لم يكُن بعض رموز الحراك الجزائري مخطئين حين أعلنوا أن "استقالة" الرئيس بوتفليقة هي نصف انتصار. الانتصار الحق هو في بناء تصوُّر جديد في علاقة الحاكم والمحكوم، أي في إرساء دعائم ديمقراطية حقيقية.

ما بين تصريحات الوزير الأول الجزائري السابق أحمد أويحيى، من منبر البرلمان حيث كان يهزأ من حراك الشارع الجزائري، وتهديد قائد الأركان أحمد القائد صالح، في تامنغاست (بالغين) لمن سماهم بالمُغرَّر بهم، ثم تاريخ 2 أبريل حين أعلن الرئيس الجزائري رسميّاً للمجلس الدستوري استقالته. بين هاتين اللحظتين تبلور شيء أساسي بشكل جليّ هو الإرادة الشعبية التي عبَّرَت عن ذاتها في استماتة ووعي وتبصُّر.

وهي تعبير عن القاعدة الأساسية في الديمقراطية، وهو السيادة الشعبية. ظهر ذلك جليّاً في بعض اللافتات التي حُملت: "فخامة الشعب" (بالعربية)، أو "هنا الشعب" (بالفرنسية)، أو "الجزائر جمهورية وليست مَلَكية"، وكذا الالتحام بين مكونات الجزائر، تجاوزاً لكل الانتماءات الجهوية أو العرقية، أو في العلمين الوطني والأمازيغي اللذين يرفرفان جنباً إلى جنب.

ما حدث في الجزائر هو عقد اجتماعي يستعيد فيه الشعب حريته ويصبح فاعلاً. هو تحوُّل جوهري لأننا أمام تصوُّر جديد للسلطة ولعلاقة الحاكم والمحكوم.

حسن أوريد

هو تحوُّل في تاريخ الجزائر، وهو كذلك تحوُّل في تاريخ المنطقة، فقد تجاوز حراك الجزائر شعارات "ارحل" وDégage و"الشعب يريد إسقاط النظام"، وهي الشعارات التي رُفعت في أثناء الربيع العربي، إلى شيء جديد ينصرف إلى المستقبل، وهو السيادة الشعبية والتركيز على الشعب كفاعل لا كموضوع، لم يكُن يُستدعى إلا لتزكية وضع أو إسباغ شرعية على وضعية. كان حضور الشعب صوريّاً وشكليّاً، ممَّا يشبه ما يُسمَّى في القانون بالتدليس، أي يُوظَّف في حقيقة الأمر لفائدة أوليغارشية أو طغمة أو عصابة فعلية. حراك الجزائر كسر هذه الصورية، وفرض شرعية الشعب وسيادته.

من دون شك أن تبلور هذا الوعي يضرب جذوره إلى تاريخ الجزائر الحديث، يرجع أولا إلى حربها التحريرية المريرة، أمام القوات الفرنسية المدججة بأعتى الأسلحة التي لم تستنكف من أبشع وسائل الإبادة والتعذيب، وهي الحرب التي انصهر فيها الشعب، بكل قواه. ورغم الارتباط بميراث الثورة بعد الاستقلال، فقد حدث ما أسماه الروائي الجزائري رشيد ميموني بـ"تحويل مجري النهر". زاغ ميراث الثورة عن مجراه، وهو الأمر الذي أفضى إلى انتفاضة 5 أكتوبر 1988، التي تم التصدي لها بالقوة مخلفة مئات الضحايا، مما اضطرّ السلطات إلى الانفراج بعدها.

والمرحلة المفصلية كذلك في تاريخ الجزائري الحديث هي ما يُسمَّى بالعشرية السوداء، زهاء عشر سنوات من حرب أهلية تركت ندوباً غائرة، وأنهكت المجتمع، ولم توفّر مفاصل الدولة، وصاحبها هجرة كثير من النخب. وهي الفترة التي أفرزت ثقافة سياسية جديدة، تلك التي تبلورت في ما يسمى بالوفاق المدني. عاشت الجزائر منذ 1999 على ما يمكن أن نسميه عقداً اجتماعيّاً على شاكلة نموذج هوبز، أي الأمن مقابل سلطة مطلقة. بقيت المعادلة قائمة، ثم بدت معالم تصدُّعها، خفيَّة غير جليَّة، إلى أن انفجر الحراك، وأعاد النظر في مقتضيات العقد.

نحن أمام شيء جديد من أجل إرساء عقد اجتماعي في صيغة أخرى لا يتخلى الشعب فيها عن حقوقه مطلقة. نحن أمام نموذج لوك الذي يقطع مع نموذج هوبز، وهو الدعامة التي تستعملها غالبية الأنظمة الاستبدادية، أي الحكم المطلق مقابل الأمن. في نموذج لوك لا يتخلى الشعب عن حقوقه، ولا يتخلى عن أهم حق وهو الحرية، وبمقتضى هذه الحرية يصبح فاعلاً وليس موضوعاً، وهي حقوق غير قابلة للتفويت. ومن حقّ الشعب، في حال الالتفاف على حقوقه، النهوض من أجل استعادة ما جرى الالتفاف عليه، أو المقاومة ضدّ من يسعى إلى مصادرة تلك الحقوق.

وما حدث في الجزائر يستجيب لنموذج لوك، أي عقد اجتماعي يستعيد فيه الشعب حريته، ويصبح فاعلاً. هو تحوُّل جوهري لأننا أمام تصوُّر جديد للسلطة، ولعلاقة الحاكم والمحكوم.

لقد أسعف الحراك في الجزائر نخبة من الشباب، كانت هي المتحدثة باسمه، في القنوات التلفزية العالمية، وفي الشارع الجزائري، وأبانت عن وعي كبير، وعمق في التحليل، وكانت دون شك الدعامة للحراك ومن بَثّ فيه الروح، فضلاً عن القوى الحرة التي انخرطت في الحراك من مثقَّفين وصحافيين ومحامين وقضاة، مع كل شرائح المجتمع ومن كل الأعمار، دون أن ننسى الرموز التاريخية للثورة الجزائرية من الأحياء، كما جميلة بوحريد أو يسف سعدي.

لقد أسعف الحراك في الجزائر نخبة من الشباب كانت هي المتحدثة باسمه في القنوات التلفزية العالمية وفي الشارع الجزائري وأبانت عن وعي كبير.

حسن أوريد

هو رصيد، أو رأسمال ولكن يتعين حسن استثماره، ولم يكُن بعض رموز الحراك مخطئين حين أعلنوا أن "استقالة" الرئيس بوتفليقة هي نصف انتصار. الانتصار الحق هو في بناء تصوُّر جديد في علاقة الحاكم والمحكوم، في إرساء دعائم ديمقراطية حقيقية.

كل تحوُّل من هذا الحجم، قد يُفضِي كما ما حدث في أزمنة سابقة وأرجاء مختلفة إلى ثورة مضادة. محترفو السياسة، ورؤوس الأوليغارشية قد يضعون العصا في العجلة أمام التحوُل. ولا يمكن التصدِّي لهذه الأحابيل إلا برسم رؤية واضحة، والالتفاف حولها، ذلك أن الخطر الأكبر، كما في التحوُّلات الكبرى، هو تفرُّق إخوة الأمس، بالنظر إلى مرجعيات مختلفة أو تصوُّرات متباينة. وهي اختلافات طبيعية، لكن يمكن تضخيمها واستثمارها من أجل إجهاض التحوُّل.

يلوِّح البعض بسيناريو مصر، أي أن يتلفّ الجيش على الحراك، وهو سيناريو مستبعَد بالنظر إلى خصوصية التجربة الجزائرية.

يلوِّح البعض بسيناريو مصر أي أن يتلفّ الجيش على الحراك وهو سيناريو مستبعَد بالنظر إلى خصوصية التجربة الجزائرية.

حسن أوريد

الشعب الجزائري يعي أن ما تم هو نصف الطريق، وأن الأصعب هو ما سيأتي. بَيْدَ أن الآمال معقودة عليه من أجل وضع السكة لديمقراطية حقيقية. لسنا في وضع أن نُملِي دروساً، لكن المؤكد أن حراك الجزائر إن نجح فستبلغ تموُّجاته أصقاع العالم العربي، وستؤثر بدرجة أولى في محيطها القريب.

لقد شجب المتظاهرون ما سمّوه بالمافيا، وهي ظاهرة جديدة، تزامنت مع النيوليبرالية واستقواء الأجهزة الأمنية ومارست وصاية مقيتة على المجتمع وأضعفت بنية الدولة لفائدة بنيات موازية أو غير دستورية كما يُستعمل في الخطاب الجزائري. ليست المسألة حكراً على الجزائر، ويكفي أن يقف المرء عند تعيينات اعتباطية وعزل مزاجيّ، في فترات وجيزة، كما حدث للوزير الأول الأسبق عبد المجيد تبون الذي لم يبقَ في منصبه أكثر من ثلاثة أشهر، لأنه مسّ مصالح الأوليغارشيات.

وكما قال نابليون لجنوده على سفح الأهرامات في جملته الشهيرة: "أربعة آلاف سنة ترقبكم"، فكذلك يُقال للشعب الجزائري، شعوب العالم ترقبكم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي