مجموعة من أعلام الدول ومن ضمنها العلم الإسرائيلي يظهر أمام مبنى الأمم المتحدة (Others)

قبل نحو 72 سنة، وتحديداً في 4 مارس/آذار 1949، كانت توصية مجحفة من مجلس الأمن مهدت الطريق لإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة للاعتراف بإسرائيل وانضمامها للمنظمة على الرغم من انتهاكها للقوانين الصادرة عن المؤسسة الدولية نفسها، وأهمها قرار التقسيم، وعلى الرغم أيضا من جرائمها العديدة بحق دبلوماسيين وممثلين دوليين للأمم المتحدة عملوا على أرض فلسطين.

وفي 29 نوفمبر عام 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها 181 المعروف بقرار التقسيم والذي تم بموجبه تقسيم فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني إلى دولتين إحداهما عربية 42.88% والأخرى يهودية 56.47% من مساحة أراضي فلسطين التاريخية، على الرغم من أن الفلسطينيين هم السكان الأصليون وهم الأكثر عدداً، أما ما تَبقَّى من هذه النسب فقد تم تخصيصه بنسبة 0.65% لمدينة القدس التي اعتُبرت تحت الوصاية الدولية.

ومع أن قرار التقسيم كان قراراً مجحفاً فإن الإسرائيليين لم يلتزموه، بل سيطروا على أكثر من 77% من مساحة فلسطين الانتدابية ضاربين بجميع القرارات الدولية عرض الحائط، وقاموا بتهجير السكان الفلسطينيين من أراضيهم، وأمام كل هذا أوصى مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 69 في تاريخ 4 مارس/آذار 1949 أي قبل نحو 71 سنة بقبول إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة. وقد تم بموجب هذا القرار قبول إسرائيل بعد شهرين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 مايو/أيار 1949.

لقد بدأت هذه العملية بعد إعلان المنظمات الصهيونية عن إنشاء دولة إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948، إذ قامت حكومة بن جوريون بالسعي لتحقيق الاعتراف الدولي، وقد تقدمت بطلبها الثاني للأمين العامّ للأمم المتحدة في نوفمبر 1948، وقد رفض الطلب في 17 ديسمبر بسبب عدم استيفاء الشروط التي ينصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة، مما جعل الحكومة الإسرائيلية تعيد الكَرَّة وتتقدم بطلب آخر في فبراير 1949 إذ حصلت على توصية مجلس الأمن في 4 مارس/آذار عام 1949، وقد امتنعت بريطانيا حينها عن التصويت، فيما صوّتَت مصر عبر ممثلها محمود فوزي بك ضد القرار معتبراً "قبول إسرائيل المحتمَل بأنه إهانة للإنسانية وانتهاك للمنظمة التي من المفترض أن جميع الأعضاء يمثلونها".

على الرغم من توصية مجلس الأمن في 4 مارس/آذار كان الإسرائيليون متشككين في عملية القبول، وهو ما جعل السفير الإسرائيلي أبا إيبان يقوم بجهد دبلوماسي كبير لتأمين عملية مرور القرار في الجمعية العامة. ومن ضمن حيل إيبان قيامه بالإعلان عن استعداد إسرائيل للمساهمة في حلّ وضع اللاجئين والعمل على إقامة السلام وحسن الجوار مع الدول العربية، وهو ما اتضح لاحقاً أنه ضرب من التحايل البواح.

وقد ذكر بعض المصادر أن خطاب إيبان الدبلوماسي كان من ضمن عوامل ساهمت في مرور القرار. وفي الواقع تحتاج هذه النقطة إلى وقفة حول أهمية الدبلوماسية والعمل الدبلوماسي هذا على الرغم من وجود قوى كبرى داعمة، فكيف في حالة الشعوب القابعة تحت الاحتلال حيث لا بد أن تترافق إرادة التحرر مع قدرات وإمكانات في المجالات المتعددة، ومن أهمها العمل الدبلوماسي وأدواته، بخاصة عندما نتحدث عن المؤسسات الدولية.

وبالفعل وافقت الجمعية العامة في 11 مايو/أيار 1949 على قبول إسرائيل كدولة عضو في الأمم المتحدة، إذ صوتت الجمعية بواقع 37 لصالح القرار، مقابل 12 ضده، فيما امتنع 9 أعضاء لتصبح إسرائيل العضو التاسع والخمسين في الأمم المتحدة.

يذكّرنا هذا الحدث بعدة حقائق تكررت في مناسبات عدة، منها أن إسرائيل دائماً تضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط، ورغم ذلك تتم مكافأتها بمزيد من التسهيلات، وجوائز إضفاء الشرعية من المؤسسات الدولية.

ومن خلال المرور على بعض أمثلة التاريخ، تحديداً التي سبقت توصية مجلس الأمن في 4 مارس/آذار 1949، نرى أن إسرائيل لم تعاقَب على فعلة لم يسبقها إليها أحد بها في التاريخ الحديث، إذ اغتالت العصابات الصهيونية -التي شكّلت نواة جيش الاحتلال الإسرائيلي- أول وسيط دولي في تاريخ الأمم المتحدة، وهو الكونت فولك برنادوت الدبلوماسي السويدي وحفيد ملك السويد الذي ترأس الصليب الأحمر السويدي الذي ساهم بشكل كبير في إنقاذ حياة الآلاف من اليهود من معسكرات الموت النازية. وقد تمّت عملية الاغتيال في 17 سبتمبر 1948 في القدس بتوافق بين منظمتَي "شتيرن" و"أرغون" بسبب معارضته لضمّ أراضٍ فلسطينية إلى الدولة اليهودية وبسبب اقتراحه وضع حدّ للهجرة اليهودية ووضع القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية.

الكونت فولك برنادوت (Others)

من زاوية أخرى وعندما نرى المؤسسات الدولية اليوم تسعى وتنفذ برامج لحل مشكلات اللاجئين، نستذكر كيف خلقت دولة الاحتلال أزمة لجوء مستمرة بحقّ شعب كامل تُعتبر من أطول أزمات اللجوء على مدار التاريخ الحديث، مع وجود أكثر من 7 ملايين فلسطيني في الشتات، ومع ذلك تعمل المؤسسات الدولية على معالجة العرض، فيما تغفل عن أصل المرض، فقد كرّست توصية مارس/آذار عام 1949 معاناة تشتُّت وتشرُّد شعب كامل من دياره، بل تجاهلت قراراً سابقاً أيضاً صدر في ديسمبر 1948 قضى بعودة اللاجئين إلى أراضيهم التي هُجّروا منها وتعويضهم.

وبالنظر إلى واقع النظام الدولي فقد أدركت دولة الاحتلال الإسرائيلي أن معادلة القوة في النظام الدولي تضمن لها انتهاك القوانين والتحايل عليها وفرض أمر واقع على الأرض يناقضها دون أن تتعرض للعقاب، وحتى لو كان هناك قانون عقوبات نظري فإنه لن يتم تنفيذه، ويشير هذا إلى حقيقة واقع العدالة في المؤسسات الدولية وإلى المنطق الذي يحكم تشكيلة مجلس الأمن.

وفي هذا السياق وعلى الرغم من رفض مجلس الأمن قرار الكنيست الإسرائيلي في عام 1980 اعتبار القدس عاصمة موحدة وأبدية لدولة إسرائيل، فقد أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في سابقة خطيرة في 2017 القدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأمريكية بعد ذلك من تل أبيب إلى القدس، وإزاء هذا الأمر عقد مجلس الأمن الدولي جلسة في 18 ديسمبر/كانون الأول للتصويت على مشروع قرار مصري حول القدس.

ورغم أن مشروع القرار حصل على تأييد 14 عضواً، فقد عارضته الولايات المتحدة التي استخدمت حق النقض (فيتو) مما أفشل صدور القرار. ويشير هذا إلى المعضلة الدولية التي تتسبب فيها هيكلية مجلس الأمن الذي تتحكم فيه 5 دول يمكن أن تقوم أي منها بتكريس معاناة شعوب وسلب حقوقها على مدار أجيال، وذلك فقط لأسباب تتعلق بمصالحها أو بمصالح حلفائها.

ويمكن هنا أن نقتبس كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حديث له في 2018 تَطرَّق فيه إلى دور الأمم المتحدة والقضية الفلسطينية، قال فيه: "لا شك أن الأمم المتحدة، على مدى تاريخها الممتدّ إلى ما يقرب 73 عامًا، حقّقَت نجاحات كبيرة. ومع ذلك لا يخفى على أحد أن الأمم المتحدة باتت بعيدة عن تطلعات الإنسانية في تحقيق السلام والاستقرار، لا سيما وأن مجلس الأمن الدولي قد تحول إلى هيئة تراعي مصالح الدول الخمس صاحبة حق النقض (فيتو) فحسب، وتقف موقف المتفرج حيال الظلم والاضطهاد الواقعين في مناطق أخرى من العالم".

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي