كانت المشكلة الأساسية لدى القوى الوطنية المصرية أنها لم تتفق على الخطوة الثانية، على بيان اليوم الثاني لإسقاط نظام مبارك، لم تكن هناك قاعدة إجماع وطني تحمل رؤيةيتوافق عليها الجميع،

(Getty Images)

لم تكن الحركة السياسية الوطنية المصرية في حال من الانقسام الشديد مثلما هي الآن، على الرغم من المعاناة التي يعانيها الجميع في ظل ضغوط أمنية وقضائية عنيفة لم تترك أي مساحة للحركة في الواقع، أو ضيقت تلك المساحات بشكل كبير، فما معالم هذا الانقسام وما أسبابه وما مستقبله أيضاً؟.

الحقيقة أن القوى السياسية المصرية خلال مرحلة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك شهدت نوعاً من التقارب الشديد، وما يمكن أن نسميه "بناء ثقة"

جمال سلطان

الحقيقة أن القوى السياسية المصرية خلال مرحلة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك شهدت نوعاً من التقارب الشديد، وما يمكن أن نسميه "بناء ثقة"، وصلت إلى حد أن تقوم جماعة الإخوان، كبرى الجماعات الإسلامية في البلاد بجمع التوكيلات للرمز الليبرالي المعروف الدكتور محمد البرادعي الذي عاد من الخارج ليتزعم حركة المعارضة ضد نظام مبارك، كما كانت احتفالات الإخوان في المناسبات السنوية، مثل إفطار رمضان، تشهد حضوراً كثيفاً لرموز من مختلف التيارات السياسية، كما كانت الصداقات المؤسسة على الموقف السياسي تقارب بين رموز وكوادر إسلامية، وخاصة من الإخوان وأخرى من القوى المدنية بمختلف أطيافها، سواء كانت يسارية أو ناصرية أو قومية أو ليبرالية.

هذا التقارب تبعثر تماماً في أعقاب ثورة يناير، وتحديداً في اليوم الثاني من إعلان تنحي مبارك عن السلطة، فقد كان ميدان التحرير موحداً على مطلب واحد، وهدف سياسي واحد وهو الذي حمله شعار الثورة: ارحل، فلما رحل بدأت الأهداف تتعدد والشعارات تتنازع والتوجهات تتصارع، حتى أن الدعوة إلى الاستفتاء على إعلان دستوري مبكر -بديل الدستور مبارك الملغى- أعدته لجنة برئاسة المستشار طارق البشري، سبب إشعالاً لفتيل الغضب والانقسام الشديد الذي استمر في اتساعه مع الوقت.

كانت المشكلة الأساسية لدى القوى الوطنية المصرية أنها لم تتفق على الخطوة الثانية، على بيان اليوم الثاني لإسقاط نظام مبارك، لم تكن هناك قاعدة إجماع وطني تحمل رؤية يتوافق عليها الجميع

جمال سلطان

كانت المشكلة الأساسية لدى القوى الوطنية المصرية أنها لم تتفق على الخطوة الثانية، على بيان اليوم الثاني لإسقاط نظام مبارك، لم تكن هناك قاعدة إجماع وطني تحمل رؤية يتوافق عليها الجميع، كما أن الخبرة السياسية لتلك القوى كانت محدودة فيما يتعلق بالدولة وحساباتها وإدارتها، لأن النظم السياسية التي تعاقبت منذ انقلاب يوليو 1952 كانت تهمّش الجميع، وتجعل الدولة وإداراتها حكراً على خريجي منظمات ومؤسسات رسمية تشرف عليها الأجهزة الأمنية عادة، وتبقى الأحزاب والقوى السياسية تلعب في هامش منعزل، أقرب للديكور السياسي.

تفاقم تلك الخلافات وعجز القوى السياسية المعارضة عن احتوائها والسيطرة عليها أو حتى إخضاعها لحسابات المصلحة العليا للبلاد، كان سبباً في تفاقمها، خاصة بعد أن تولى الرئيس الأسبق محمد مرسي مقاليد الحكم في يوليو 2012، ووصل الشقاق والعصبية إلى حد أن تتمنى بعض تلك القوى السياسية المدنية أو حتى تحرض علناً على تدخل الجيش لإسقاط الرئيس الجديد، رغم أنها قبل أشهر فقط كانت تتظاهر ضد المجلس العسكري وتهتف ضده، كما حشدت تلك القوى مظاهرات عديدة، كان أكبرها في 30 يونيه 2013، لم تتردد حتى في أن يكون حليفها فيها قطاعات من أنصار مبارك الذي قامت عليه الثورة.

وعلى الرغم من أن النظام السياسي الجديد قضى عملياً على ثورة يناير، بل أصبح من يسمون"الينايرجية" متهمين أمام الإعلام الرسمي والموالي ، ويشار إليهم دائماً كمخربين، ورغم أن التضييقات الأمنية طالت الجميع، فإن الشرخ ما زال قائماً بين القوى السياسية المعارضة في مصر، فالأحزاب الإسلامية في جانب، والقوى الناصرية في جانب آخر، والقوى اليسارية في جانب ثالث، والتيارات الليبرالية في جانب رابع، ولايوجد حتى الحد الأدنى من التوافق السياسي بين كل منهم، وليس الخلاف -كما يتصور البعض- بين القوى الإسلامية والمدنية فقط، بل حتى داخل القوى المدنية، أو داخل التيار الإسلامي الانقسام موجود، وغياب الرؤية المشتركة لأولويات العمل الوطني.

المعضلة الأساسية التي تمزق الصف الوطني لقوى المعارضة المصرية، هي أن البعد "الأيديولوجي"يحكم المسار السياسي، والأيديولوجيا من طبيعتها أنها تشكل خنادق فكرية ونفسية تفصل بين التيارات المختلفة،

جمال سلطان

المعضلة الأساسية التي تمزق الصف الوطني لقوى المعارضة المصرية، هي أن البعد "الأيديولوجي"يحكم المسار السياسي، والأيديولوجيا من طبيعتها أنها تشكل خنادق فكرية ونفسية تفصل بين التيارات المختلفة، وتجعل من فكرة المصالح السياسية المشتركة فكرة ضعيفة، رغم أنها جوهر أي عمل سياسي، خاصة إذا كنا نتحدث عن مشروع للحكم وإدارة الدولة وفق آليات الديمقراطية والتعددية، فمقتضى المشاركة السياسية أن يخرج الجميع من الخنادق الفكرية إلى فضاء المصالح العامة دون التخلي عن القناعات بطبيعة الحال، وأن تكون هناك قواسم مشتركة يعمل من خلالها الجميع، وأن يقبل الجميع بتقديم التنازلات السياسية للوصول إلى تلك القواسم المشتركة، لأن أحداً لا يمكنه أن يفرض أجندته بكاملها أو أيديولوجيته بكاملها على الباقين، خاصة إذا كنا نتحدث عن إصلاح سياسي للدولة والوطن.

أتصور أن تبعثر الحركة الوطنية المصرية سيستمر لفترات مقبلة، ولا يوجد في الأفق ما يشير إلى تجاوزه أو إصلاحه، لأن التخندق الأيديولوجي ما زال مهيمناً، وما زال الجميع غير قادرين على الوصول إلى قاعدة إجماع وطني، أو بيان عام، يمثل القاسم المشترك وثوابت الرؤية لمستقبل الوطن، والذي يتعهد الجميع باحترامه والعمل وفق معطياته.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي