أثارت تصريحات الناشطة السياسية الإيرانية فائزة رفسنجاني، ابنة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني في مقابلة مع موقع إخباري قبل أيام الكثير من الجدل وردود الفعل بين التيارات السياسية، فضلاً عن شبكات التواصل الاجتماعي ما بين مؤيد ومعارض.

أبرز ردود الفعل

وعلى الرغم من انتقادها اللاذع لسياسة بلادها في سوريا التي أدت إلى مقتل نصف مليون شخص حسب تعبيرها، وحديثها عن معارضة والدها لتلك السياسة يحظى بأهمية كبيرة ويعبّر عن رؤية مختلفة كلياً في إدارة البلاد، فإننا سنتناول في هذه السطور ذلك الجزء المتعلق بكشفها عن أمنيتها بفوز ترامب بولاية رئاسية ثانية، مبرّرة ذلك بمواصلة الضغط على نظام بلادها بغية إحداث تغيير في سياساته.

بعد يوم واحد من نشر المقابلة، دشّن شقيق فائزة ورئيس مجلس مدينة طهران محسن رفسنجاني حملة ضدها، مطالباً أخته في رسالة مفتوحة بالاعتذار عن تصريحاتها، لتردّ عليه بالقول إنها تتفهم موقفه، هو الذي يطمح إلى منصب سياسي أرفع، متهمة أفراداً وأطرافاً في النظام بأنهم أكثر خطورة على إيران من ترمب، وأنهم بسياساتهم الخاطئة أوصلوا البلاد إلى حافة الانهيار.

تلا ذلك الكثير من المواقف المنتقدة للتصريحات من أنصار التيارَين المحافظ والإصلاحي على حد سواء، فقد غرّد محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي قائلاً: "لا رفعة لقوم يتطلعون إلى مساعدة الأجانب". ورغم ذلك استغلت صحيفة كيهان المحافظة والقريبة من المرشد الإيراني التصريحات لشنّ هجوم على التيار الإصلاحي بأكمله متهمة إياه بأنه "المستفيد الحقيقي من العقوبات".

في المقابل، عبرت أصوات قليلة داخل إيران وكثيرة خارجها عن تأييدها للتصريحات، إذ رأى صادق زيباكلام أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران أن فائزة عبرت بصدق عن مشاعر الملايين من مواطنيها ممن لا يرى أي بارقة نور في نهاية النفق السياسي المظلم الذي وصلت إليه البلاد.

وأعربت بروانة سلحشوري النائبة السابقة في البرلمان عن وقوفها إلى جانب فائزة، مؤكدة أن الموت أضحى بالنسبة إلى الكثير من الإيرانيين "أفضل من العيش في ظل الفقر والإحباط والبؤس"، لكنها في الوقت نفسه وجّهت انتقاداً إليها من منطلق أن التعبير عن هذه الأحاسيس غير مقبول من ناشط سياسي يجدر به السعي لتحسين الأوضاع وعدم تعليق الآمال على الانتخابات في دول أخرى.

تعاظم الإحباط وفقدان الأمل

تُعتبر تصريحات فائزة المعروفة بمواقفها الصريحة والمثيرة للجدل سباحة ضد التيار، وتعبّر بلا شك عن صوت شريحة واسعة من الإيرانيين بما في ذلك بعض النخب السياسية التي لا تجرؤ على البوح بآرائها لأنها تفتقر إلى الحصانة التي تتمتع بها فائزة بسبب انحدارها من عائلة رفسنجاني.

وتشير هذه التصريحات إلى انعدام ثقة هؤلاء بالنظام وفقدانهم أي أمل بإمكانية إصلاحه ذاتياً ومن الداخل، وبإمكانية الخروج بالبلاد من النفق المسدود الذي وصلت إليه، كما تظهر توقهم الشديد إلى التغيير.

تعاني إيران في الوقت الحالي من انسداد سياسي وضائقة اقتصادية وتصدع اجتماعي أوصل أكثرية الإيرانيين إلى الشعور باليأس والإحباط وفقدان الأمل بالإصلاح والتغيير وإمكانية تحسُّن الأوضاع السياسية، الاجتماعية والاقتصادية.

إذ أظهرت دراسة أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية عام 2017 أن 75 بالمئة من الإيرانيين يعتقدون أن مستقبل البلاد سيكون أسوأ. ولا شك أن هذه النسبة ارتفعت في السنوات الأخيرة بعد سلسلة من الإخفاقات كتراجع الرئيس روحاني عن وعوده الانتخابية، وتشدُّد النظام في قمع الحريات والحراك المدني، وتعاطي السلطات مع حادثة تحطم الطائرة الأوكرانية على يد الحرس الثوري ومحاولة التنصل من المسؤولية، والتخبط في طريقة التعامل مع فيروس كورونا وتسييس الوباء، وانكشاف قدرات النظام المحدودة أمام أمريكا وإسرائيل.

وكان من نتائج هذا الشعور بالإحباط عزوف المواطن عن صندوق الاقتراع في فبراير/شباط الماضي، إذ شهدت الانتخابات البرلمانية الأخيرة أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الجمهورية الإسلامية ووصلت في العاصمة طهران إلى 26 بالمئة فقط.

ويشير بعض التقارير إلى ارتفاع نسبة الإيرانيين الراغبين في الهجرة مؤخراً، لا سيما بين الشباب الذين لا يمنعهم من مغادرة البلاد سوى عدم توافر التكاليف الباهظة للهجرة.

وفي هذا السياق يمكن تفسير ظاهرة هجرة ثلاثة آلاف طبيب إيراني إلى الخارج خلال الشهور العشرة الأخيرة حسب المجلس الطبي الإيراني. كما أن هذا الشعور نفسه هو الذي جعل الإيرانيين يحتلون رتبة الصدارة بين الأجانب في شراء العقارات في تركيا بغرض الحصول على الجنسية أو الإقامة الدائمة في السنة الماضية، إذ زادت هذه النسبة 40 بالمئة مقارنة بالعام الفائت.

ونتيجة هذا الشعور أيضاً، أصدرت الرابطة الإسلامية لطلبة جامعة شريف الصناعية بياناً شديد اللهجة في الذكرى السنوية الأولى لتحطم الطائرة الأوكرانية وعدم محاسبة المتسببين في الحادثة حتى الآن: "في هذه الذكرى نعلن بوضوح أننا سئمناكم، سئمنا خداعكم وكذبكم، سئمنا انعدام المسؤولية لديكم وسوء إدارتكم، سئمنا جرائمكم الكثيرة التي لم يجرؤ أحد منكم على تحمل المسؤولية عنها".

في انتظار المخلِّص

لا شك أن التعويل على حكومة أجنبية لحل مشكلات البلاد خطيئة بحد ذاته، إلا أنه يكشف بوضوحٍ مدى الإحساس باليأس والعجز الذي يعاني منه المجتمع الإيراني الذي رأى النظام يوصد بوجهه جميع الأبواب في طريق الإصلاح، سواء من خلال صناديق الاقتراع أو عن طريق المظاهرات السلمية، فبات يتطلّع إلى مخلِّص من الخارج يمكّنه من تحقيق التغيير المنشود.

لا ينكر هؤلاء تأثير العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على المستوى المعيشي للمواطنين، لكنهم يحمّلون النظام الجزء الأكبر من المسؤولية في ذلك، ويعتقدون أنه ما من سبيل لإجبار النظام على التراجع عن سياساته سوى زيادة الضغوط الخارجية، وأن إعادة انتخاب ترامب كانت ستجبر النظام على تقديم بعض التنازلات وستصبّ في النتيجة في مصلحة الإيرانيين، وأن إدارة بايدن لا تملك الإرادة الكافية لإجبار النظام على التراجع، بل ستزيد إصراره على مواصلة سياساته الحالية.

يبرّر بعضهم هذه النظرة من خلال الإشارة إلى سلوك النظام الإيراني خلال العقود المنصرمة، التي تبيّن أنه لا يفهم سوى لغة القوة وأنه لن يتجرع "كأس السم" حسب تعبير الخميني، أو يقبل بإبداء "مرونة بطولية" على حد تعبير الخامنئي، ما لم يتعرض لخطر السقوط الحقيقي، وما لم يشعر باقتراب هذا الخطر، فإنه لن يتراجع، بل سيواصل مشاريعه النووية والصاروخية واستخدام أذرعه في المنطقة سعياً وراء طموحاته الآيديولوجية.

سيؤدي رفع بعض العقوبات من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة على إيران إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطن، لكن ذلك لن يغير كثيراً نظرته إلى المستقبل وإمكانية التغيير والإصلاح ولن يردم الهوة الحاصلة بينه وبين النظام المنهمك حالياً بمناورات عسكرية واختبارات لصواريخ جديدة، والمقامِر بصحة مواطنيه عبر فرضه حظراً على استيراد اللقاحات الأمريكية والبريطانية المضادة لكورونا، في وقت تعاني فيه البلاد من انتشار واسع للوباء أدّى حتى هذه اللحظة إلى وفاة نحو 60 ألف مواطن حسب الأرقام الرسمية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.




TRT عربي