مواجهات بين شبان فلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي (AFP)
تابعنا

وإلى جانب ذلك، تحتدم المواجهات بين الجماهير الفلسطينية وقوات الاحتلال في عدة نقاط بالضفة والقدس، لتشكل رافعة قوية للمقاومة وترفع من حدة المواجهة مع المحتلين مبشّرة بهبّات جماهيرية قد تشكل تمهيداً لاندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة.

اشتداد المقاومة

وبالتأكيد، فإن هذه ليست الموجة الأولى ولن تكون الأخيرة، ولكنها تأتي في توقيت شديد الأهمية متمثلاً في أجواء جديدة أشاعتها معركة سيف القدس في مايو/أيار الماضي التي عززت قيمة المقاومة وأعْلَت قيمة التضحية لنيل الحرية.

كما تأتي في مواجهة اشتداد الهجمة الاستيطانية، خصوصاً في القدس، واستِعارِ الإجراءات القمعية وسياسة العقاب الجماعي لجيش الاحتلال، وتنفيذه عمليات القتل بدم بارد للنشطاء الفلسطينيين.

واقترن ذلك بعجز واضح للسلطة عن التصدي للكيان وفشل برنامجها السياسي، بل وحتى تدهور الأوضاع الاقتصادية في المناطق التي تديرها.

وبدّد التشدد الصهيوني آمال المعولين على الحكومة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، الذي لم يتمكن من لجم النهم الاستيطاني لحكومة الاحتلال، ولا هو نجح بإطلاق عملية التسوية المتوقفة منذ سنوات.

وفي هذه الأجواء، يسارع فتيان وفتيات لا تتجاوز أعمارهم الـ15 عاماً في عمليات جريئة وبطولية تشير إلى تعمق وتجذر دافعية مقاومة الاحتلال في صفوف أبناء الشعب الفلسطيني.

كما يُلحظ مشاركة أبناء التنظيمات وعلى الأخص حماس في عمليات مسلحة ضد جنود ومستوطني الاحتلال، وباستخدام أسلحة اشتروها بمالهم الخاص، وهي التي أوقعت قتلى في صفوف الاحتلال.

فهكذا فعل الشيخ فادي شخيدم القيادي في حماس الذي استخدم رشاشاً أوتوماتيكياً اشتراه من ماله الخاص لينفذ عمليته الفدائية في باب السلسلة بالبلدة القديمة في القدس، والتي أسفرت عن مقتل مستوطن وجرح ثلاثة قبل أن يستشهد بنيران جنود الاحتلال. وفادي بذلك اقتدى برجل الأعمال ابن حماس منتصر شلبي الذي أطلق النار مطلع مايو/أيار الماضي عند حاجز زعترة جنوب مدينة نابلس، ليقتل مستوطناً إسرائيلياً ويصيب اثنين بجراح.

وقد تمهد هذه العمليات لانتفاضة جديدة كتلك التي حصلت عام 2015، والتي أجهضها الاحتلال عبر سلسلة من الإجراءات والعقوبات الجماعية.

ويعزز إمكانية تصاعد المقاومة وحصول انتفاضة جديدة، ضعف قبضة السلطة في الضفة وانعدامها في القدس التي ستشكل عامل التفجير هذه المرة على الأرجح.

ومن ناحية أخرى يتخوف الاحتلال من إمكانية انتقال التصعيد إلى المدن المختلطة في الداخل المحتل، كما حدث في معركة سيف القدس.

سلطة هشة

ووسط هذا المشهد المقاوم، تقف السلطة الفلسطينية في موقف ضعيف مكبلة باتفاقيات أمنية مع المحتل ترتب عليها دور يتناقض مع تطلعات شعبها، وذلك في وقت تعاني فيه من فشل برنامجها السياسي في تحقيق أي إنجازات على صعيد الأرض والإنسان الفلسطيني، فيلجأ رئيسها إلى التهديد بإجراءات إن لم تنهِ إسرائيل احتلالها خلال عام، مع أن الجميع يعلم أن هذه التهديدات مجرد فقاعات فارغة!

ومقابل ذلك تتصاعد شعبية منافستها حماس، وتعود راياتها الخضراء للانتشار من جديد في الضفة والقدس، بعد أن عملت الأجهزة الأمنية جاهدة على طمسها ومنعها، فيما بدأت الجماهير تتحدى السلطة فترجم دورياتها بالحجارة وتتظاهر ضدها كما حصل في جنين.

ويشكّل هذا الأمر تحدياً كبيراً لسطوة السلطة ونفوذها ويضعف مكانتها عند الاحتلال، ويهددها بانتفاضة قد تندلع ليست ضد الاحتلال وحده وإنما ضد كل من تعاون معه.

وحتى حينما حاولت السلطة إشغال الشارع الفلسطيني بإجراء المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية مؤخراً، كانت المفاجأة حصول حركة فتح على نتائج متواضعة مقارنة بالمستقلين وقوائمهم التي دعمتها حماس بعد أن أعلنت مقاطعتها للانتخابات.

وهذه الانتخابات المحدودة جاءت بعد أن ألغت السلطة الانتخابات التشريعية والرئاسية ، وذلك لذر الرماد في العيون، وفي محاولة منها لإظهار وجود عملية ديمقراطية، في مسعى لاستدرار المساعدات الغربية التي من الممكن أن تسهم في تقليص احتمال انهيار السلطة نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمرّ بها، والتي اضطرّتها إلى خصْم نسبة 25% من رواتب موظّفيها مؤخراً.

نجدة إسرائيلية

ولكل ما سبق، سارع الاحتلال إلى وضع خطة إنقاذ اقتصادية للسلطة منذ عدة شهور وبعد معركة سيف القدس.

كما أنه وخلال اجتماع عقده المجلس الوزاري المصغّر للشؤون الأمنية لتقييم الأوضاع الفلسطينية في الضفة وغزة، دعا رئيس جهاز الشاباك لدى الاحتلال، رونين بار، لتعزيز قوّة السلطة الفلسطينية محذراً من انهيارها بسبب الصعوبات الاقتصادية ومتاعب في فرض هيبتها في مناطق مختلفة من الضفة، مؤكداً على ضرورة إضعاف حماس.

ولا شك أنّ هذا التوجه هو السائد لدى جيش الاحتلال أيضاً، إذ سيتوجه وزير الحرب بيني غانتس إلى رام الله للاجتماع بعباس، بهدف بحث سبل دعم سلطته ومنع حركة حماس من تعزيز حضورها في الضفة الغربية بسبب تراجع وضع السلطة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وذلك رغم حصول رئيس السلطة الفلسطينية على دعم مالي بقيمة 100 مليون دولار من الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون.

والأخطر من هذا أن يترافق المسعى الإسرائيلي مع خطة قيل أن مسؤولين أمنيين كباراً في السلطة أعدّوها، ويمكن تسميتها (خطة دايتون-2) ستتمّ مناقشتها خلال لقاء غانتس-عباس، تشمل شقّاً أمنياً لمنع انطلاق عمليات فدائية ضدّ الاحتلال في الضفة ومواجهة حركتي حماس والجهاد.

وتشمل الخطة المزعومة زيادة عدد المنتسبين إلى الأجهزة الأمنية، وتقديم تدريبات مشتركة لهم لمواجهة الخلايا العسكرية للمقاومة، وتوفير دعم مالي أمريكي جديد لتلك الأجهزة، حتى تتولّى مستقبلاً مسؤولية ضبط الأمن وعمليات الاعتقال، بما يتيح تقليل عمليات اقتحام جيش الاحتلال للمدن، وبالتالي تقليص هامش الاحتكاك والمواجهات، فضلاً عن إفشال ما يسمى خطط حماس والجهاد لإشعال انتفاضة جديدة في الضفة، وإعادة تشكيل بنيتهما التنظيمية والعسكرية هناك.

مقاومة مستمرة رغم العقبات

ورغم أن المقاومة الفلسطينية تواجه تحدياً مزدوجاً مع الاحتلال والسلطة، فإنها تتمتع بعزيمة شعب مصمم على المقاومة والتصدي للاحتلال ويتزود بمخزون نضالي هائل وقدرة على التحمل والصمود.

وهذا ليس كلاماً إنشائياً ولكنه نابع من تقدير الموقف في الأراضي المحتلة في ضوء عمليات المقاومة المستمرة، وتوقع عدم نجاح محاولات إنعاش السلطة، مع انعدام أي بارقة أمل بإنجاز تسوية سياسية أو تخفيف وطأة الاحتلال التي تطال كل فلسطيني في كل شبر من الأراضي المحتلة.

وتشكل رمزية القدس عاملاً إضافياً ومشجعاً على المقاومة، فضلاً عن الدور الذي تقوم به مقاومة غزة وصمودها في شحذ الهمم وتقديم النماذج المستمرة في تحدي الاحتلال بالتضحية بالنفس وبالاستعداد المستمر لمواجهته بالتزود بالسلاح وشحذ الإرادة الشعبية لذلك.

ورغم المحاولات الإسرائيلية لتحقيق هدنة دائمة وشاملة مع غزة وتشمل الضفة، فإنها تظل بعيدة المنال في ظل ما نعرفه من موقف المقاومة.

كما أن عدم إنجاز أي هدنة محددة وفك الحصار عن قطاع غزة سيعزز الرغبة في استمرار المقاومة، أما في حالة التوصل إليها وإنجاز صفقة تبادل للأسرى، فإن ذلك سيعزز قوة المقاومة في غزة بما ينعكس إيجابياً على الضفة. ولذلك، ففي كلتا الحالتين فإن الاحتلال سيواجه مرحلة صعبة في قادم الأيام.

وبصرف النظر عن الطريق الذي تسلكه السلطة، فمن المتوقع استمرار وتصاعد عمليات المقاومة، مع الأمل باستعادة المقاومة مكانتها واستئناف العمليات المنظمة ضد الاحتلال وتجاوز العراقيل التي تضعها السلطة.

إن نجاح المقاومة في استعادة دورها بالضفة سيكون له تأثير مهم بلا شك على مسار المقاومة، وقد يعزز الوصول إلى انتفاضة ثالثة تعتمل الظروف والمعطيات لانطلاقها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً