صورة توضح حجم المواجهات التي دارت بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال في مدينة اللد المحتلة  (مواقع تواصل)

كما تضمنت تحركاتها السابقة عدة رسائل تعبر بمجملها عن كونها امتداداً لمجمل الشعب الفلسطيني، وأن قضيتها الرئيسية هي قضية كل الفلسطينيين، أي هي قضية تحرر من الاحتلال وإقامة دولة فلسطين الواحدة، وإن كان من الصعب اليوم رفع هذا الشعار داخل مناطق 48 بشكل واضح وعلني بعد إقرار قانون القومية العنصري.

وعلى أعتاب الذكرى الـ73 للنكبة الفلسطينية، سطر الفلسطينيون في كل مدن الداخل المحتل والضفة الغربية وقطاع غزة صفحة جديدة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي نصرة للمسجد الأقصى، وضد تهويد القدس والتهجير القسري لحي الشيخ جرّاح منذ أيام، لم تكن تلك الهبة الشعبية أو بالأصح الانتفاضة الجديدة وليدة أحداث الشيخ جرّاح ولا سيطرة المستوطنين الأكثر تطرفاً على بعض أحياء مدينة القدس وبيوتها، لكنها تراكمات طويلة في مواجهة سياسات القمع والاضطهاد والتهجير، وسياسات الفصل العنصري ضد أصحاب الأرض الأصليين، ليس في الأراضي المحتلة عام 1967 لكنها طالت كل المدن الفلسطينية حتى التي تم الاستيلاء عليها منذ عام 1948.

خرجت اللد المحتلة وحيفا ويافا ومدن النقب وبئر السبع والجليل الأعلى ضد الاحتلال الإسرائيلي، ليس نصرة للقدس وغزة فحسب لكن أيضاً ضد تلك السياسات القمعية والترانسفير والتهويد المستمر والممنهج لمدن فلسطين التاريخية، والسياسات التمييزية الاقتصادية والاجتماعية ضد السكان الفلسطينيين الأصليين التي زادت وتيرتها منذ سن قانون القومية اليهودية منذ عام 2018، الذي أكّد أن "إسرائيل" هي الدولة القومية "للشعب اليهودي"، وأن حقّ تقرير المصير فيها هو لليهود فقط، وأن تنمية الاستيطان اليهودي هي "قيمة وطنية" سيتم توظيف الدولة وأجهزتها لخدمتها، بينما استبعد اللغة العربية كلغةٍ رسميةٍ.

انطلقت مظاهرات حاشدة في سخنين وحيفا، والنّاصرة، ورهط، والطيرة، والطيبة، وأم الفحم، ودير الأسد، والبعنة، وطمرة، وعرعرة النقب، وباقة الغربية، ومجد الكروم، ويافا، وكفر قرع، وقلنسوة، وعرعرة، والمشهد وبلدات أخرى، مساء الثلاثاء، احتجاجاً على اعتداءات الاحتلال الإسرائيليّ في مدينة القدس المحتلّة، وفي قطاع غزة المُحاصَر. وشهدت المظاهرات مواجهات مع شرطة الاحتلال الاسرائيلي التي لم تتعامل مع المتظاهرات باعتبارها احتجاجات داخلية يتم التعامل معها ضمن استحقاقات الشرطية، لكن استخدمت القوة المفرطة للقضاء عليهم، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع والاحتجاجات العنيفة في مواجهة جيش الاحتلال الذي نزل بقوته لفض الاشتباكات.

ذلك الحراك الشعبي في كل المدن المحتلة في أراضي الـ1948 أظهر إفلاس دولة الاحتلال "إسرائيل" كدولة "طبيعية"، لكن نظراً لطبيعتها الاستعمارية واجهت الاحتجاجات بأدوات وآليات استعمارية كما حال دولة جنوب إفريقيا العنصرية، وكما هو الحال في كل المستعمرات الاستيطانية سابقاً في الجزائر وتونس خلال الاحتلال الفرنسي.

نجح فلسطينيو 48 في معركة الصمود على الأرض، على الرغم من الإجراءات الصهيونية التي تعاملت معهم كغرباء في أرضهم وكرعايا، وأعطت الأفضلية والمزايا المختلفة لليهود، فضُيّقت عليهم سبل الإقامة والمسكن والبناء والاستفادة من الخدمات، وسبل التعبير عن هويّتهم الثقافية وانتمائهم الفلسطيني والعربي والإسلامي، وبينما حصرت البلدات والقرى العربية في مساحات ضيقة، ومنعت بناء قرى وتجمّعات فلسطينية جديدة، فإنها قامت ببناء أكثر من سبع مئة بلدة ومدينة ومستوطنة صهيونية في الأرض المحتلة 1948.

فقد قام الصهاينة في حرب 1948 باحتلال 77% من أرض فلسطين، ودمروا 413 قرية وبلدة فلسطينية على الأقل "يصل العدد إلى نحو 530 وفق تقديراتِ سلمان أبو ستة"، وتم تشريد نحو 800 ألف فلسطيني، حيث لم يبقَ في فلسطين المحتلة 1948 سوى 156 ألف فلسطيني، وجدوا أنفسهم أقلية مستباحة في أرضهم، وظلوا نحو 18 سنة تحت الحكم العسكري وأنظمة الطوارئ، وصودرت الأراضي لفائدة المستوطنين اليهود الصهاينة، حتى لم يتبقَ في أيدي فلسطينيي 1948 أكثر من 4% من الأرض، رغم ذلك حافظوا علي وجودهم الذي مثل 17% من إجمالي عدد الذين يعيشون على فلسطين التاريخية التي سُميت "إسرائيل"، وواجهوا بكل الطرق الأسرلة والقوانين العنصرية.

كل الفلسطينيين، أينما كانوا، ضحيّة النكبات. وفي تحدٍ لواقع التشتت والتجزئة داخل فلسطين التاريخية وخارجها تلاقت حركات مدينة أم الفحم، المستمرة منذ أشهر، وكذلك حركات يافا، مع انتفاضة القدس، بل شهد العقد الأخير نقلة نوعية في المقاومة ضد الاستعمار الصهيوني، وتزايداً في نشاطات التشبيك والتنسيق والتعاون بين أطر شبابية، ومثقفين، ومؤسسات أكاديمية، وأهلية، وخيرية، في مسعى استعادة وحدة المصير الفلسطيني الواحدة. إن هناك أغلبية عربية متزايدة تشعر بقوة بهويتها الفلسطينية وانتمائها العربي والإسلامي، ونجحت في كسر محاولات التفتيت الصهيونية، وتكريس الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية، وهي حالة ظهرت بقوة منذ ظهور حركة أبناء البلد في خمسينيات القرن العشرين، مروراً بالحركات ذات البعد الوطني والقومي والإسلامي.

شارك فلسطينيو 48 في العمل الانتفاضي، فكان يوم الأرض في 1976، وكان لهم دور بارز في بداية الانتفاضة الأولى لعام 1987 وانتفاضة الأقصى أيضاً، وكذلك في انتفاضة القدس 2015-2017، غير أن التيار العام فضَّل عدم الدّخول في المواجهة المسلحة مع الصهاينة، نظراً للظروف الخاصة بفلسطينيي الـ48 مكتفين بدور الداعم اللوجستي والمادي لفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1967. ومع ذلك فقد ظلت هناك دائماً مبادرات من العديد من شباب الـ48 في العمل المقاوم، وفي الدّعم اللوجستي للمقاومة المسلحة، والتي كان من أبرزها مؤخراً عملية "الجبارين" الثلاثة في المسجد الأقصى في صيف 2017.

انتصار الفلسطينيين لغاية الآن كان له عدة جوانب، أبرزها وحدة النسيج الوطني الفلسطيني، وهو ما أثبته تحرك أهل الداخل الفلسطيني الذين أثبتوا معدنهم الأصيل وانتماءهم لفلسطين، رغم طول فترة الاحتلال الذي فشل في دمجهم في المجتمع الصهيوني غير المتجانس أصلاً.

وانطلاقاً من ذلك يجب النظر إلى انخراط مدن وبلدات 48 اليوم في سياق دفاعها عن الكل الفلسطيني كامتداد طبيعي لما سبقه من تحركات مناطقية داخل الخط الأخضر. وكأنها تبعث برسالة للكل الفلسطيني بضرورة إصلاح خطأ تبني برنامج الدولتين، وتطالب بعودة الكل الفلسطيني إلى برنامج تحرير فلسطين كل فلسطين، بما يعبر عن مجمل التجمعات الفلسطينية، وبما يضمن استعادة كل الحقوق الفلسطينية المستلبة منذ 1948.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي