الرئيس أردوغان أثناء خطابة في منتدى TRT السنوي (Others)
تابعنا

رسم الرئيس طيب أردوغان في كلمته بافتتاح منتدى TRT world forum 2022 صورة عن العالم الذي تنشده تركيا، أكثر عدلاً وسلماً وتوازناً في سياقاته المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. الأمر لا يتعلق فقط بكلمات بلاغية أو مفاهيم نظرية منفصلة عن الواقع، بل عملية قابلة للتطبيق والنجاح وفق الأمثلة الصريحة والواضحة والملموسة التي ضربها الرئيس أردوغان بالإضافة إلى متحدثين ومشاركين آخرين فى المؤتمر الذي يعقد بنجاح للسنة السادسة على التوالي. فقد أشاروا في مداخلاتهم أيضاً إلى النموذج الجدّي والمختلف والمطلوب والناجح الذي تطرحه تركيا في سياساتها الخارجية.

يمكن الحديث عن أربع نقاط أساسية طرحها الرئيس أردوغان تمثّل وتعبّر مجتمعة عما وصفه بدبلوماسية السلام التي تتبناها تركيا وتتعلق بالأزمة الروسية-الأوكرانية ومحاربة الإرهاب دون تمييز، والعلاقات مع الحلفاء أو المفترض أنهم كذلك، تحديداً أوروبا، ويد السلام الممدودة إلى قبرص والجيران بشكل عامّ، ثم القوة الناعمة التي تساعد تركيا على تطبيق وانتشار سياستها الخارجية بما في ذلك قناة TRT ومنصاتها المختلفة لتكون صوت من لا صوت لهم، كالمسلسلات التركية التي تقدم نموذجاً مختلفاً أيضاً يستقطب مئات ملايين المشاهدين حول العالم وتساهم في ازدياد تدفُّق عدد السياح إلى تركيا بكل ما يعنيه ذلك للاقتصاد، وصورة ومكانة البلاد بشكل عامّ والدور المهمّ الذي تلعبه في الخارج.

إذاً، الدليل الأبرز على وساطة ودبلوماسية السلام والنموذج السياسي المختلف المتوازن البَنَّاء الجدِّي الناجع الذي تطرحه تركيا نلمسه بوضوح ولا يمكن إنكاره أو التشكيك فيه أصلاً، عبر التعاطي التركي مع الأزمة الأوكرانية الروسية، حيث رفض الخيار العسكري والتمسك بسيادة أوكرانيا وسلامة ووحدة أراضيها، مع رفض منطق صبّ الزيت على النار أو تبنّي سياسة غير صائبة أو غير عقلانية ضد روسيا. وعليه باتت تركيا الدولة الوحيدة، ليس فقط صاحبة القنوات المفتوحة، بل الموثوقة أيضاً بين روسيا وأوكرانيا، والأمل المتبقي في جمع، أو للدقة إعادة، الطرفين إلى طاولة التفاوض لوقف الحرب والبحث عن سلام دائم وعادل ومستدام استناداً إلى الانطلاقة التأسيسية التي حصلت في إسطنبول في مارس/آذار الماضي وتمثلت بجمع الطرفين المتحاربين إلى طاولة واحدة، ووضع ما يشبه الأسس والقواعد الأساسية لاتفاق محتمَل بينهما في المستقبل.

في السياق نفسه، وكتعبير مباشر عن دبلوماسية السلام، أشار الرئيس أردوغان إلى مواصلة جهوده واتصالاته الشخصية لإبقاء اتفاق الحبوب العالمي سارياً، وهو الذي أنقذ العالم من مجاعة واعتبره الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن حقٍّ أهمّ إنجاز له طوال ولايته، وبالطبع ما كان ليتحقق لولا النموذج المتوازن الناجح البعيد عن الاستقطاب الذي تتبعه تركيا في سياستها الخارجية والإقليمية والعالمية.

جاءت كلمة، أو للدقة شهادة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالمنتدى لتصبّ في نفس الاتجاه مع إشادته بالوساطة والدبلوماسية التركية التي وضعت حدّاً لخطر الفقر وأزمة الغذاء بعدما أدت إلى عدم الاستقرار في الأسواق العالمية حسب تعبيره الحرفي.

هنا يجب الانتباه إلى أن دبلوماسية "وساطة" السلام والسياسة التركية الصادقة والمتوازنة والمستندة إلى قواعد راسخة بعيداً عن الاستقطاب وذهنية العسكرة جعلت تركيا ليست فقط القناة الوحيدة الموثوقة بين أوكرانيا وروسيا وإنما بين هذه الأخيرة وأمريكا نفسها في ظلّ الحرب الباردة المتصاعدة بينهما، إذ عُقدت جولتا مباحثات أمنية على مستوى رفيع بين الجانبين في تركيا لتهدئة التوترات وتفهم الهواجس المتبادلة على أمل أن تفضي إلى بلورة تصورات وحلول لبؤر الاحتقان والنزاع والخلاف بما فيها حول القضية الأوكرانية.

إن دبلوماسية "وساطة" السلام والسياسة التركية الصادقة والمتوازنة والمستندة إلى قواعد راسخة بعيداً عن الاستقطاب وذهنية العسكرة جعلت تركيا ليست فقط القناة الوحيدة الموثوقة بين أوكرانيا وروسيا وإنما بين هذه الأخيرة وأمريكا نفسها

تعمّقت وتبدت رغبة تركيا في المساهمة بتكريس عالم بعيداً عن الاستقطاب وذهنية الحرب الباردة أكثر كون 60 بالمئة من المشكلات والأزمات تقع في مناطق محيطة بها، وساهمت في حلّها بتدخل إيجابي عبر محاربة صادقة ونزيهة للإرهاب على أساس القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة ذات الصلة دون تصنيف أو تفضيل تنظيم إرهابي على آخر، مع تذكير بالتدخل الإيجابي في ليبيا وفق نفس الذهنية ما أزال الخيار العسكري عن جدول الأعمال وأعاد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إلى البلاد وأبقى الخيار السياسي والسلمي وحيداً على الطاولة كما نرى الآن.

غير بعيد عما سبق، كانت إشارة لافتة من الرئيس أردوغان إلى مدّ يد الحوار والسلام تجاه الأزمة القبرصية رغم الاستفزازات اليونانية المدعومة للأسف من بعض الحلفاء أو من يفترض أنهم كذلك.

وفي السياق نفسه أيضاً، حضرت سياسة اليد المدودة والسلام المستندة إلى المقاربة نفسها في رسالة لافتة أيضاً إلى أوروبا التي طالبها الرئيس أردوغان بضرورة أن تغيّر نهجها تجاه تركيا، والتعاطي معها بذهنية التحالف والشراكة، والاقتناع بأن تركيا بقدراتها ونموذجها وحيويتها ووفق النموذج الذي تتبعه لا غنى عنها لحل أزمات القارة العجوز.

وفي ما يخص السياسة الناجحة، والقاعدة الصلبة التي تستند إليها تحضر أيضاً مكامن القوة الناعمة التركية التي تخدم دبلوماسية السلام مع إشارة لافتة من الرئيس أردوغان إلى دور قناة TRT ومنصاتها المختلفة -بصدد التوسع وتشغيل منصات جديدة فارسية وإسبانية وإفريقية...- لخلق إعلام مختلف يعتمد على مبادئ الحقوق والحريات والإنصاف لإسماع صوت من لا صوت لهم.

كانت إشارة لافتة ومهمة جدّاً من الرئيس أردوغان وفي نفس السياق، حديثه عن دبلوماسية السلام مشيراً إلى دور المسلسلات التركية التي يشاهدها مئات الملايين من الناس حول العالم (600 مليون شخص) في أكثر من 150 دولة، وذلك ضمن القوة الناعمة وضمن التعريف بتركيا وسياساتها وتدفق السياح إليها لتعرُّفها من قرب.

تفاصيل أو للدقة شروحات مهمة أيضاً حول نفس الفكرة قدّمها وزير الخارجية مولود جاوش أوغلو في ندوة بجامعة إسطنبول التقنية الجمعة ثم في المنتدى نفسه السبت بتأكيده حقيقة أن تركيا أصبحت علامة فارقة في الوساطة الناجحة ودبلوماسية السلام عبر العالم من فنزويلا إلى الشرق الأوسط، وأنها لا تستضيف فقط وطوال الوقت لقاءات واجتماعات وساطة السلام على أرضها ولكنها تقوم بتدريب خبراء أيضاً للقيام بالمهمة النبيلة في بلادهم ومناطق الصراع المختلفة الأخرى حول العالم.

كانت شهادة لافتة أيضاً لرئيس وزراء ألبانيا إيدي راما الذي ألقى كلمة رئيسية في افتتاح المنتدى، ومداخلات لمسؤولين كثر حاليين وسابقين في نفس الاتجاه عن التوازن المطلوب الذي يحدثه النموذج التركي في المنطقة والعالم.

من نافلة القول طبعاً الإشارة إلى أن هذا النموذج المستند إلى دبلوماسية أو وساطة السلام ما كان ليتحقق لولا الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تركيا، ما جعلها محلّ احترام وتقدير، وجعل هذا النموذج جذاباً كي تحتذى به من دول المنطقة والعالم أيضاً.

لا بد من تأكيد أن دبلوماسية السلام التركية ليست خياراً نظرياً، وبالتأكيد ليست مجرد شعار على أهميته، بل نموذج أثبت نفسه في الميدان، وهو قابل للتطبيق عملياً في بقاع مختلفة حول العالم لكونه كان ولا يزال مطلوباً وحيوياً لمنع الاستقطاب والحرب الباردة وشيوع ذهنية التسلح والعسكرة، ولجعل العالم فعلاً أكثر توازناً وسلاماً وعدلاً لكونه فعلاً أكبر من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، كما يقول الرئيس أردوغان دائماً، وهو ما أعاد التذكير به في كلمته الأخيرة بعدما كسرت الفكرة الحاجز النفسي وباتت مقبولة أكثر وشائعة أيضاً بالعالم.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي