إنّ الكوارث وإذا كان بإمكانها إنتاج سبل للخلاص، هي كذلك تنتج العداء، وكما يسطع الكامن من عقلانية البشر، يمكنها أن تحيي الخرافات ونزعة التدمير.

تباغتنا الأوقات العصيبة لتصدمنا بعجزنا عن الإمساك بسبب منطقي يفسرها، وتحول بيننا وبين "العمل كالمعتاد"، إذ نُفاجأ بأنماط تفكير وسلوكيات تظهر على السطح معلنة عن نفسها وقد كنّا نعتقد أننا تجاوزناها. بالأمس رأى الفيلسوف فتجنشتاين أن لغتنا مسكونة بالميثولوجيا مهما حاولنا أن نصير تقدميين وحداثيين.

اليوم، وعلى أثر تفشي فيروس كورونا كوفيد-19 وإعلانه وباءً عالميّاً، تُثار أسئلة شائكة من ضمنها مفهوم الحضارة نفسه، ومجدداً نسأل: هل عقلنا مسكون بالميثولوجيا؟ هل لا نزال على مسافة قريبة من طبيعتنا البدائية، وعالمنا لم يُنزع عنه السحر بعد؟

لا شك أن عالمنا الذي نعيشه ونختبره اليوم أصبح أكثر قابلية للتفسير. وتثبت أنظمتنا السياسية والاقتصادية أنها أكثر كفاءة وقدرة على مجابهة خطر الموت، وكل ما يمكنه تعطيل الحياة عن المسير والتواصل مقارنة بماضينا السحيق. أصبحنا نمتلك آليات عقلانية وخطابات لا تقتصر على المواجهة فحسب، بل أيضاً استثمار الأزمة والكارثة بما يخدم مصالحها.

وهنا نجد أن الدولة تفعل سلطاتها الوظيفية كاملة، بوصفها كياناً سياسياً يملك شرعية النفاذ والعنف، لدواعي التأمين والحماية وحق الحياة لمواطنيها، فتُمول الأبحاث العلمية، وتُغلق الحدود، وتُعلن حالة الطوارئ، وتؤمم الفضاء العام ومؤسساته، وغيرها من الإجراءات مما تراه ملائماً بحكم الضرورة.

ولكن أمام بعض الجوائح الكبرى، قد تجد الدولة نفسها عاجزة عن توفير شروط الحماية والوقاية لمواطنيها. وهنا تحيلنا لغة العجز هذا إلى شرط وجودنا الأولي، أي جسدنا بكل بساطة، وصراعه من أجل البقاء، وتجعلنا لا نشعر بالهزيمة، ولا نفقد الثقة بكفاءة وصدق أنظمتنا السياسية فحسب، إنما تضع منجزنا الحداثي على المحك، وتحوله إلى مادةٍ موضع شكٍّ يكاد يحولنا إلى حالتنا الطبيعية.

فلا نسأل عن حرياتنا المكتسبة، بل عن أجسادنا التي تواجه عالماً لا مرئياً من جسيمات فيروسية دقيقة، يضطرها إلى استعادة خبرة الأسلاف والاستنجاد بالتقاليد المندثرة في طي الزمن ورواسب اللا وعي، ما دمنا رغم تقدمنا عاجزين، فما بالنا ببلدان وشعوب تعيش في شروط متدنية توصف باصطلاح جدلي "المتخلفة"؟

زمن الخطيئة.. ونهاية العالم

بكثير من الدهشة وربما الاستنكار تابعنا تصرفات البعض ممن أحيا أشكالاً متعددة من الطقوس والرؤى الدينية التي يغلب عليها الطابع الأسطوري، الذي يفسر العالم ويصوره بوصفه ساحة صراع بين البشر وكائنات لا مرئية أو قوى عليا غاضبة تتحكم بمصايرهم.

نرى بعضهم لجأ إلى إقامة طقوس العبادة الجماعية، التي تذكرنا بمواكب التكفير حين مارستها أوروبا العصور الوسطى، مخالفين أبسط مبادئ الصحة العامة وتحذيرات المسافة الاجتماعية. وآخرون استعانوا بشفاعة الأولياء لتهدئة غضب الله بوصفهم وسطاء بين العوام والسماء أو قوى الجن وعالم سحري مستعصٍ على الإدراك، وغيرهم رأوا الفيروسَ رسالةً إلهية للخلاص من الذنب، أو على الضد لعنة ضد الآخر بوصفه كافراً أو فاسقاً!

ذاكرة المرض والخطيئة تلك قد تفسر جزءاً من علة هروب بعض المرضى ورفضهم المثول للعلاج الذي يستدعي الإعلان عن الهوية، وفي أحيان أخرى إخفاء الأهل والأقرباء حقيقة إصابة ذويهم بالوباء، لأنهم على الرغم من إدراكهم لطبيعة المرض ومحدداته العلمية، فإنّ ذاكرتهم لا تزال تحتفظ ببعده الاجتماعي الديني المندثر، ومن ثمّ استعادة الشعور بالوصم والعار والعزل باعتباره وسيلة عقاب عتيقة.

تصبح ضدية المقدس والمدنس وفق هذا المنطق -إذا كان ثمة اعتراف بمنطق هنا- هي التي تتحكم بمصايرنا، فالموت بوصفه غاية كل وجود وعالم غيبي يستحيل إدراكه، إذاً لا بدّ من نهاية يأذن بها الله كلي القدرة ليأتي الزمن المقدس الذي بلا خطيئة. وفي عالمنا يمكن أن تتخذ الخطيئة أشكالاً أخرى من النسخة الدينية القديمة، إذ بإلحاح ينبئ العديد حتى ممن هم ينكرون الدين بوجهه الغيبي أننا على وشك النهاية بخطيئتنا في حق الأرض، واستنزاف مواردها.

فلا عجب أن تصبح إنسانيتنا وصمة عار وغرور على عكس ما نتخيل من أنها إنجاز. ويصير كل تغير بيئي عقاباً أو "مولوك" الإله الكنعاني القديم ذا النزعة الشريرة الذي لن يرضيه سوى أرواحنا قرباناً.

وللخطيئة مخلّصون وضحايا، مخلّصون يصِلون في الوقت المناسب لتأجيل الزمن المقدس أو العفو، حينئذ، يكون البحث حثيثاً عن زعيم أو نظرية أو نظام، وحتى يحدث ذلك وجرياً على منطق العدو هو الآخر، فلا بدّ من معاقبة وملاحقة المذنبين، هؤلاء ضحايا الأزمات والكوارث، قد يكونون الفاسقين والملحدين، فليس مستغرباً مثلاً أن نجد البعض يُفسر تفشي الفيروس بتدنيس الأراضي المقدسة بفتح الملاهي الليلية وتحدي النظام الديني الأخلاقي في إشارة إلى ما استحدثته المملكة العربية السعودية من هيئات ترفيهية ومؤسسات العام الماضي، يُنظَر إليها بعين الخطيئة التي تستدعي عقاب الله وإنزال غضبه.

ضحايا كُثر آخرون وجرياً على السيئة التي تعم، يُحاسبون بالإنابة عمّا ألحقته أنظمتهم السياسية المنتمون إليها من انتهاكات وإبادة ببعض الطوائف أو الجماعات، مثل الأويغور أو الفلسطينيين أو أي شرط مماثل لذلك الأذى، كلٌ حسب نوع رابطته اجتماعية كانت أم دينية أم اقتصادية.

قديماً، نظر أسلافنا البدائيون بمفهومنا الحاضر على تعدد جذورهم، شرقاً كان أم غرباً، ضد الآخر كونه مختلفاً ديناً وعرقًا ونوعًا، باعتباره بربرياً، حد تساؤلهم عن طبيعته، هل يمكن عدّه بشرياً؟ واليوم، وبصرف النظر عن وجاهة الحجة التي يمكن طرحها، يتوجه البعض إلى الصيني مثلاً، ليعيد إنتاج نفس السؤال بوصفه ممثلاً عن فيروس لا مرئي استحضر وجوده من طعامٍ محرم أو مَنْهيّ عنه علمياً.

من دواعي السخرية، أن تلك النزعة العنصرية التي تتغذى على الأزمة والكارثة، وتحول المرض إلى موقف عدائي ضد الآخر بوصفه مصدر الخطر الذي يجب تصويب سهام الانتقام نحوه وتحميله وزر الخطيئة، يتبناها بعض الخطاب السياسي محاولاً فرضه رؤية شعبوية، ومستثمراً حالة التحفز الانفعالية التي ينتجها الشعور بالخوف والقلق العام، إذ يربط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بين الصين وانتشار الوباء، مُعيدًا إنتاج الحالة الطبيعية من حرب الكل ضد الكل أو مملكة العداوة بين البشر حسب فلسفة توماس هوبز.

نشوة الخطر

وإذا كانت مملكة العداوة تلك، تفسر سلوك البشر في حالة الطبيعة البدائية بوصفهم جزءاً من العالم الحيواني، تعتمد على قاعدة "رهاب الملامسة"، حيث يغدو كل جسد ملامس للآخر عدواً محتملاً، ففي ظل ما نعيشه من خطر الوباء الفيروسي، تتدفق التحذيرات والتعليمات تنهانا عن لمس الآخر، بأنّ نجاتنا مقيدة بعدد الأمتار التي يمكننا أن نبتعدها عنه؟

حسبان المسافة والعزلة يعيد إلينا السؤال عن حدود ما الاجتماعي والفردي، وأي طبيعة يمكن الحديث عنها؟ هل نحن فردانيون نخشى الآخر باعتباره عدواً محتملاً، أم اجتماعيون بالفطرة كما أخبرتنا مدارس علم الاجتماع؟

من واقع الملاحظة يمكن القول بأنّ الكارثة والخطر يعيدان شعور الاحتياج إلى التضامن والإحساس بروابط الجماعة وفاعلية التواصل، فضلاً عن شعور المرء على نحو غامض بسعادة خفية لا تُعلن عادة، إذ خلافاً لما يعانيه من خوف وارتياب، يختبر تجربة العيش في لحظة شبه اتحادية وربما مساواتية متجاوزة، أي رغم عزله الجسدي مكانياً، فإنه متحد شعورياً عبر مواجهة خطر واحد يشمل الجميع. فلا عجب أن البعض يضفي الطابع الأسطوري المبالغ فيه على الإحصاءات والمعلومات المتداولة بشأن الوباء لأجل أن يشبع إحساسه الخفي بنشوة الخطر كأنه عيد احتفالي، هذا قبل أن يصيبه الضجر من وطأة استمرار الأزمة.

ما يثبته الواقع، أنّ الكوارث وإذا كان بإمكانها إنتاج سبل للخلاص، هي كذلك تنتج العداء، وكما يسطع الكامن من عقلانية البشر، يمكنها أن تحيي الخرافات ونزعة التدمير.

ربما نعيش في حالة من استمرارية الطبيعة البدائية حقاً داخل مستوى الشعور واللا وعي حين تستبد بنا انفعالاتنا، سيما حين نعجز عن إيجاد حل يشملنا جميعاً، لكن ما لا يخطئه فكر سليم، أننا كما لدينا نزعة فردانية للبقاء، فلدينا أيضاً نزعة بقاء الجماعة، لذا نجتهد في البحث عن سبل التواصل حد المخاطرة بمخالفة التحذيرات المعلنة الضامنة لأماننا، بيد أنّ الخطر يكمن في عودة التضامن عصبوياً، أي أن تنغلق كل جماعة على ذاتها، وبدلاً من إدانة الأنانية باعتبارها فعلاً حيوانياً بدائياً نرحّب بها، فيصير لدينا من جديد حرب الكل ضدّ الكل.


جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.  

المصدر: TRT عربي