جيف فليك في مبنى الكابيتول بواشنطن في نوفمبر 2018. (AP)

وعلى عكس سلفه السفير الأمريكي السابق في ترميا ساترفيلد الذي شغل مناصب عديدة في الشرق الأوسط منذ عام 1980، امتدت من عمله في منصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، ومراقباً لمسار آستانة لحل الأزمة السورية، ومديراً للقوة متعددة الجنسيات في سيناء، وقائماً بأعمال السفارة الأمريكية بمصر بين 2013 و2014، إلى مستشاراً للشؤون العراقية لدى وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، فإن فليك يفتقر لمثل هذه التجربة والخبرة في الشرق الأوسط حيث عمل فليك 58 عاماً عضواً عن الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ عن ولاية أريزونا، وقبلها عضواً في مجلس النواب منذ عام 2001 وحتى عام 2013. وقبل ذلك عمل فليك في سنوات شبابه مديراً لمؤسسة الديمقراطية لناميبيا في أثناء استقلال ناميبيا عن جنوب إفريقيا، وبعد عودته من هناك عمل في شركة لوبي قريبة من حركة حزب الشاي.

ولكن ما يتوقع أن يجمع بين ساترفيلد وفليك هو التوازن، حيث بدا ساترفيلد متوازناً جداً بالرغم من الخلافات الكبيرة بين البلدين حول ملفات استراتيجية مقارنة بسلفه جون باس الذي أطلقت عليه الصحافة التركية سفير التدخلات الأمريكية في شؤون تركيا الداخلية، مثل تدخلاته في القضاء التركي وعدم تعليقه على محاولة الانقلاب في 2016 إلا بعد 3 أيام على حدوثها.

ويتوقع أن يكون فليك أكثر قرباً إلى تركيا من ساترفيلد. وفليك بالنظر إلى تاريخ مواقفه تجاه بعض القضايا المتعلقة بتركيا خاصة من خلال عمله في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ.

وفي البداية لا بد أن نشير إلى أن بايدن الديمقراطي قد اختار أن يعين فليك الجمهوري سفيراً في أنقرة. وقد يعد البعض ذلك مكافأة لفليك الذي كان من أبرز المنتقدين لترمب من داخل الحزب الجمهوري، وربما يكون بالإضافة إلى ذلك انسجاماً مع المزاج التركي بالنظر إلى أن العلاقة مع السفراء الديمقراطيين لم تكن جيدة.

على كل الأحوال كما ينظر الديمقراطيون والجمهوريون بإيجابية إلى تعيين فليك، سجل فليك عدة مواقف تجعل صانع القرار في أنقرة ينظر بإيجابية أيضاً إلى تعيينه، ومن بين هذه المواقف عدم تأييده للاعتراف بأحداث 1915 بأنها أحداث إبادة للأرمن، ممَّا جلب عليه سخطاً من المجتمع الأرمني في الولايات المتحدة، كما أن فليك لم يصوت ضد بيع طائرات F-35 الأمريكية لتركيا، وبالإضافة إلى ذلك رفض فليك الحظر الذي أعلنه ترمب على السفر من بعض الدول الإسلامية، ووصف ترمب بأنه ديكتاتور مثل ستالين.

وبنظرة أوسع فقد جاء تعيين بايدن لفليك ضمن عدة تعيينات لسفراء في بلدان أخرى، وقد غلب على اختيارات بايدن الجمع بين المهنيين من وزارة الخارجية مع السياسيين المخضرمين وهو الأمر الذي تجاهله ترمب.

إن إتيان بايدن بسفير ليس له تجربة في الشرق الأوسط ولديه خبرة وتجربة كبيرة في المؤسسة الأمريكية يشير إلى سياسة بايدن العامة تجاه الشرق الأوسط وأنه ليس أولوية كبيرة، أما من جهة تركيا فيحمل تعيين فليك حتى الآن رسالة تهدئة وتحسين لأجواء العلاقات.

لم تُعرف حتى الآن وجهة نظر فليك تجاه تنظيم كولن الإرهابي أو حزب PKK أو PYD الإرهابيين. ولكن بالنظر إلى مواقفه تجاه قضية مذابح الأرمن يُعتقد أن الموقف من هذه الكيانات الإرهابية سيكون جيداً نسبياً لتركيا، أما في ما يتعلق بموقفه من الأحداث في سوريا عموماً فقد دعم فليك قرار ترمب توجيه ضربة لنظام الأسد بعد استخدام الأسلحة الكيماوية، كما رفض قرار ترمب عدم استقبال اللاجئين السوريين، وهي مواقف تنظر لها تركيا بإيجابية أيضاً.

وفي سياق تعليق فليك نفسه على قرار تعيينه، فقد أرسل رسائل إيجابية حول العلاقات التركية الأمريكية حيث قال: "في ضوء الأهمية الاستراتيجية لعلاقة الولايات المتحدة مع جمهورية تركيا، حليفتنا منذ وقت طويل في حلف شمال الأطلسي، أتشرف وأعتز بالثقة التي أولاني إياها الرئيس بايدن بهذا التعيين في منصب السفير". وإن "السفارة مهمة بالغة الأهمية في وقت مهم لكلا البلدين"، وقال إنه يتطلع هو وزوجته إلى التعرف على شعب تركيا الاستثنائي. وأضاف في بيان: "بعد خدمتي في مجلسي النواب والشيوخ، أدرك وأقدر دور الكونغرس في السياسة الخارجية، وأتطلع إلى الشراكة".

بالنظر إلى كل هذه الإيجابية من السفير القادم وأهمية وجود سفير يتجنب إثارة التوتر فإن قدرة البلدين على ترتيب العلاقات بين البلدين هي العامل الأكثر حسماً، ولعله يتوقع في ظل توجه بايدن لمأسسة العلاقات وتجنب حالة الشخصنة التي أحدثها ترمب أن يلعب فليك بخبرته دوراً أكبر من ساترفيلد، خاصة في ظل رغبة أمريكية بالاستفادة من دور تركيا في أفغانستان وملفات أخرى مثل تطوير التجارة البينية لمساعدة واشنطن في تحقيق استراتيجيتها في المنطقة.

وفي هذا السياق فقد أبدت تركيا تعاوناً في ملف تطوير التجارة وقدمت تسهيلات للمستثمرين الأمريكيين، كما أن هناك حواراً متواصلاً بين البلدين حول الدور الذي ستلعبه تركيا في أفغانستان مستقبلاً.

وعموماً تبدو تركيا بقيادة الرئيس أردوغان مهتمة بإضفاء نوع من الهدوء على علاقاتها مع الولايات المتحدة كقوة عظمى، وهو ما ظهر في لقاء أردوغان بايدن الأخير على هامش قمة الناتو، فضلاً عن رغبة تركيا في تهدئة مع الأطراف الإقليمية لتهيئة الأجواء لحالة استقرار إقليمي، خاصة بعد عدة مكاسب حققتها تركيا في الفترة الماضية.

ولذلك في ضوء التوجهات لدى قيادتي البلدين فإنه من المتوقع أن يكون لتعيين فليك آثار إيجابية في مستقبل العلاقات التركية الأمريكية. و يمكن أن نقرأ في سياق ذلك أيضاً مباحثات متحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن مع مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، مطلع الشهر الجاري، حول المستجدات الإقليمية خاصة في أفغانستان وسوريا وشرق المتوسط وقبرص والتي جاءت مؤكدة لهذه التوجهات.

كما تم تناول مسار العلاقات الثنائية حيث تم الاتفاق على مواصلة التعاون الاستراتيجي والبناء بين البلدين، عقب المحادثات الإيجابية بين الرئيس رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي جو بايدن، التي أجريت على هامش قمة الناتو في بروكسل في يونيو/حزيران الماضي.

مع كل هذا الجو الإيجابي يبدو أن قيادتي البلدين أجّلتا بحث الملفات الخلافية، وغلبتا خيار بناء الثقة، وفي هذا السياق جاء تعيين فليك، ولذلك يبقى أن ننتظر لنرى كيف ستتبلور مواقف البلدين عند الوصول لنقاش بعض الملفات الخلافية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً