ليس هناك مثل الأوبئة والحروب والثورات دروساً في التعايش الجماعي لمن أدرك مزية الدولة في تنظيم حياة الناس دون جبر. إننا نوجه دعوة للتطوع في لحظة مواطنة لمعاضدة مجهود الدولة في حماية الصحة العامة.

لا نملك أن نكون فلاسفة بالمعنى الحرفي للكلمة ولكن وقائع كثيرة من حولنا تدعونا إلى التأمل الرصين. فمرور وباء كوني شامل من مسافة قريبة كشف الإنسان الحديث، ووضعه أمام حقائق مذهلة تتمحور حول علاقته بنفسه، وعلاقته بالإنسان من حوله، وعن علاقته بالدولة سواء كان خضوعاً أم تمرداً.

وهنا ننفتح على أسئلة من قبيل: هل لحظة الوباء هي لحظة عقل جماعي أم غريزة فردية؟ وفي الغريزة كيف تبقى الدولة فاعلة لتحمي الفرد في أنانيته؟ وهو يحاول النجاة بنفسه من وباء شامل يرى أثره في غيره، فيود أن يعتصم بجبل متناسياً أن النجاة أمام وباء شامل لا تكون إلا جماعية؟

أيتها الدولة أنقذيني

إن فزع الفرد إلى الدولة عند ظهور الوباء كشف لنا عمق حاجته إلى راع عطوف. لم تعد حياته تستقيم بدون الدولة. قبل الوباء تنطع هذا الفرد ضد الدولة والنظام والقانون باسم الحرية الفردية حيث لا يجب على الدولة أن تحشر أنفها في حياته الخاصة.

لكنه لحظة الوباء بدا هذا الفرد هشاً وتابعاً ومتعلقاً بأهداب السلطة لتنقذه من عجزه. نجد في القرآن الكريم، على سبيل المثال، آية تتحدث أنه "إذا مسَّ الإنسان ضر دعا ربه" في حين أنه وفي زمن فيروس كورونا فإنه إذا مسَّ الإنسان ضر دعا الدولة. لسنا في وارد نقاش عقائدي ولكن واقعة الإنسان الهش المعتصم بالدولة تتجلى في لحظة وباء كورونا. إنه كائن لا يعيش دون دولة تتدبر له حياته. ومن هنا يجب إعادة تقييم علاقة الفرد بالدولة.

الدولة أمام طفولة الإنسان

من الواضح أن حَزْم الدولة الذي عاينّاه في الحالة الصينية حيث مشاهد الضرب والردع والجبر على التوقي بالقوة من العدوى ومن نشر الوباء لا نشاهدها في الحالة التونسية أو غيرها من الدول العربية مثل مصر حيث أمكن لمصابين أن يفلتوا من شبكتها المثقوبة لينشروا الوباء، وحيث أن المسؤولية الفردية في الحجر الطوعي شبه غائبة.

ورغم أنهما مثالان متباعدان في الجغرافيا إلا أنهما أعادا السؤال الجوهري إلى السطح. هل وصل الفرد إلى حالة المواطن الملتزم بالعيش الجماعي الذي ترعاه الدولة؟

الحالة التونسية التي نعاينها من قريب تكشف فرداً بروح طفل مشغول بلذته الخاصة، أقرب ما يكون إلى المرحلة الفمية التي نجدها في التحليل النفسي الأولي. حالة من انكشاف الغرائز البدائية الوحشية (basic instinct).

تحدثه الدولة عن ضرورة التوقي لحماية الجماعة فيسارع إلى احتكار المواد الغذائية مفرغاً المحلات من السلع؛ تضع له مواد تعقيم وتنظيف في الشوارع فيسرقها إلى بيته متجاهلاً حق الآخرين في الحماية؛ تحذره من الاستسلام للإشاعة فيصنع الإشاعات.

هل على الدولة أن تجنح إلى الردع حماية للكل دون الفرد؟ إن هذا الفرد الأناني يدفعها إلى ذلك دفعاً. فإذا التجأت إلى العنف صرخ باسم حريته، فيكشف بذلك أن فهمه للحرية قاصر دون مصلحته الفردية مقدمة على الوطن وعلى الدولة الدولة. 

ولكن هل نستأنف الحديث بالتأمل من نقطة بعيدة لنقول إن الدولة لم تربّ الفرد قبل الوباء على أن يكون مواطناً في دولة؟

الإجابة بنعم ربما تبرئ الفرد من فردانيته فقط. يمكننا أن نلعن في هذا الظرف العصيب دكتاتورية الأنظمة القمعية التي استعبدت مواطنيها دهراً طويلاً. بينما لو فتحت هذه الأنظمة باب الحريات والتعددية والمشاركة السياسية الحرة لكان لدينا فرداً يؤمن بالجماعة والعمل الجمعي كما نعاينه في إيطاليا على سبيل المثال.

الوباء فرصة للرقي بالمواطنة

نتحدث عن مثال أخلاقي لا نراه في الواقع ولكننا لن نملَّ من توقعه فنرتقي إليه فننجو معاً. عشنا في تونس لحظة ثورة ارتقى فيها الفرد إلى حالة المواطن. للأسف لم يدم ذلك إلا قليلاً لكنه كشف أن الأمر ليس مستحيلاً.

ليس هناك مثل الأوبئة والحروب والثورات دروساً في التعايش الجماعي لمن أدرك مزية الدولة في تنظيم حياة الناس دون جبر. إننا نوجه دعوة للتطوع في لحظة مواطنة لمعاضدة مجهود الدولة في حماية الصحة العامة.

حتى الآن يكشف الوباء فردانية مخيفة ولكن الأمل لم ينقطع. فوراء السخرية السوداء المتفشية في السوشيال ميديا توجد روح شجاعة قادرة على المواجهة تنتظر أن تستبق الدولة وتعلن مبادرات لتنسجم معها. هناك أمل في تجاوز فترة الهوس والخوف الغريزي. من مصلحة الدولة أن تنتبه لذلك وأن تدفع المواطنين إلى العمل معها فتحوّل الخوف إلى تضامن جماعي.

هل للدولة خيال تربوي يتجاوز معالجة الآثار إلى استباق الأخطار؟ هذه أيام لبناء الخيال المواطني. وهو عمل جماعي مشترك يضع الجميع فيه يده. فيكفّ السياسيون الصغار عن الاستثمار في الأزمة لربح رصيد شعبي قد يأتي عليه الوباء سريعاً.

لا مجال هنا للمزايدات السياسية في زمن ما قبل الوباء. لقد كشفت تلك المزايدات وجهاً قبيحاً للسياسيين الصغار (الغرائزيين) وقد آن الأوان للرقي بالعمل السياسي في الحالة التونسية وغيرها من الدول العربية. يجب استثمار الفرصة لخلق مخيال مواطني متجرد من المصلحة الفردية يمكن أن يحول التصدي للوباء إلى حالة ثورية لبناء المواطن الجديد ضمن الديمقراطية. فلا تكون الدولة عدواً ولا آلة قمع ولا تكون ضرعاً حلوباً يغذي البعض دون الآخرين.

الوباء وطرق التصدي له في تونس حيث أمارس الأماني الكبيرة (خارج التحليل) يمكن أن تستثمر في الثورة التونسية فتحولها إلى حالة وعي مواطني تؤسس عليه عملية التنمية بعد مرور الوباء.

ليس هذا من الفلسفة ولا من علم الاجتماع التجريدي في شيء إنما هي الأماني. وقد هجم الطاعون فلم نخشه ولم نهرب أمامه. فالوطن باق بعد الطاعون إننا نرى فيروس كورونا وباء عابراً، ونرى أنه ليس أخطر من طاعون الفرد يحلب ضرع الدولة ليعيش وحده متوهماً بقاءه في وحدته دون وطن معافى.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRTعربي.  

المصدر: TRT عربي