التعديلات الدستورية في مصر لا تشمل التمديد لرئاسة السيسي، بل تسمح له أيضاً بالسيطرة على السلطة القضائية من خلال إعطائه صلاحيات وضع شروط التعيين والترقِّي، بل والتأديب، لأعضاء السلطة القضائية، هذا فضلاً عن دسترة تدخل الجيش في الحياة السياسية.

انتهت يوم الإثنين الموافق 22 أبريل 2018 إجراءات الاستفتاء على تعديل بعض مواد الدستور المصري الصادر في 2012 والمعدَّل في 2014، لتكونهذهالتعديلات بذلك التعديلات الثانية التي تَغيَّر فيها الدستور المصري بعد الثورة، وجاءت التعديلات الأخيرة في 22 مادة بين موادَّ عُدّلَت، وموادَّ انتقالية، وإضافة موادَّ جديدة كليّاً:

الموادّ المعدَّلة تشمل 12 مادة كالتالي:

ثلاث موادّ متعلقة بكوته النساء في البرلمان وزيادة مدة رئيس الجمهورية لست سنوات.

أربع موادّ متعلقة بتنظيم العلاقة بين رئاسة الجمهورية والسلطة القضائية.

ثلاث موادّ متعلقة بتنظيم علاقة القوات المسلحة بالمواطنين والدولة ورئاسة الجمهورية.

مادتان لتمثيل العمال والفلاحين والشباب وذوي الإعاقة والمصريين في الخارج بمجلس النواب.

أما المواد الانتقالية فهي ثلاث مواد: مادتان نظّمَتا تعيين نواب رئيس الجمهورية، ونطاق العمل بكوته النساء، ومادة تمسح للرئيس الحالي بمد فترة رئاسته إلى ست سنوات كما تسمح له بالترشح لفتره ثالثة.

ومن ضمن التعديلات، إضافة باب جديد في الدستور تحت عنوان الباب السابع، احتوى على سبع موادّ مؤدَّاها إعادة الحياة لمجلس الشورى في ثوب آخر تحت اسم مجلس الشيوخ.

ويلاحَظ من هذا التقسيم أن نصيب التعديلات الأكبر كان من نصيب السلطة القضائية بواقع أربع موادّ، وعلاقات الجيش بالدولة بواقع ثلاث موادّ، وهو ما أراه أخطر من التعديلات التي تعلقت بمدّ فترات الرئاسة.

دَسْتَرة الاعتداء على استقلال السلطة القضائية

نصّت الفقرة الأولى من المادة 185 على أن يقوم رئيس الجمهورية بتعيين رؤساء الهيئات القضائية من بين أقدم سبعة من نوابهم. ومن اللافت أن هذه التعديلات تأتي بهدف دَسْتَرة واقع قد فرضه عبد الفتاح السيسي في 27 أبريل 2017 حين صدر قانون تعيين رؤساء الهيئات القضائية، الذي بموجبه تم تعليق العمل بنظام الأقدمية المطلقة في تعيين رؤساء الهيئات القضائية الأربعة، ويعتمد بدلاً منه على نظام تتقدم فيه الهيئات القضائية بترشيحات لرئيس الجمهورية تتضمن ثلاثة أسماء يتم اختيارهم من أقدم سبعة نواب لرئيس الهيئة، على أن يسمّي رئيس الجمهورية رئيس الهيئة من بين هذه الأسماء الثلاثة، وفي حال عدم تسمية ثلاثة أسماء لرئيس الجمهورية يحقّ له أن يختار رئيس الهيئة من بين أقدم سبعة من نواب رئيس الهيئة القضائية.

وهو القانون الذي قوبل بالرفض في حينها وطعن عليه رؤساء الهيئات القضائية أمام المحكمة الدستورية العليا، الأمر الذي يهدّد بإلغاء هذا القانون، لكن مع إدخال التعديلات الأخيرة على الدستور منح هذا القانون غير الدستوري وقت إصداره قبلة الحياة ليقضي على ما تَبقَّى من استقلال شكليّ للهيئات القضائية.

لرئيس الجمهورية حق عرقلة واعتراض قرارات تنظيم السلطة القضائية

كذلك نصّت الفقرة الثانية من المادة 185 على تشكيل مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية، برئاسة رئيس الجهورية، على أن يختص المجلس بالنظر في شروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات القضائية وترقيتهم وتأديبهم.

ويأخذ رأيه في مشاريع القوانين المنظمة لشؤون الجهات والهيئات القضائية، وتصدر قرارات المجلس بموافقة أغلبيه أعضائه، على أن يكون من بينهم رئيس المجلس. وبذلك يكون رئيس الجمهورية -وهو رأس السلطة التنفيذية- هو رئيس المجلس المختص بوضع شروط التعيين والترقِّي، بل والتأديب، لأعضاء السلطة القضائية. ولم تكتفِ المادة بذلك، ولكن أعطت الرئيس حق عرقلة واعتراض عمل المجلس حتى لو أصدر المجلس قراراه بالأغلبية، لأن المادة اشترطت موافقة الرئيس.

اشتملت التعديلات على نصّ جديد كلّيّاً على فلسفة الدساتير المصرية منذ نشأتها عام 1923 حتى الآن، إذ وضعت المادة 200 من التعديلات القوات المسلحة فوق الدولة وسلطاتها المختلفة، وأضافت مهمة جديدة إلى مهام القوات المسلحة، هي: صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق الأفراد.

وهو ما يسمح للقوات المسلحة بالتدخل في الحياة السياسية في المستقبل، ولكن تحت غطاء دستوري، بذريعة صون الدستور والديمقراطية. ومن المفارقات أن هذه المادة نصت على أن تحافظ القوات المسلحة على مدنية الدولة، ليكون نظام الحكم بذلك مدنيّاً تحت حماية عسكرية.

إحكام القبضة على المدنيين وتوسيع غطاء المحاكمات العسكرية

كما منحت المادة 185 قبله الحياة لقانون تعيين رؤساء الهيئات القضائية، فقد منحت هذه المادة الشرعية الدستورية لقانون حماية المنشآت العامة الذي يسمح بمحاكمة المدنيين عسكريّاً في حال اعتدائهم على أي من المنشآت العامة إذا اشتركت قوات الجيش في حماية هذه المنشآت. ويدخل في نطاق هذه المنشآت المدارس والجامعات والسفارات والأبنية العامة.

تنظيم علاقة الجيش بالرئاسة

نصّت المادة 234 على أن يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ليتحول هذا الشرط من شرط انتقالي لمدة ثماني سنوات في دستور 2014، إلى شرط دائم، وليَحُول بين انقلاب الرئاسة على المجلس الأعلى للقوات المسلحة مثلما حدث إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي.

ومن الجدير بالذكر أن هذه التعديلات تم تمريرها في البرلمان بشكل عاجل وتم الاستفتاء عليها بعد 48 ساعة من موافقة البرلمان عليها ودون أي نقاش مجتمعي أو تعريف حقيقي للمواطنين بجوهر هذه التعديلات التي تُعتبر مُخِلَّة بأبسط مبادئ الحكم الديمقراطي، ولو كان هذا الحكم ادّعاءً بأنه ديمقراطي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي