متظاهرون فلسطينييون دعما للأسرى الذين فروا من سجون الاحتلال (Ammar Awad/Reuters)

لا سيما بعد هروب الأسرى الفلسطينيين من السجن والحديث عن مساعدة قدموها لهم، مع انتشار ظاهرة السلاح بين صفوفهم، والخشية الإسرائيلية من استخدامها لأغراض "معادية".

لمزيد من الدقة ليست هذه التحذيرات الإسرائيلية الأولى من نوعها لكنها قد تكون الأخطر، فقد شهدت العلاقات التاريخية بين دولة الاحتلال والفلسطينيين الذين بقوا قابضين على الجمر بفلسطين المحتلة عام 1948 طغياناً لجوانب التشكيك والهواجس والمخاوف المتبادلة، والأمر يبدو طبيعياً وليس مستغرباً، فالفلسطينيون يعتبرون إسرائيل كياناً احتل أراضيهم وصادر منازلهم وحوَّلهم إلى مواطنين من الدرجة العاشرة، على الرغم من أنهم أصحاب الأرض الأصليين.

أما الاحتلال الإسرائيلي ذاته فينطلق من نظرته إليهم على أنهم عقبة في طريق إقامة الدولة "اليهودية" التي تمتاز بـ"النقاء العرقي" و"القومية الواحدة"، وقد حاول معهم كثيراً من الأساليب والإجراءات التي تجعل من الأرض التي يقيمون عليها ذات بيئة طاردة لا جاذبة، لكن ذلك لم ينجح وباءت جميع السياسات الإسرائيلية بالفشل الذريع.

جديد هذه الاتهامات الإسرائيلية لفلسطينيي 48 يتعلق بالهبّة الشعبية الأخيرة التي نفذوها في مايو/أيار، انتصاراً للمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح وتضامناً مع أشقائهم في قطاع غزة الذين تعرضوا لعدوان إسرائيلي غاشم أواخر شهر رمضان.

صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها المدن الفلسطينية المحتلة في الداخل احتجاجات ومظاهرات عامة وواسعة، لكن ما شهدته من اتساع رقعة المواجهات لتشمل مدناً جديدة، وأخذ هذه المظاهرات للطابع الخشن تجاه المستوطنين اليهود شكَّل سابقة بنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فالحديث يدور عن عدة أيام متلاحقة من المواجهات تخللها إحراق مركبات المستوطنين واستهداف مقارهم، حتى باتوا يبحثون عن مدن أكثر أماناً داخل فلسطين المحتلة بعيداً عما يسمونها "المدن المختلطة" التي يقيم فيها العرب واليهود معاً، لكن أحداث مايو/أيار أعادتها إلى هويتها الحقيقية بأنها مدن فلسطينية عربية محتلة لا مختلطة.

وصل الأمر حينها إلى أن استنفرت المؤسسة الأمنية والعسكرية الاحتلالية قواتها الأمنية وأجهزتها الاستخبارية لمحاولة كبح جماح هذه "الانتفاضة" والبحث عن أسبابها العميقة بعيداً عن العوامل الآنية المتعلقة بالأقصى وغزة، وعلى الرغم من وجود معطيات ميدانية وإحصائية لا تخطئها عين الاحتلال، سواء تلك المتعلقة بتراجع أوضاعهم المعيشية وسياسة التمييز العنصري ضدهم وتعمد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نشر السلاح بينهم لاستخدامه في عالم الجريمة والاستهداف الأمني الموجه ضد كل ظاهرة أو حالة ذات بعد وطني فلسطيني.

بدلاً من ذهاب الاحتلال إلى محاولة تصويب أخطائه وتعديل سياساته تجاه فلسطينيي 48 فقد أمعن في تجاهلها، وهذه سياسة كل احتلال يغتر بقوته العسكرية ويعتقد أنها كفيلة بالقفز عن حقوق من يحتلهم، ويسيطر عليهم، وكانت النتيجة أن انفجر هؤلاء في وجهه متجاوزين كل الحواجز وكاسرين كل القيود، وسجلوا هبة شعبية جديدة في تاريخهم انتصاراً للأقصى وغزة.

لم يصدق الإسرائيليون ما حصل بين ظهرانيهم من انتفاضة عارمة، لم تكن هذه المرة في الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس، كما شاهدوها في انتفاضة الحجارة 1987 أو انتفاضة الأقصى 2000 أو انتفاضة السكاكين 2015، لكنها وقعت بين منازلهم وداخل شوارعهم، وهنا كانت المفاجأة الصاعقة والكابوس الذي تحقق، وقد تنبأت به العديد من المحافل البحثية والدراسية الإسرائيلية.

لعل ما زاد من خطورة انتفاضة فلسطينيي 48 على المؤسسة الإسرائيلية تزامنها مع حرب غزة، وهو ما شكَّل دافعاً أساسياً لوقف تلك الحرب، خشية أن تضطر إسرائيل إلى أن تقاتل على جبهتين، أولاهما في الجبهة الجنوبية مع غزة، وثانيهما في العمق الإسرائيلي ذاته، دفعت رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو إلى وصف الأخيرة بأنها أخطر من صواريخ غزة، ولعله لم يبالغ بذلك، بدليل أن الأوساط الأمنية وضعت التهديد الداخلي الذي يمثله فلسطينيو 48 للعام العبري الجديد على صدارة تحدياتها الأمنية العاجلة والملحة.

ربما تشكل هبة فلسطينيي 48 دافعاً عاجلاً لدولة الاحتلال، لأن تسارع في إعادة النظر بسياساتها العنصرية تجاههم، وربما لا، فقد تمعن في استهدافهم، وإن بوسائل أقل فجاجة، كما جرت العادة طوال العقود السابقة، ولعل الإجراءات التي اتخذتها بعد الهبة الأخيرة تؤكد أن الاحتلال لم يتعلم الدرس جيداً، بدليل أنه شن حملة اعتقالات واستدعاءات واسعة طالت الآلاف بزعم مشاركتهم وتحريضهم على تلك الهبة، وهم في معظمهم من التيار الوطني والحركة الإسلامية "المحظورة" التي يقودها الشيخ رائد صلاح.

حدث ميداني هام جداً سرعان ما طفا على سطح العلاقة بين دولة الاحتلال وفلسطينيي 48، تمثَّل بنجاح ستة من الأسرى الفلسطينيين من تخليص أنفسهم من سجن جلبوع الإسرائيلي الذي يقع شمالي فلسطين المحتلة، وما تردد من معلومات إسرائيلية لم يجرِ التأكد من مدى صدقيتها بشأن لجوئهم إلى بعض أشقائهم الفلسطينيين في مدينة الناصرة، وسواء حصلوا على مساعدتهم لإيوائهم، أو جرت الوشاية بهم للأمن الإسرائيلي، وفقاً لبعض المزاعم الإسرائيلية التي أُريدَ منها دق إسفين في العلاقة التاريخية بين الفلسطينيين في مختلف مناطق وجودهم.

تسبب هذا الحدث من جديد بوضع موضوع فلسطينيي 48 على أجندة صناع القرار الإسرائيلي، من خلال بيانات الإسناد والتأييد التي حصلوا عليها من المقاومة الفلسطينية، في مسعى واضح لتفنيد أي محاولات أمنية إسرائيلية لإحداث شرخ في علاقة الجانبين، والمظاهرات التي شهدتها المدن الفلسطينية في الداخل المحتل لدعم الأسرى في السجون الإسرائيلية في سلوك ميداني، وبتوقيت حساس، لتأكيد انتمائهم إلى القضية الوطنية الفلسطينية، وأنهم فلسطينيون حتى النخاع وليسوا بإسرائيليين، حتى لو حصلوا على بطاقة الهوية أو جواز السفر الإسرائيلي.

لم يعد من شك بأن البيئة السياسية التي تضم مختلف ألوان الطيف السياسي في الداخل الفلسطيني المحتل، باستثناء أقلية تزعم تمثيل شريحة معينة منهم، تؤكد فشل مخططات "الأسرلة والتهويد والصهينة والعبرنة" التي دأبت دولة الاحتلال على تنفيذها تجاههم منذ ما يزيد على سبعة عقود متواصلة، في محاولة منها لطمس أي ارتباط لهم بعمقهم الوطني الفلسطيني، في ظل القناعة السائدة لدى دولة الاحتلال بأن تقوية مثل هذا الارتباط وتعزيزه مع مرور الوقت يعني أن يتنامى عاماً بعد عام، وفي هذه الحالة سوف تستفيق دولة الاحتلال على خلية مسلحة معادية مكونة مما لا يقل عن 1.5 مليون نسمة هم تعداد فلسطينيي 48.

صحيح أن مثل هذا التصور يبدو مبالغاً فيه لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وقد يستخدم مادة موجهة للتحريض السياسي على فلسطينيي 48، من أجل تبرير مزيد من الإجراءات التعسفية بحقهم، لكن التجربة التاريخية للاحتلال مع الفلسطينيين قد تمنح هذا التصور بعض الوجاهة والمصداقية، لأن الفلسطيني أثبت في كل مراحل تاريخه أنه يستطيع النهوض المفاجئ حتى لو أصيب بكبوة قد تمتد أعواماً وربما عقوداً، وهذا ما حصل مع فلسطينيي 48، بدءاً بيوم الأرض في 1976، مروراً بهبّة أكتوبر/تشرين الأول 2000، وصولاً إلى انتفاضة مايو/أيار 2021، ولا أحد يعلم ما الذي قد تصل إليه الأمور مستقبلاً!

أياً كانت مآلات العلاقة المستقبلية بين فلسطينيي 48 ودولة الاحتلال، فإن القلق الذي يعشعش في عقول وقلوب صناع القرار الإسرائيلي بمختلف أسمائهم: السياسية والأمنية والعسكرية، لن يعرف سوى التنامي والتزايد مع مرور الوقت، صحيح أن الإجراءات الأمنية الأخيرة تجاه فلسطينيي 48 قد تسهم في تهدئة مشاعرهم الوطنية وتقيد تحركاتهم السياسية، لكن التغذية الراجعة من حراكاتهم الميدانية في السنوات الأخيرة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هبَّتهم القادمة آتية لا محالة، وتبقى المسألة مرتبطة بالتوقيت ليس أكثر!


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي