أفراد مسلحين من حزب الله وحركة أمل أثناء المواجهات التي حدثت في بيروت يوم أمس (Ibrahim Amro/AFP)

لم يعد ذا أهمية السؤال عن الجهة التي بدأت إطلاق النار في منطقة الطيونة ببيروت، فما تبع ذلك من اشتباكات طوال ساعات، أدّت إلى مقتل 6 أشخاص وجرح العشرات، بين مؤيدين للثنائي الشيعي المؤلف من حزب الله وحركة أمل من جهة، وآخرين مؤيدين للقوات اللبنانية من جهة ثانية، جعل هوية البادئ بإطلاق النار تفصيلاً لا طائل منه.

فالخلاصة هي أن اللبنانيين استعادوا ذكريات الحرب الأهلية، وما ساعد على ذلك أن تلك الحرب اشتعلت شراراتها في منطقة عين الرمانة، التي تبعد مئات الأمتار من المكان الذي شهد اشتباكات الطيونة، ولطالما شكّل الشارع الذي اندلعت فيه الاشتباكات "خطّ تماسّ" بين منطقتي الشياح (الشيعية) وعين الرمانة (المسيحية).

لن تكون مبالغةً القول إن ما حصل في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول في منطقة الطيونة ببيروت لن يكون كما قبله.

صحيح أن لبنان شهد العديد من الاشتباكات والحوادث الأمنية، لكنها هذه المرة ليست كسابقاتها. فالملابسات التي رافقت الاشتباكات والاحتقان الذي سبقها في الشارع، جعلت من هذه الاشتباكات محطة قد تكون مفصلية، وكشفت للبنانيين أن الحرب الأهلية التي ظنُّوا أنها لن تعود، قريبة أكثر من أي وقت مضى، وأن الانزلاق إلى حروب جديدة لا يتطلب الكثير، وأن الاشتباكات التي شهدتها منطقة الطيونة قد تتكرر في أماكن جديدة.

حالة الاحتقان هذه كان قد تمّ التحضير لها في السياسة، ففي الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء طلب وزراء "الثنائي الشيعي" (حزب الله وحركة أمل) من خارج جدول أعمال المجلس اتخاذ إجراءات لكفّ يد المحقّق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار، واصفين الاستدعاءات والإجراءات ومذكّرات التوقيف التي أصدرها بحق وزراء ونواب وقادة أجهزة أمنية بأنها استنسابية ومسيَّسة.

واعتبروا أنه من غير المقبول سكوت الحكومة تجاه هذا الأداء في ظلّ تقاعس القضاء عن التحرك. حسب وسائل الإعلام، الجلسة شهدت نقاشاً حادّاً، واستياء رئيس الجمهورية الذي رفض الطريقة المتعالية التي تحدّث بها وزراء الثنائي الشيعي، فأجّل النقاش إلى جلسة في اليوم التالي، لكن الجلسة لم تنعقد بسبب عدم التوصل إلى مخرج يُرضي "الثنائي الشيعي".

التشنُّج الذي شهده مجلس الوزراء كانت سبقته نبرة عالية عبّر عنها أمين عامّ حزب الله السيد حسن نصر الله في كلمة، خصّص معظمها لاتهام القاضي بيطار بتسييس التحقيق والعمل لصالح أجندات خارجية.

وحذّر نصر الله من أن لبنان مقبل على "كارثة"، إذا أكمل القاضي طارق البيطار تحقيقاته بهذه ‏الطريقة. كلام كبير قاله نصر الله بحق المحقق العدلي افتتح من خلاله معركة إزاحته عن ملف انفجار مرفأ بيروت.

خلفيات ودوافع إصرار أمين عامّ حزب الله ما زالت غير مفهومة، فالمحقّق العدلي لم يُصدِر بعدُ قراره الظني في القضية، وما زال في طور الاستدعاءات والاستماع إلى إفادات الشهود، كما أنه لم يطلب الاستماع إلى أيّ مسؤول في حزب الله، وعليه فإن "نقزة" الحزب من القاضي ما زالت غير مبرَّرة، ومن غير المنطقي أن يكون التشنج الذي يتحرك به الحزب تجاه المحقّق يعود فقط إلى استدعائه عدداً من النواب والوزراء، وسبق أن اتخذ قضاة آخرون إجراءات وأصدروا أحكاماً لم تعجب حزب الله، لكن الحزب لم يطالب بإزاحتهم.

المعركة التي يخوضها حزب الله اليوم لكفّ يد القاضي بيطار ذكّرت اللبنانيين بمعركة سابقة كان خاضها للإطاحة بالمحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. حينها اتهم حزب الله المحكمة بالتسييس، وأنّها أداة أمريكية وإسرائيلية، الهدف من تحقيقاتها محاصرة الحزب والتضييق عليه واتهامه بالمسؤولية عن اغتيال الحريري.

اتهامات مشابهة يسوقها حزب الله اليوم للمحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت، هذا التشابه يدعم نظرية تقول بأن الحزب أدرك أن التحقيقات التي يُجريها القاضي بيطار ستقترب منه، وقد تقود إلى اتهامه بالمسؤولية عن انفجار مرفأ بيروت، وهو ما يريد الحزب استباقه والالتفاف عليه من خلال إزاحة بيطار عن الملفّ ووقف تحقيقاته، ولو كان ثمن ذلك احتقان الشارع، وتَسبَّب في حصول مواجهات واشتباكات متنقلة شبيهة بتلك التي شهدتها منطقة الطيونة، علماً أن حزب الله لطالما كان ينادي بتهدئة الشارع، ونزع فتائل التفجير، لكن يبدو أن المعركة التي يخوضها الحزب لإزاحة المحقّق العدلي أكثر أهمية.

يملك حزب الله حيثية شعبية هي الكبرى في لبنان، كما يتمتع بقدرات تنظيمية عالية، إضافةً إلى امتلاكه ترسانة عسكرية متطورة، لكن ذلك لا يعني أن المواجهة التي يخوضها الحزب لإزاحة بيطار ستكون سهلة.

في الظاهر كل ما يطلبه الحزب هو كفّ يد المحقّق العدلي عن ملف تحقيقات انفجار مرفأ بيروت، لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالقاضي بيطار ليس وحده في مواجهة حزب الله، فهو يزنّر نفسه بأهالي ضحايا انفجار المرفأ الذين يلتقيهم كل فترة، وهم يولونه ثقتهم ويتظاهرون كل حين أمام مبنى المحكمة تأييداً لقرارته.

إضافة إلى الأهالي، يساند القاضيَ بيطار جمعياتٌ من المجتمع المدني ومجلس القضاء الأعلى الذي يحمي بيطار بردّ طلبات كفّ اليد التي قدّمها أكثرُ من وزير ونائب أصدر بيطار مذكرات توقيف بحقّهم.

إلى جانب هؤلاء يقف خصوم حزب الله بالسياسة، الذين باتوا متمسكين بالمحقّق العدلي، ليس قناعة بنزاهته وإعجاباً بإجراءاته، بل فقط لأن الحزب يريد إزاحته. إضافة إلى كل ما سبق وربما الأهمّ من كل ما سبق، تساند المحقّقَ العدليَّ أطرافٌ خارجية كفرنسا التي قيل إن رئيسها طلب من رئيس الوزراء نجيب ميقاتي حين التقاه في الإليزيه عدم التدخُّل بتحقيقات بيطار، والولايات المتحدة التي يصدر عن وزارة خارجيتها مواقف مؤيدة لقرارات القاضي وتدعو لحمايته.

الأيام المقبلة ستكون حبلى بالأحداث، بخاصة إذا قرّر حزب الله المضي بمعركة إزاحة المحقق العدلي، وهذا هو المرجح، في مقابل إصرار القوى المساندة للقاضي بيطار على حمايته والدفاع عنه، وهو ما سيعكس المزيد من الاحتقان في الشارع، وقد تكون الأحداث التي كانت مسرحها منطقة الطيونة حلقة من حلقات أخرى سنشهدها في قادم الأيام.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً