مسلمي البوسنة يدفنون رفات بعض شهدائهم الذي سقطوا في مذبحة سربرنيتسا (AA)

وكان في المدينة وحدة هولندية مكونة من 400 جندي تابعة لقوات حفظ السلام الأممية، يفترض أن تحمي المدنيين الذين لجؤوا إليها، بعد أن تم نزع السلاح من المسلمين بواسطة الأمم المتحدة.

ارتكبت القوات الصربية هذه المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 8 آلاف بوسني تحت سمع وبصر القوات الأممية. ارتكبت تلك المجزرة بواسطة وحدة شبه عسكرية صربية معروفة باسم "العقارب" تحت قيادة مجرم الحرب راتكو ميلاديتش، الذي أدانته مؤخراً المحكمة الجنائية الدولية بالسجن المؤبد.

رفع أهالي ضحايا المجزرة دعوى قضائية ضد الكتيبة الهولندية التي قصرت في الدفاع عن أهل المدينة في أمستردام، في ما عُرِف بقضية "أمهات سربرنيتسا". ولقد قضت محكمة هولندية بمسؤولية الحكومة آنذاك عن قتل ما يزيد على 300 شخص من المسلمين البوسنيين في البلدة البوسنية.

كما أكّدت محكمة استئناف هولندية لاحقاً مسؤولية الحكومة "جزئياً" عن مقتل نحو 300 شخصٍ طُرِدوا من قاعدة الكتيبة بعد اجتياح قوات الصرب. واعتبر هذا الحكم مهماً للغاية بالنسبة إلى بعثات حفظ السلام في المستقبل والقوانين المعنية بمسؤولية الدول. صحيح أن الحكومة الهولندية كانت استقالت عام 2002، بعد اعترافها بالتقاعس عن حماية اللاجئين، إلا أنها قالت إن قوات حفظ السلام قليلة العدد ضعيفة التسليح كانت في "مهمة مستحيلة". في الوقت الذي وصفت فيه الأمم المتحدة المجزرة بأنها أسوأ جريمة ترتكب على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

استباحت القوات الصربية المدينة لعدة أيام، وقامت بفصل الرجال والصبيان عن النساء، حيث تحولت المباني الحكومية مثل المدارس التي وضعت فيها النساء إلى مراكز للاغتصاب الممنهج، حيث يتراوح عدد المغتصبات ما بين 20-50 ضحية، رُزق بعضهن بأطفال نتيجة لعمليات الاغتصاب، ممَّا فاقم من معاناتهن، في غياب التعويضات أو الدعم النفسي والمالي من خلال برنامج وطني لجبر الضرر.

وحتى بعد مضي كل هذه السنوات ما زالت هؤلاء النسوة يعشن في حالة نفسية سيئة، نتيجة لتجدد الألم بسبب الصعوبات التي تواجه أبناءهن في عملية الاندماج الاجتماعي، فمهما يكن فهم مجهولو الآباء، في مجتمع محافظ تعلو فيه القيم الأسرية.

جاءت مجزرة سربرنيتسا ضمن حرب البلقان التي امتدت لنحو عقد كامل، هدف من خلالها الصرب إلى استمرار سيطرتهم على الوحدة اليوغسلافية، مهما كان الثمن. فقد كان يُنظر إلى الحرب بأنها مقدسة، فالقائد الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش ذكر علناً بأنه يسعى لينتقم من انتصار المسلمين العثمانيين في معركة كوسوفو قبل 600 عام، التي لقي فيها الجيش الصربي بأساً شديداً وهزيمة نكراء على يد الجيوش العثمانية الباسلة بقيادة السلطان مراد الأول. ولقد كان لهذا العامل الديني بعد مركزي في سلوك الصرب تجاه المسلمين، ويفسر القساوة والأسلوب البربري الذي اتخذه مرتكبو المجازر التي تمت في تلك الحقبة والتي كانت من كُبراها سربرنيتسا.

درج ذوو الضحايا على دفن رفات أقربائهم الذين تم دفنهم في مقابر جماعية بواسطة الجرافات وبصورة عشوائية، حيث يتم تعرّف جثث الشهداء وتصنيفها، ليتم دفنها في مقبرة "بوتوتشاري" التابعة لبلدة سربرنيتسا كل عام منذ مرور ذكرى المجزرة. ومن المرتقب أن يصل عدد المدفونين في المقبرة إلى 6 آلاف و671، بعد أن تم دفن 19 شهيداً يوم الأحد الماضي. ‎

هنالك محاولات لتشويه التاريخ ونكران المجزرة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ففي محاولة لتشويه التاريخ ومحاولة إعادة كتابته بطريقة غير منصفة، منحت لجنة أوسلو العام قبل الماضي جائزة نوبل للأديب النمساوي بيتر هاندكه المعروف جيداً بجهوده في إنكار الإبادة الجماعية بالبوسنة وتشكيكه في حقيقة مذبحة سربرنيتسا. إلا أن هذه المحاولات لن تغير شيئاً، ففظاعة الجرم ستجعل الألم باقياً إلى الأبد، وستتوارث الأجيال هذه الذكرى المؤلمة.

كتب كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة في عام 1999 حينها: "عبر الإرهاب، وسوء التقدير، وعدم القدرة على الحكم الصحيح بشأن الشر الذي يواجهنا، فشلنا في القيام بواجبنا لإنقاذ مواطني سربرنيتسا من حملة الإبادة الجماعية التي قادها الصرب".

هذه اللهجة الاعتذارية من كوفي عنان لم تشفع للمنظومة الدولية أن تواجه مخاطر الإبادة الجماعية في دول أخرى من العالم.

تكرر الأمر بحذافيره في رواندا ورغم التحذيرات المبكرة فإن الأمم المتحدة الغارقة في بيروقراطيتها تجاهلت التقارير والتحذيرات الصادرة من العاصمة كيغالي. وكان لضعف قوات حفظ السلام تحت إشراف القائد الكندي القدح المعلي، إضافة إلى ضعف ردود فعل الأمم المتحدة، في حدوث الإبادة الجماعية. وقد وثقت هوليوود لتلك المجزرة في الفيلم ذائع الصيت (هوتيل رواندا) الذي مثل فيه دور البطولة الممثل جون شيدل.

نجحت اتفاقية دايتون التي تم التوصل إليها عام 1995 في إنهاء الحرب في البوسنة والهرسك دولة يوغسلافيا والصرب. وقد وصفت الاتفاقية من بعض الدارسين بأنها اتفاقية (الأرواح المنقسمة) لأنها أعادت تقسيم الحدود والسيادة على أسس الهوية الإثنية، لكنها نجحت في وقف الحرب وتحقيق السلام على أسس تقسيم السيادة والمشاركة في الحكم بين الفيدراليات والمجموعات المتحاربة.

وكما قال علي عزت بيغوفيتش الزعيم البوسني عندما أدرك قلة كسب المسلمين من الاتفاقية: "إن اتفاقاً غير منصف خير من استمرار الحرب". فاليوم نجد أن أوضاع المواطنين تحسنت، خاصة من ناحية تمسكهم بهويتهم الإسلامية، فلقد هدم الصرب ألف مسجد واليوم تم بناء أكثر من ألف وخمس مئة مسجد، كما تم ترجمة الكتب الدينية إلى اللغة المحلية، وخلافه.

نجح اتفاق دايتون في الحفاظ على حالة السلام نسبة إلى الآليات القانونية الكثيفة لحماية وترقية حقوق الإنسان، وبناء نظام قانوني فاعل ورقابة قوية من المجتمع الدولي، وكذلك إنجاز التحول الديمقراطي والتمثيل العادل للمجموعات وفق نظام رئاسي دوري ونظام برلماني قوي وفاعل. ويبقى التحدي الماثل الآن أمام المجتمع الدولي، وخاصة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، رعاية اتفاقية دايتون والوقوف على تطبيقها.

تطل في ذكري مجزرة سبرنيتسا قضايا الأقليات المسلمة في ميانمار (الروهينغيا) وفي الصين (الأويغور)، ورغم ما بذلته منظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المنظمات الدولية من جهود دولية ودبلوماسية فإنها تعتبر جهوداً متواضعة وغير كافية مقارنة بحجم الضرر الواقع على هذه الأقليات.

ويظل السؤال من جديد متى يصحو ضمير العالم لحماية الأقليات المسلمة خاصة في ميانمار والصين؟ لأن العالم لا يحتمل حدوث مجزرة أخرى كما حدث في سربرنيتسا ورواندا، ليتدخل ويفرض حلاً دولياً لحفظ الأرواح والدماء، لا سيما أنه قد أثبت مبدأ (مسؤولية الحماية) الذي أقرته الأمم المتحدة بأن يخضع للتقديرات السياسية للدول دائمة العضوية، وحسب مصالحها الحيوية، وما زال المجتمع الدولي يصمت عن المجازر والانتهاكات ضد الأقليات المسلمة في العالم. أما ضحايا القتل فهم في تزايد في عالم اليوم، ففي العراق قُتل مئات الآلاف خلال الحرب إبان وجود القوات الأمريكية، وما زال الجرح ينزف حتى اليوم، كما في اليمن وأفغانستان وغيرها من بقاع العالم الإسلامي.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي