أخفت الانتخابات التشريعية التونسية أسرارها حتى اللحظة الأخيرة وخالفت عديد التوقعات. وبعد مخاض عسير جاءت النتائج الأولية التي كانت بمثابة ولادة من الخاصرة.

أعلنت النتائج، وجاءت حركة النهضة في الصدارة على الرغم من تراجع نسبة المصوتين لها إلى حوالي النصف مقارنة بانتخابات 2014، وتلاها حزب قلب تونس لصاحبه رجل الأعمال نبيل القروي الموقوف حالياً على ذمة التحقيق في تهم متعلقة بتبييض الأموال والتهرب الضريبي، وهو المرشح للانتخابات الرئاسية أيضاً في الدور الثاني.

وقد جرت هذه الانتخابات في سياق سجالات وتبادل تهم وتشويه، وتاهت في زحامها البرامج، وبلغ الأمر ذروته مع العزوف الواضح للناخبين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم. وبدا واضحاً أن التونسيين واصلوا سياسة العقاب التي انخرطوا فيها منذ الانتخابات الرئاسية.

وتعالت أصوات بعض النخب والإعلاميين والهيئة العليا المشرفة على هذا الاستحقاق لدعوة التونسيين للتصويت لأنفسهم في هذه اللحظة الحاسمة لكن هذه الكلمات ظلت صرخة في وادٍ ولا من مجيب. وتواصل العزوف من قبل الشباب على وجه الخصوص، وهو ما جعل نسب المشاركة محتشمة.

وجاءت النتائج لتدلل على تواصل النهج العقابي للمنظومة السياسية باستثناء حركة النهضة التي واصل أنصارها التصويت لها، وإن تراجعت نسبها، ومنحوها صدارة الترتيب في النتائج.

وكانت النتيجة بالنسبة لحزب نداء تونس الذي فاز في انتخابات 2014، وهو الحزب الذي أسسه وقاده إلى الفوز الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، مدوية.

كان سقوط "نداء تونس" كبيراً هذه المرة وهو الذي عرف انشقاقات حادة طوال المدة النيابية الماضية. ويبدو أن رحيل المؤسس كان إيذاناً بنهاية دراماتيكية لهذا الحزب الذي أودت بحياته مظاهر الزبونية والانتهازية وتعنُّت ابن الرئيس الراحل.

المفاجأة كانت في حزب قلب تونس الذي جاء في المرتبة الثانية. وهو حزب فتي تأسس على عجل في الفترة الأخيرة استعداداً للانتخابات وفي ظروف ملتبسة.

فرئيسه ومؤسسه يقبع اليوم في السجن. وهو رجل الأعمال نبيل القروي المتهم في بعض القضايا والذي جاء ترتيبه الثاني في السباق الرئاسي أيضاً، والمنتظر أن يحسم يوم الأحد المقبل في الدور الثاني الذي ينافسه فيه المرشح قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري.

ولا شك في أن وضعيته اليوم تطرح عديد التساؤلات على المشهد السياسي في تونس وتضع هيئة الانتخابات في حرج، حتى إن منافسه أعلن أنه لن يقوم بحملة انتخابية في الدور الثاني اتساقاً مع مسألة تكافؤ الفرص، باعتبار أن القروي لا يستطيع القيام بحملته.

ومن ملامح المشهد الجديد في تونس هو حصول الحزب الدستوري الحر لصاحبته عبير موسي على مرتبة متقدمة نسبياً. وهي المحسوبة على منظومة ما قبل 14 يناير/كانون الثاني 2011، وراهن البعض على أن تكون مجرد ظاهرة صوتية منذ أن ترشحت للانتخابات الرئاسية.

أما التيار الديمقراطي الذي حقق تقدماً ملحوظاً مقارنة بالفترة النيابية الماضية، ويرفع لواء محاربة الفساد، فهو يمضي بخطى ثابتة نحو التموقع بجدية في المشهد التونسي. ويتوقع الكثير من الدارسين أنه سيكون له شأن كبير في المستقبل إذا ما أحسن استقراء الواقع وتفهم انتظارات التونسيين وأشواقهم إلى العدالة والحرية، وهي السردية التي يقدمها هذا الحزب.

أما اليسار فقد تشظى. وكما كانت نتائجه مخيبة للآمال في الرئاسية، واصل سقوطه المدوي في التشريعية. فقد تشتت رموز التيار، وتقدموا فرادى إلى الناخبين فكانت هزيمتهم مذلة حقاً بالنظر إلى تاريخية هذا الفصيل السياسي الذي لم يحسن حتى اللحظة فهم الواقع التونسي، والقيام بمراجعاته الضرورية حتى تتسق أطروحاته في الراهن.

وإذا كان التونسيون قالوا كلمتهم وإنْ بشكل محتشم وعقابي، فإن المرحلة القريبة القادمة ستكون محددة في تاريخ هذا البلد.

فلأول وهلة تبدو النتائج مشتتة. وهذا التشتت الذي لن يخدم أحداً في ظل غياب كتلة برلمانية صماء لحزب واحد يمتلك الأغلبية التي تمكّنه من تشكيل حكومة أولاً. ثم ضمان استقرارها لاحقاً بضمان الحزام السياسي الداعم لها.

فالحزب الفائز بأكبر عدد من أصوات الناخبين ونعني حركة النهضة لا يمكنه فعل ذلك بمفرده، وسيضطر إلى إيجاد التحالفات الممكنة من أجل ذلك وسيلجأ إلى بعض الأحزاب.

وهنا يتوقع بعض الملاحظين أن التحالفات الأقرب إلى النهضة ستكون مع ائتلاف الكرامة، وحركة الشعب، باعتبارها ممثلة للمد الثوري، مع إمكانية التحالف أيضاً مع حركة تحيا تونس ليوسف الشاهد حليف النهضة، الذي كلفه ذلك الكثير.

في حين يعتقد البعض الآخر أن إكراهات السياسة قد تفضي إلى تحالف بين النقيضين ونعني النهضة وقلب تونس، من أجل ضمان إمكانية تشكيل حكومة مقبلة مع بعض الحلفاء الآخرين، وربما تعقد صفقات خفية لبلورة مثل هذا التحالف الصعب.

وهي فرضية تبدو حتى اللحظة مستبعدة وإن كانت غير مستحيلة. ولا ننسى أن انتخابات الدور الثاني للرئاسية ستلقي حتماً بظلالها على التحالفات المتوقع إبرامها في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.

كما يبدو من الواضح أن المعارضة ستؤول حتماً إلى الحزب الدستوري الحر الذي يتخندق في مواجهة منظومة ما بعد الثورة.

ولكن يظل الخطر قائماً في مناحي عدة، أهمها إمكانية عجز الأحزاب التي فازت بمقاعد في هذه الانتخابات على التوافق لإيجاد التحالفات الممكنة من أجل تشكيل حكومة، وهو ما سيطرح فرضية انتخابات تشريعية في غضون أربعة أشهر، وهو خيار لن تتحمله الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي