في ظل انتشاره الواسع، يرى كثير من المتخصصين أن تطبيق "فيس آب" يسهم في خلق "جمهور الأشباح" الذي يمهد الطريق لأباطرة الإنتاج لتحقيق أعلى درجات الهيمنة والإخضاع.

لعل أكثر التطبيقات الإلكترونية تحميلاً خلال الأيام القليلة الماضية هو تطبيق "فايس آب"، ولعله كذلك الأكثر إثارة للجدل والخلافية، منذ انطلقت ثورة النت وحرب "البيانات" غير المعلنة.

فهناك ما يناهز 700 ألف تحميل في اليوم الواحد، إلى الدرجة التي أفضت إلى بلوغ عتبة 50 مليون تحميل لحد الآن. وفي العالم العربي تحديداً استفاق الجميع، في مواقع التواصل الاجتماعي على صور شائخة، تستجدي اللايكات والتعليقات، وعلى هاشتاغات تدعو إلى "تحدي الشيخوخة" لتحويل الصور من سجلها العمري الراهن إلى وضعية شيخوخة قادمة ومتخيلة.

تطبيق الشيخوخة الموسوم بـFaceApp، يتيح لمستعمله السفر نحو احتمالات تقدمه في السن، إذ تعمل المنصة، وفقاً لمؤسس التطبيق الروسي يوروسلاف جونشاروف، على استثمار الذكاء الصناعي والخوارزميات المعلوماتية، في إطار شبكات عصبية، أملا في تعديل الصورة، مع الإبقاء عليها في هيئة واقعية وقريبة من الأصل.

لكن لنتساءل عن سر هذا الإقبال على هذا التطبيق، وعن علاقتنا بالتكنولوجيا، وتفاوضنا مع أجسادنا... ففي مسالك هذا التفكير يمكن إدراك المعنى المخبوء.

الرهان الأقصى لإمبراطوريات "الداتا" التي تتحالف استراتيجيّاً مع بنيات الاستبداد هو الوصول إلى أعلى ممكنات الإذعان والعبودية المطلقة.

عبد الرحيم العطري

مارك زوكربيرغ مبدع القارة الزرقاء تَحدَّث يوماً قائلا إن "فيسبوك لا يعني لي مجرد شركة، بل بناء شيء يغيِّر الواقع، ويُحدِث تغييراً فعليّاً في العالم"، ويبدو أن تخمينه قد تحقق، وأن التكنولوجيا باتت تغير مسلكيات الحياة وتعيد صَوْغَ الأخيلة والفُهُوم، بل وتخترق كل تفاصيلنا بلا حدود، إلى درجة الاستعباد الرقمي، فهل نجرؤ على التحرر منها؟ هل نقدر على المواجهة أم نجيد الهروب؟

لا يكتفي التطبيق ذاته بالسفر بمستعمله نحو حافة الشيخوخة، بل يعود به إلى ريعان الشباب، كما يسمح له بإجراء "الجراحة التجميلية" الافتراضية، عبر إضافة اللحية و "التبييض"و"الترميد".

إنه خدمة مجانية تحقق الأرباح لِمُلّاكها، مثلما تتيح "التسلية الإلكترونية" للمارين من "تمرينها"، وما بين الامتلاك والمرور تنبني العلائق وتتحدد المصالح والخيارات، باتجاه الربح والخسارة.

الأمر يتعلق بمنتج إلكتروني يروم الربح، ولكي يراكم هذا الربح، فعلى القائمين عليه أن يشتغلوا على المخاوف والوساوس والرغبات الإنسانية، وأن لا يترددوا في بيع الوهم وأًسْطَرَةِ الواقع وتنشيط الخيال، متى اقتضت الضرورة ذلك، ففي تطبيق التشبيب والتشييخ، نعاين قلق المستقبل والخوف من العجز والمرض والموت، كما نقرأ رغبة جامحة وتطلُّعاً مُضمَراً نحو "إكسير الحياة" لتأمين الخلود والحفاظ على الشباب.

وعليه فالإقبال على التطبيق ينبغي أن يُفهم في سياق تلبية الاحتياجات اللذوية ومواجهة القلق والتوتر والألم.

فالصورة الشائخة التي يقترحها التطبيق على مستعمليه، تظل تحت الطلب ووفق ما يتخيله المرء وما يهفو إليه، إنه يقترح وجوهاً نضرة لم تزدها التجاعيد إلا حكمة وجمالاً، فالتقنية ها هنا تؤدِّي دور "العرافة" و"السحر" لتمكين الواقعين تحت رحمتها من "الإجابات" التي تتساوق واحتياجاتهم.

هي "سوق رقمية" في البدء والختام لا نُشكل فيها إلا أرقاما وزبائنَ وحسابات، تفيد في الرفع من أسهم المضاربين، نُختزل فيها في حدود صور وأيقونات، ونُساق فيها إلى ما تقتضيه التطبيقات الصادرة عن أباطرة الشبكة.

إن ديكتاتورية التطبيقات تُفرغ الواقع من أصالته وعمقه لتعمل على تسليعه والاستثمار فيه.

عبد الرحيم العطري

فلا نقدر على الفكاك من أسر الافتراضي ولا من سحره الذي يعيدنا إلى أزمنة الدهشة والابتداء، حيث لا سبيل إلا التعلق بالقوى المرئية واللا مرئية لتفسير العالم والتفاوض مع ألغازه، ذلكم ما يحدث لنا اليوم أمام "ديكتاتورية التكنولوجيا"، بحيث لا نجد بدّاً من الإذعان لمواقعها وتطبيقاتها، من فرط الخوف والجهل والتطير والألم أو الأمل.

إن ديكتاتورية التطبيقات تُفرغ الواقع من أصالته وعمقه، لتعمل على تسليعه والاستثمار فيه، فالشيخوخة التي كانت مؤشرة على الشيب والوقار والحكمة، باتت مَتْناً للتسلية والدعابة والفرجة.

فكل شيء قابل للتنقيد (من النقود) والتكميم (من الكم)، أما الرمزي والجوهري والواقعي فلا ضرورة له، ما يهم هو منح الأفراد فرصاً للبطولة والفانتازم والمتعة، وإن كانت وفق مسارات الوهم و"اللا واقع"، وهي فرص تكتمل وتتغذى على فرجوية "السيلفي" و"فيس آب" و"سناب شات"، ذلك أن الشرط الوجودي اليوم هو تحويل كل المعاني إلى صور عابرة للشبكة، استجداءً للتقاسم والإعجاب والتعليق.

نحن نسير إذًا في درب مظلم من الانقيادية الرقمية، حيث لا سلطة إلا للرقمنة التي تجتاح القيم والمشاعر والمواقف والفائت والراهن والقادم، في نوع من الاستعمار الذي يسرق منا القدرة على الفعل وصناعة القرار.

الشرط الوجودي اليوم هو تحويل كل المعاني إلى صور عابرة للشبكة استجداءً للتقاسم والإعجاب والتعليق.

عبد الرحيم العطري

فالرهان الأقصى لإمبراطوريات "الداتا" التي تتحالف استراتيجيّاً مع بنيات الاستبداد، هو الوصول إلى أعلى ممكنات الإذعان والعبودية المطلقة التي أسماها "والتر ليبمان" بحالة "جمهور الأشباح"، حيث يتحول المواطن إلى متفرج أصم، في مقعد خلفي، يغلبه النعاس، ولا ينتبه لما يجري فوق الخشبة من صراعات حول الثروة والسلطة والقيم، فليس مطلوباً منه سوى الإذعان والتصفيق والهتاف بحيوات الحاكمين.

إن "العرض المعلومياتي" الضخم والمغري الذي تقايضنا به الشركات الكبرى المتحكمة في الشبكة، لقاء وقتنا ومشاعرنا وقيمنا وأجسادنا... لا يختلف في كثير من تفاصيله عن حكاية فاوست مع الشيطان، فبعد أن ظهرت عليه علامات الكبر، واعتقد راسخاً أنه أهدر شبابه في علوم لا فائدة منها، التقاه الشيطان مفستوفيليس، مقترحاً عليه أن يقايضه روحه الشريرة مقابل منحه سن الأربع والعشرين.

كانت مقايضة مربحة بالنسبة إلى فاوست، كما خُيِّلَ إليه كأنه هو، لينطلق في تجريب العنف والقتل والإفساد، ليستلهم الدرس بعد فوات الأوان ويصرخ في وجه ظلام العالم الذي اندلق إليه: "ما أفظع أن يربح الإنسان العالم ويخسر نفسه! أي خُسران هذا؟! مُمعِن في الفداحة والإيلام!".

ذلكم ما يقايضنا به الزمن الرقمي هنا والآن، إننا نبيعه إنسانياتنا لقاء متع عابرة وصور زائفة وبطولات وهمية، فـ"كلنا" فاوستيون، مهما تباينت وتمايزت انتماءاتنا واختياراتنا في السوق الرقمية الكبرى.

جدير بالذكر أن السجل الرقمي غير منذور للصدفة، وأن قوى الرأسمال والاستبداد تتعاون باستمرار لإغراقه من حين إلى آخر بما تمليه أجندات الاستعباد والاستبعاد والإلهاء، فالرهان الأقصى لمالكي وسائل الإنتاج والإكراه هو خلق "جمهور الأشباح"، وتحقيق أعلى درجات الهيمنة والإخضاع، وهو ما يوجب البحث عن تطبيقات جديدة و"تقليعات" وأخبار وأوهام ومخاوف، في إطار تشييد أطروحة "الميتا واقع" التي تسمح لهم بالاستحواذ على الواقع.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي