت 3 مليارات دولار.

قد نفهم الأبعاد المصلحية في هذا التدخل الواسع للإمارات في منطقة القرن الإفريقي، وسعيها للعب دور بارز هناك يراعي احتياجاتها الأمنية والاقتصادية، ولكن ألا تعد المصالحة في البيت الخليجي أولى من الناحية المنطقية والبراغماتية والمصلحية والأخوية أيضاً؟ ففي الوقت الذي تدّعي الإمارات والسعودية أنهما تسعيان للحد من النفوذ الإيراني في حديقتهما الخلفية سواء الجنوبية في اليمن أم الشرقية في العراق، فإن مطلب المحافظة على منظومة خليجية متماسكة يصبح حاجة ملحة لهذه الدول، وتصبح المصالحة مع قطر واحدة من أهم الخطوات اللازمة للوصول إلى تحقيقها.

إن تعريف الأمن القومي العربي وفق مقاس أبو ظبي من شأنه أن يعرض الوطن العربي كله للخطر، وهو تعريف ينطلي على اختزالية مفرطة وتشوه كبير في الرؤية والأهداف، فالأمن القومي العربي أكبر بكثير من مجرد أمن الإمارات.

فإذا تركنا أزمة الخليج وراء ظهورنا دون الخوض في تفصيلاتها المرهقة، وتوجهنا بنظرنا إلى الغرب جهة ليبيا ومصر يظهر لنا حجم الانكشاف الاستراتيجي الذي يواجهه الأمن القومي العربي من جراء صبيانية حكام أبو ظبي في النظر إلى الأمور وموازين القوى الإقليمية والدولية.

للمزيد حول الموضوع يمكنك قراءة:

دولة الإمارات.. نموذج الدولة المارقة

فالإعلام الإماراتي والسعودي على حد سواء، وكثير من الأبواق الإعلامية وحتى التي تتمتع بصفة دبلوماسية التي تتبع الدولتين، تدفع منذ تقهقر الانقلابي حفتر من طرابلس ومحيطها إلى تدخل عسكري مباشر للجيش المصري.

ولم تكن أصداء هذه الدعوات لتطول حتى خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على العالم بألوانه الحمراء للخط الواصل ما بين سرت والجفرة، معتبراً أن الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً إنما تشكل تهديداً استراتيجياً لأمن مصر القومي.

هذا في الوقت الذي بلغت فيه مفاوضات سد النهضة طريقاً مسدوداً، وبعد أن وصل التعنت الإثيوبي حداً شرعت فيه الحكومة في أديس أبابا بملء السد على مسمع ومرأى من العالم، وهو ما كشفت عنه صور الأقمار الصناعية، والانخفاض المفاجئ لمنسوب النيل الأزرق في السودان.

وفي الوقت الذي يواجه أكثر من 100 مليون مصري العطش يريد الرئيس المصري، الذي جاء بانقلاب عسكري، الزج بالجيش المصري في معركة جانبية في ليبيا تحت ذريعة محاربة "الإرهاب"، والمقصود هنا الإسلام السياسي.

فحكام أبو ظبي والرياض والقاهرة، وهي عواصم الثورات المضادة، يرون في أي حكومة يغلب عليها الطابع الإسلامي، أو يشارك فيها الإسلاميون، خطراً كبيراً على أنظمة الحكم الشمولية التي يمارسونها. ورغم أن تيارات الإسلام السياسي قد أظهرت استعداداً منقطع النظير في القبول بقواعد اللعبة السياسية، فإن هذا لم يكن ليشفع لها أمام هؤلاء الحكام، فبالنسبة إليهم اللعبة السياسية واضحة وتكمن بالطاعة أو القمع وليس المشاركة والتداول السلمي للسلطة.

للمزيد حول الموضوع يمكنك قراءة:

الاتفاق التركي-الليبي يصب في صالح مصر.. والإمارات عنصر مُخرِّب

وقد جنّ جنون القوم بسبب الدعم التركي للحكومة الشرعية في طرابلس، وبات الخطاب السائد حالياً هو لزوم تحرير ليبيا من الغزو العثماني الجديد. مع أن نظرة منطقية للمشهد الممتد من سواحل طرابلس إلى سواحل الإسكندرية تمكن كل عاقل أن يرى أن مصلحة مصر وأمنها القومي إنما ينعقد بالاتفاق والتفاهم مع الأتراك لا بخوض الحرب معهم.

وقد أدلى مسؤول مصري، في وقت سابق، بتصريحات إلى موقع مدى مصر قال فيها: إنَّ "وزارة الخارجية وجهاز المخابرات العامة المصرية يضغطان على الرئيس المصري لقبول الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا في هدوء، إذ سيمنح القاهرة امتيازاً بحرياً ضخماً في المفاوضات البحرية المتعثرة (مع اليونان)".

إن الاتفاق التركي-الليبي في ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط من شأنه أن يمنح مصر في حال شاركت فيه ما يقرب من 10 آلاف كيلومتر مربع، وهي المساحة التي قد تخسرها مصر في حال أصرت على التفاوض مع اليونان وليس مع تركيا، وهذه مساحة لا تعد بالأمر البسيط فهي تعادل مساحة لبنان على سبيل المثال.

إذن يتمحور الأمن القومي المصري في التفاهم مع تركيا، وتهدئة الأجواء في ليبيا عبر حل سياسي يضمن حقوق جميع الأطراف، وتركيز الانتباه نحو الجنوب لحماية حصة مصر من مياه النيل. ولكن هذه الانعطافة في النظر إلى أولويات الأمن القومي لا تخدم الأمن القومي في تصور أبو ظبي. بالنسبة إليها هناك مصلحة قوية في تثبيت حاكم عسكري انقلابي في ليبيا ولو عن طريق الجيش المصري، من أجل استغلال سواحل ليبيا في لعبة المواني التي يسعى ابن زايد إلى السيطرة عليها من المكلا وسقطرى في اليمن إلى طرابلس في ليبيا.

كما أن الإمارات تسعى إلى عدم التشويش على سد النهضة في إثيوبيا، وتدعم تشغيله بكل قوة لأنه يصب في خدمة مشاريعها في منطقة القرن الإفريقي. وما مسعاها للمصالحة بين إرتيريا وإثيوبيا، التي تمت الإشارة إليها في بداية المقال، إلا محاولة منها لتعزيز نفوذها في المنطقة نظراً للمشاريع الاقتصادية التي ستربط السد بالمواني الإريترية على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب خصوصاً ميناء عصب.

إذن إن اختزال الأمن القومي العربي وفق تعريف أبو ظبي من شأنه أن يشتت الطاقات العربية في حروب جانبية، وما يترتب عليه من إهدار للجهود والطاقات، والنتيجة هي استمرار الفراغ الاستراتيجي الذي تعاني منه المنطقة العربية وإدامة حالة عدم الاستقرار.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي