صورة من احتفالات المولد النبوي في ساحة المسجد الأقصى (Others)

بعثه الله سبحانه وتعالى رحمة وهداية ‏للناس أجمعين، يخرجهم مِن ظلمات الجهل والشرك إلى نور الهداية والإيمان ‏وعدالة الإسلام وسماحته، لا فرق فيه بين عربي وأعجمي وأبيض وأسود، فالكلّ سواسية أمام الله، ‏لا يفاضل بينهم سوى ميزان التقوى.

‏ولقد أخبرني أحد العلماء المسلمين من جنوب الفلبين، وهو يدافع عن حجّية الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، أنه لولا هذا الاحتفال الذي يسمح بتناول سيرته صلى الله عليه وسلم العطرة ‏كلّ عام ولقرون عديدة في أصقاع بعيدة مثل جنوب الفلبين، لَمَا عرف المسلمون هناك‏ إلا القليل عن نبيهم صلى الله عليه وسلم.

لم يبلغ أحد من ولد آدم ما بلغه النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن كمالٍ بشري ‏وقبول ومحبة في الأرض، فلا يُذكر اسم الله في أذان أو ‏إقامة صلاة ‏إلا وذُكر الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلم معه، تدمع عيون المؤمنين به شوقاً لرؤيته والسّلام عليه، يصلّون عليه في الليل والنهار كما أمرهم الله تعالى، ‏ولسان حالهم ومقالهم "فداك آباؤنا وأمهاتنا وأنفسنا يا رسول الله".

‏كان صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشي بين الناس، ‏أدّبه ربّه فأحسن تأديبه، ومدح خُلقَه قرآنٌ خالد يُتلى حين قال: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ"‏، ووعده أن يعطيه ‏يوم القيامة حتى يرضى: "وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى"، وهي عند بعض العارفين من آيات ‏الرجاء ‏العظيمة ‏للمؤمنين في القرآن الكريم، إذ لا يرضى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعذّب الله أحداً مِن أمّته ‏يوم القيامة.

لم تشغله صلى الله عليه وسلم دعوة الناس إلى الله عن رعاية أهله وأسرته وأقاربه وجيرانه، فقد كان انشغاله بهم دعوة أيضاً إلى ربه لا انفصام لها عن دعوة ‏الخلق، ‏فكان صلى الله عليه وسلم أبرّ ابن وأعظم والد ‏وأكرم زوج وأشفق أخ وأوفى جار ‏وأرحم ‏صاحب. ‏كان النبي صلى الله عليه وسلم باراً بأمّه ‏آمنة بنت وهب التي شهد موتها وهي في الطريق إلى مكة في منطقة الأبواء، وعمره آنذاك ستّ سنوات ‏فتعاظم يُتمه، فقد مات والده وأمّه حامل به.

زار النبيّ صلى الله عليه وسلم قبر أمه ‏آمنة بنت وهب ‏بعد البعثة فبكى وأبكى من حوله، ولم ينسَ كذلك أمهاته ‏من الرضاعة، وأمهاته اللاتي تولّين رعايته بعد وفاة أمه ‏مثل ‏السيدة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها زوجة عمه أبي طالب وأمّ علي رضي الله عنه، التي قامت برعايته أحسن رعاية إلى أن بلغ مبلغ الرجال، دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏حين موتها فجلس عند رأسها فقال: "رحمكِ الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيباً وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة".

وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً رؤوفاً ودوداً مع أزواجه كلهن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. يذكر أمّ المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، بكلّ خير سنين طوال بعد وفاتها، ‏يقول صلى الله عليه وسلم عنها: "آمنتْ بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء".

وكانت علاقته صلى الله عليه وسلم بابنته الصغرى فاطمة الزهراء رضي الله عنها علاقة خاصة، يُسِرّها ‏بدنو أجله ولقاء ربه فتبكي لذلك، ويحدثها مرة أخرى بأنها ستكون أول أهله لحاقاً به فتفرح لذلك، كانت أشبه ‏الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم كلاماً وحديثاً وجلسة، وهي بضعة منه يغضبه صلى الله عليه وسلم ما يغضبها رضي الله عنها.

وهذه الصحابية الجليلة أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، تأتيه مسرعة وقد أشغلها همّ من نزل في جوارها من أحمائها من المشركين ‏يوم فتح مكة، ‏تخشى أن يقتلهم أحد المسلمين، فأقرّها النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها وقال: "قدْ أَجَرنَا مَنْ أَجَرتِ يَا أُمَّ هَانِئ"، ‏لتبقى مبدأً إسلامياً خالداً يُعلي مكانة المرأة في الإسلام في الحرب والسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً بأولاد المسلمين يمزح معهم، يقول الصحابي أنس بن مالك، رضي الله عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقاً، وكان لي أخٌ يُقال له أبو عمير، فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال "يا أبا عمير، ما فعل النّغير"، يريد طائراً صغيراً كالعصفور كان يلعب به أخو أنس رضي الله عنه. ‏

ويحدثنا كذلك أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن ‏خُلق وصفات النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "خدمتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أفٍ قط، وما قال لشيء صنعتُه لمَ صنعته ولا لشيء تركته لمَ تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أحسن الناس خُلقاً، ولا مسستُ خزاً قطّ ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين مِن كفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممتُ مسكاً قطّ ولا عطراً كان أطيب مِن عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم".

‏وهنا في غزوة أُحُد حينما انهزم المسلمون وقُتل عدد كثير منهم ‏وأصاب رسولَ الله والصحابةَ ما أصابهم في سبيل الله، تأثّر النبيّ صلى الله عليه وسلم تأثراً ‏عظيماً لاستشهاد أصحابه ‏رضوان الله عليهم ولاستشهاد عمّه ‏ونصيره أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. دخل رسول الله بعد غزوة أُحُد طرقات المدينة وإذا بعض نساء الأنصار يبكين قتلاهم، فتذكر فراق عمّه حمزة فزاد ذلك من حزنه صلى الله عليه وسلم.

وعلينا أن نتذكر ونحن نعيش في هذا العصر الذي تنامت فيه ظاهرة العداء لدين الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ما يُعرف "بالإسلاموفوبيا" في بلاد كثيرة وخاصة في الغرب، أنّ ‏الله قد أمر نبيه بالإعراض عن المشركين، فإنه ‏سبحانه وتعالى تجلّت عظمته بكافيته إياهم وحفظه منهم ‏ونصره عليهم: "وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِيْنَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِيْنَ".

وحقيق علينا كذلك ونحن نحتفل بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم أن نستصحب سيرته العطرة ‏ونتحلى بها ما استطعنا، ‏نتدارسها مع أولادنا وبناتنا في المدارس وفي بيوتنا حتى يعرفوا بعضاً من ‏حياته وأخلاقه وصبره وجهاده صلى الله عليه وسلم: "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا".

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً