لسنا بحاجة لقوانين جديدة لمحاكمة فرنسا ودول استعمارية عن جرائمها، فقوانينها كافية، المادة 212-1 من القانون الجنائي الفرنسي، تعرِّف الجريمة ضد الإنسانية بأنها تشمل "كل ترحيل قسري أو إعدام جماعي أو اختطاف أشخاص وتعذيبهم أو إخضاعهم لممارسة غير إنسانية

في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2017، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة جماجم قادة المقاومة الجزائرية الذين قُطعت رؤوسهم وأرسلت إلى باريس منذ أواسط القرن التاسع عشر.

لم يكن ذلك الإعلان بدافع إنساني أمْلَته صحوةُ ضمير أو مراجعة تاريخية لسجل استعماري تلطخت صفحاته بمجازر ضدّ السكان الأصليين وصلت إلى حدّ إبادة قبائل عن بكرة أبيها بسبب رفضها الاستسلام لجيش الاحتلال، بقدر ما كانت رضوخاً لعرائض وُقِّعت سنة 2016، تطالب بوضع حد لهذه المهزلة التي تُعتبر عاراً في جبين الإنسانية، حين تُعرض جماجم مقاومين دافعوا عن أوطانهم في متاحف باريس وكأنهم مُجرّد لُقَى أركيولوجية أو "أشياء تراثية" كما يصر على تسميتها ميشيل جيرو مدير المحفوظات في المتحف الفرنسي للتاريخ الطبيعي.

مقالات ذات صلة:

الاحتلال الفرنسي .. استعمار أم وصاية؟

مرت ثلاث سنوات على ذلك التصريح قبل أن تفرج فرنسا عن المجموعة الأولى المكونة من 24 جمجمة تضم على الخصوص الشيخ أحمد بو زيان زعيم معركة الزعاطشة سنة 1849، التي دارت أحداثها في إحدى واحات الشرق الجزائري تحمل الاسم نفسه، وتبعد نحو 470 كلم جنوب العاصمة الجزائرية.

ويصف قائد تلك الحملة العسكرية الجنرال الفرنسي هيربيون Herbillon بتقرير مؤرخ في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1849: "لم ينجُ سوى رجل أعمى وعدد قليل من النساء". ويصف لويس دي بوديكور Baudicour في كتابه "الحرب والحكومة الجزائرية" الصادر سنة 1853، بعضاً من الجرائم الوحشية في تلك الملحمة قائلاً: "اندفع أفراد الجيش -يقصد الفرنسي- بغضب على المخلوقات التعيسة -يقصد الجزائريين- التي لم تستطع الفرار -يقصد بعد انتهاء المعركة- هنا بَتَر جُندي ثديَ امرأة، وهناك أخذ جندي آخَر طفلاً صغيراً من ساقيه وهشّم رأسه..".

وحسب الروايات الفرنسية نفسها، فإن قطع رأس الشيخ بو زيان جرى بعد اعتقاله وإعدامه بالرصاص، أي أنه عمل همجي محض، خارج القانون بما فيه القانون العسكري، فقد يتقبل المرء في ظروف القرن التاسع عشر أن يُقطع الرأس بسبب إعدام شخص بالمقصلة، وقد يتخيل أحدنا أنّ الرؤوس جُزت أثناء احتكاك مباشر في ميدان المعركة ومواجهة بالسيوف، ولكن شيئاً من ذلك لم يكن السبب في قطع الرؤوس.

وحدها السادية والهمجية كانت الدافع لذلك، فالمقاومون قُتلوا بالرصاص في المعارك أو بعد الاعتقال، ثم فُصِلت الرؤوس عن أجسادها لتُعرَض أوّلاً في ساحات مدينة بسكرة القريبة من واحة الزعاطشة، لترهيب من بقي من المواطنين وثنيهم عن مجرد التفكير في المقاومة، ثم يجري إرسالها إلى باريس كنياشين للنصر باسم المَدَنِيّة والحضارة التي جاءت فرنسا لتنشرها بين الشعوب "المتوحشة" والظلامية!

كان بالإمكان أن تُطمس هذه الجريمة لو لم يَعثر أحد الباحثين الجزائريين بالصدفة على قوائم هذه الجماجم داخل "متحف الإنسان" في باريس، التي تحمل بكثير من الخُيلاء لقب عاصمة الأنوار وعاصمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إنه مكر الصدف، أن يحتضن متحف الإنسان معرضاً للجماجم هو في حد ذاته جريمة ضد الإنسان! والأدهى والأمرّ أن مجموعة كبيرة من تلك الجماجم معروف أصحابها وليسوا نكرات، بل أعلام للمقاومة مثل الشيخ بو زيان وبو عمر بن كديدة، وبو بغلة، ومختار التّطَرّاوي، وعيسى حمادي، وغيرهم من زعماء المقاومة.

مقالات ذات صلة:

فرنسا ما بين القذافي وحفتر.. نموذج النفاق الأوروبي

إنها بحق جريمة تستهدف مسح ذاكرة الشعوب ومسخها، وقطع الطريق أمام أي محاولة لمراجعة التاريخ وكشف جرائم الإبادة التي تعرضت لها شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا على أيدي الغزاة الأوربيين.

ولسنا بحاجة إلى كتابة قوانين جديدة لمحاكمة فرنسا والدول الاستعمارية عن جرائمها، فقوانين تلك الدول ذاتها كافية لإدانتها، ويمكننا الرجوع مثلاً إلى المادة 212-1 من القانون الجنائي الفرنسي، التي تعرِّف الجريمة ضد الإنسانية بأنها تشمل "الترحيل القسري أو الإعدام الجماعي أو اختطاف الأشخاص وتعذيبهم أو إخضاعهم لممارسة غير إنسانية بدوافع سياسية أو عرقية أو دينية، وتنفيذ تلك الأفعال بطريقة إرادية وتخطيط مسبق ضد مجموعة من المدنيين..".

وهذا ما قامت به القوى الاستعمارية، فقد جرت عمليات ترحيل قسري بدافع تجارة الرقيق أو الاستيطان والاستيلاء على الأراضي وانتزاعها من أصحابها الشرعيين، كما حدث في أستراليا ونيوزيلاندا وأمريكا وجنوب إفريقيا، ونُفذت إعدامات جماعية في معظم المستعمرات السابقة لقمع المقاومة والثوار، وأُرغمت شعوب بأكملها على تغيير معتقداتها بقوة السلاح وتحت سطوة التعذيب في القارات الثلاث بل وفي أوروبا نفسها في البلقان وشبه الجزيرة الإيبيرية.

إن الجماجم المعروضة في متحف باريس هي الجزء الظاهر من جبل جليدي لجرائم الدول الأوربية في حق الشعوب وثقافاتها ولغاتها، والكشفُ عنها يتجاوز البحث التاريخي ليصبح ضرورة حضارية وإنسانية ستساهم في تحرير مستقبل شعوب العالم الثالث واستعادة سيادتها الكاملة على قرارها ووقف كل الأشكال الحديثة لاستغلال طاقاتها ونهب ثرواتها.

وما الأحداث التي تجري على الساحة العربية من العراق إلى ليبيا مروراً بسوريا واليمن، إلا جزء من هذه المعركة المؤجلة التي تؤدي الشعوب ثمنها غالياً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي