توجد ضرورة لإعادة الوهج لثلاثة معانٍ قد اُفتقدت في واقعنا الراهن وهي الموضوعية، المسؤولية، الالتزام كي نتمكن من أن نفتح عينينا على اتساعهما بدون أن نختّل، وننقاد للصدمة أو نصبح كبش فداء. وهو ما يجعلنا نبني "فردانية" صلبة مُقاومة وليست "سائلة" منقاده.

ثمّة ميلاد آخر للإنسان؛ ذاك الذي يتعيّن، حين يعي ذاته كفرد "متفرد" بأفكاره واختياراته خارج حدود ما تم تلقينه إياه من معرفة شكّلت فكره وسلوكه، تلك اللحظة التي غالباً ما تتولد من أشد التوترات دينامية أو ما يُسمّى "بالحدث الاستثنائي" الذي نعيد في ضوئه اكتشاف ذواتنا، وقد يؤدي بنا إلى "خرق التابوه المقدس"، وإحداث ردة انفعال عنيفة، إذ لم يستطع الفرد تجاوزهابوعي، سقط في دوامات الهشاشة والتفكك، ودوائر سلطوية تماثل ما سبق ورفضه، مما يحول الحدث إلى كابوس لا حقيقة.

الفردية كإبداع متحرر

يحمل مفهوم الفردية "Individual" إرثاً من التحرر الإبداعي في حقول الفن والفكر الحداثي الغربي بداية من القرنين الـ17 والـ18، حين تفتت النظام الديني والاجتماعي والاقتصادي الذي ساد العصور الوسطى، وكان هو الأساس الذي بُنيت عليه مواثيق حقوق الإنسان ومذهب الحق الطبيعي، وفلسفة التنوير التي أرست سيادة العقل.

أنظمة تعتيم وتجهيل وليست تعليم جعلت من شاب جامعي يسمع لأول مرة عن الماركسية في ميدان التحرير!

إيمان النمر

وفي عالمنا المعاصر يحاول البعض من علماء الاجتماع والفلاسفة إعادة الوهج لهذا المفهوم بما يعنيه من ثورية وإرادة حرة بوسعها مقاومة قوى العنف والاستهلاك والطائفية، لاسيما بعد فقدان الأمل في اليوتوبيات الجماعية التي سقطت تاريخياً مثل الاشتراكية والشيوعية، والاقتناع بفكرة لامركزية السلطة وسريانها في الجسم الاجتماعي المؤسساتي، فيما أسماه ميشال فوكو "ميكروفيزياء السلطة". ما دفع "آلان تورين" وبشيء من المجازفة إلى القول بزوال المجتمعات، ودخولنا مرحلة جديدة يُعوّل فيها على إرادة الفرد "كذات فاعلة" في إحداث تغييرات جذرية متحررة من الأيدولوجية والسلطة وصراعات إنتاج القوة وعلاقاتها.

ثورات الربيع العربي والفردانية الهشّة

وقد مثّلت ثورات الربيع العربي حدثاً استثنائياً في منظور كثير من الشباب الذين أعادوا اكتشاف ذواتهم وبناء وعيهم، وعلى أثره شاهدنا، وما نزال نشهد، العديد من الوجوه المتمردة التي تطالعنا على شاشات الإعلام التقليدي أو الرقمي، ومواقع التواصل الاجتماعي متحديةً سلطة الدين والسياسة، ودفعت بالقضايا الاجتماعية الشائكة، التي ظلت حبيسة عقود من الصمت والكبت على السطح، وأحدثت صداماً وجدلاً عنيفاً في الآونة الأخيرة، كقضايا النسوية والإلحاد والمثلية الجنسية، غير مسألة حرية التعبير السياسي.

لكن، هذه التمردات غالباً ما انعكست فردانية هشّة ومهزومة، وغير متجاوزة ردّ الفعل الانفعالي، تجاه ما تتبناه من أفكار وسلوك، وتغلب عليها نزعة المظلومية، ودور الضحية المجروحة، وأحياناً لم تزدْ عن كونها استعراضاً لا يخلو من المنفعة المادية والرغبة في تحقق ذاتي، يتطلب الإحساس بلذة الضوء والشهرة، في واقع يعاني من الضغط الاقتصادي وإغواء الاستهلاك.

ولا يمكن بالطبع تجاهل ما يمارسه المجتمع والسلطة السياسية من استبداد وقمع ضد أي شخص يعلن تحديه لهما، ولا نهدف إلى شجب أو تبخيس أهمية ذلك التمرد أو إعادة كبته؛ لأنه سيكون بلا جدوى وغير عادل، لكن يستوجب نقد آلياته وكشف ما به من عوار، وكيف تستغله الأيديولوجيا، سيما وأن البعض يحاكي النموذج المتمرد دون قرار ذاتي، فيما يعرف "بعدوى المثال".

الاستقطاب والجهل وثقافة الاستفزاز

في الفيلم التسجيلي" في سبع سنين" وفي ضوء جدلية صراع الدين والسياسة، رصد بعض التحوّلات الجذرية التي عايشها بعض الشباب المصريين ممن شاركوا في ثورة يناير 2011، وكان أهم ما لفت الانتباه، هذا الجهل الذي يكمن في ثنايا كل تجربة حُكيت، الجهل والتقوقع داخل نسق ديني ومجتمعي، هو ما حاد بشاب عشريني إلى طريق الصدام المرير، وهو يكتشف أن من يشاركونه مجتمعه وواقعه مختلفون ولا يدينون بأفكاره التي تربّى عليها منذ صرخة ميلاده الأولى، الجهل باشتراطات الواقع المعيش السياسية والاقتصادية والتاريخية هو ما جعل شاباً آخر ينفعل لمجرد رؤيته مشهداً دموياً حقيقياً على شاشة التلفاز، كي يقرر الانضمام لجماعة إرهابية دون أن يحسب مغبة قراره، وأنظمة تعتيم وتجهيل وليست تعليم جعلت من شاب جامعي يسمع لأول مرة عن الماركسية في ميدان التحرير!

ساهم في تصدر الفردانية الهشة وسيادتها سياسات الليبرالية الجديدة والصوابية السياسية التي توجّه الملف الحقوقي والسياسي على نحو معولم.

إيمان النمر

الجهل ما يدفع الكثير من اليافعين المتحمسين إلى الانزلاق في عمليات الاستقطاب الأيديولوجي السياسي أو الديني، ويجعلهم يفتحون صدورهم للنار والتضحية بهم، دون أن يحسبوا ثمن اختياراتهم، ودون إدراك لمدى التلاعب الذي يخضعون له، هذه التجارب الفردية تهدم أكثر مما تبني؛ لأن أصحابها غير واعيين بكيفية تجاوز الحدث الانفعالي الشعوري إلى مرحلة العقلانية القيمية والغائية بحسب تصنيف "ماكس فيبر"؛ بمعنى القدرة على تحويل الشعور إلى بناء عقلي واع مؤثر على المدى البعيد.

وقد تغيرت آليات الاستقطاب من حيث الكيفية والتأثير في ظل سيادة الإعلام الرقمي، فقد لا ينتج عن الاستقطاب انضمام إلى تنظيم، بقدر إثبات الهيمنة العنيفة التي يمارسها كل فريق على الاختيار الفردي وتوجيه الرأي، يدلّ عليه كثرة الاصطلاحات التصنيفية التي باتت بديهيات، الكل مصنف ومتحزب، دون حزب مجسد في الواقع المادي إلى أن يثبت العكس.

وبهذا الصدد يُلاحظ، أيضاً، أن العديد من الشباب ممن يعلنون تمرّدهم، لا تنبني مواقفهم على معرفة رصينة؛ إنما غالباً ما تكون اختزالية ومستمدة من حسّ أخلاقي جدلي أو خبرة جمالية نسبية يسهل دحضها، معتمدين على اتباع أسلوب ثقافة الاستفزاز أو المعالجة بالصدمة، والقفز مما هو ديني إلى ما هو ثقافي دون المرور بممارسة السياسي أو الوعي بجدلية الاجتماعي. 

كما يضفي البعض منهم الطابع الملحمي على ذاته، ويتقمص بطولة زائفة لا تنطوي على رصيد معرفي أو نضال حركي تأسيسي؛ لذلك كثيراً ما تتم هزيمتهم في أية مناظرة قد تُعقد أمام خصومهم، وفي أحيان أخرى قد يؤدي بهم الحال إلى الانزواء والسقوط في ميكانزم دفاعي هزلي.

الليبرالية الجديدة والحقوق الفردية

ساهم في تصدر هذه الفردانية الهشة وسيادتها سياسات الليبرالية الجديدة والصوابية السياسية التي توجّه الملف الحقوقي والسياسي على نحو معولم، ففي سبيل تأكيد إلغاء الطبقية وتفكك الكيان المؤسساتي والروابط الاجتماعية، ولأجل التحايل والالتفاف على موجات الغضب والنقد الموجهة ضد تفاوت توزيع الثروات، ظهرت تلك السياسات في دور" المخلّص" الإنساني من عذابات الفرد الجدير بالاعتراف والتميز لمجرّد أنه مضطهد ومطارد، غير ما سُمي مؤخراً "بحملات ضد التنمر".

ومن جديد نؤكد أحقية الدفاع عن المضطهد، ولا شيء يبرر ممارسة السلوك اللاخلاقي ضد لون أو عِرق أو أيٍّ ما كان الاختلاف، لكن ما يُشاع الآن في الفضاء الالكتروني، سريع التنقل هو العدمية والهشاشة، بدلاً من المقاومة بوعي وتعقل، إلى الدرجة التي بتنا فيها نُلاحق بأخبار شبه يومية، تخبرنا عن حوادث انتحار، أسبابها تدعو إلى القلق، مثل انتحار فتاة عشرينية بدعوى أنها ليست جميلة وتتعرض للتهكم.

ما يُشاع الآن في الفضاء الالكتروني سريع التنقل هو العدمية والهشاشة، بدلاً من المقاومة بوعي وتعقل.

إيمان النمر

وهنا قد يبدو التعاطف والشجب مهمّاً، لكن لا بد من إعادة بث فلسفة تُعنى بأهمية الحياة التي تستحق وتستمد معناها من المقاومة.

ضبط إيقاع الحرية وضرورة امتلاك مشروع

إنّ الحرية سعي دائم ما دامت حياتنا، وليست مطلباً يتحقق بالتمام في شرط زمني أو مكاني أو موضوعي ثم يتوقف، وكي تصبح التجربة التحررية حقيقية وفاعلة في واقع متأزم، لا بد وأن نكون واعين بكيفية ضبط دوافعنا وتعقلها، ندرك متى وكيف نعبر عن إرادتنا، ونحن مرتكزون على أرض صلبة من المنطق الذي يعززها، وندرك أيضاً، متى وكيف نتوقف إذا اكتشفنا أن صدورنا الموجهة للنار لا تخدم حريتنا ولا قضيتنا بقدر ما تخدم أيدولوجية تستخدمنا، وكذلك قدرتنا على كشف الحد الفاصل بين ما هو اختيار فردي وإرادة جماعية ملتبسة في اللاوعي، ولمن نمنح ثقتنا، ولا نسمح بالاستنزاف في معركة صفرية؟.

ويستتبع ذلك ضرورة إعادة الوهج لثلاثة معانٍ قد اُفتقدت في واقعنا الراهن، وهي "الموضوعية، المسؤولية، الالتزام"؛ كي نتمكن من أن نفتح عينينا على اتساعهما بدون أن نختّل، وننقاد للصدمة أو نصبح كبش فداء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي