في الدرس النظري أن النخبة تبدع الأفكار القائدة والمشاريع الجامعة وتطوّرها بالنقد الدائم، والعامّة تتبع النخبة في تجسيد النماذج والتصورات وتسير على هدي منها نحو أهداف كبرى جامعة.

وفي النظري أيضاً أن هذا عمل مستمر لا ينقطع إلا ليُستأنف من مكان جديد حسب معطيات التاريخ والجغرافيا والاجتماع.

ما ألاحظه في تونس أن النخبة تتخلف عن عامة الناس في بناء الأفكار والتصورات، بل تشتغل كمعيق للتفكير النقدي والتطوير. وقد طرحت الثورة على النخبة سؤالاً مهمّاً حول بناء الدولة بوسائل الديمقراطية، فنكصت إلى جملة من الأوهام التي بُنيت عليها الدولة زمن الاستقلال، وعملت على منع النقد والتطوير.

ونكوصها يعمل على إفراغ الثورة الآن من محتواها ويوشك أن يدفعها إلى حالة تكلُّس فكري إلا أن تقوم العامة بعمل مغامر جديد يتجاوز النخب المهيمنة الآن ويقصيها بوسائل الثورة والديمقراطية. ونعتقد أن في انتخاب قيس سعيد بارقة تجديد من خارج أوهام النخبة العالمة، أو المتعالمة وهو الأصح.

من أوهام النخبة التونسية

بنَت النخبة التونسية جملة من الأفكار وحولتها إلى أوثان لا تدخل تحت النقد. وهي الآن مرتبكة أمام مطالب التغيير الصادرة من عمق الشارع الذي لم يحز تعليماً كثيراً ولكنه يستشعر حاجة إلى الخروج من دائرة تكرار الأوهام إلى بناء نماذج تفكير عملية تحت تأثير وسائل الاتصال الحديثة التي أغنت الكثيرين عن التعليم الأكاديمي الذي تفاخر به النخبة وتعتبره حجتها للتفكير والقيادة.

من هذه الأوهام وهم الزعيم بورقيبة الذي يتحول إلى آيديولوجيا كاملة ومغلقة. يرى قطاع واسع من النخبة أن الرجل وسياساته تبقى دوماً فوق النقد، فلا يتعرض له أحد إلا رُجم بالرجعية والتخلُّف والدعوشة.

إن بناء أهم مؤسسات الدولة الحديثة كان من انجاز المتعلمين قبل الاستقلال وليس بعده. وهذه حقيقة تسقط كل المجد البورقيبي المزعوم. ويتفرع عن هذا الوهم (أو الإيهام) وهم آخر هو زعم تحرير المرأة التونسية.

وقد لاحظنا في سنوات ما بعد الثورة أن نخب اليسار التي بنَت نضالها على معارضة بورقيبة ونقد نموذجه في الحكم، بل والطعن في وطنيته، قد صارت من أشرس المدافعين عنه وعن نموذجه بحيث تغفر له كل ما كانت تقوله عنه، وتحوّله إلى أيقونة حداثة. وتحزُّبها له يجعل كل من كان يرغب في نقد تجربته نقداً موضوعيّاً يغالي في التطرف فيتحول الرجل إلى موضوع معركة ثقافية وسياسية نتيجتها الوحيدة هي إفساد كل عملية مراجعة وبناء.

تقديس الزعيم يُترجَم عبر تقديس مكاسب تُنسب إليه مثل مكسب تطوير التعليم وتحرير المرأة وبناء الدولة الوطنية. وهذه الفروع من أكبر أوهام الدولة التونسية ونخبتها. التقديس يمرّ بعملية ديماغوجية شرسة تلغي التاريخ الذي سبق الزعيم، إذ نجد أن التعليم في تونس قد ترسخ منذ قرون وانطلق فعلاً عبر جملة من الإصلاحات قبل دخول الاستعمار نفسه. لكن الاستعمار خرّب تجربة التحديث الأولى، ورغم ذلك لم ينفكّ التونسي الميسور الحال عن التعلم. فلم يستنكف عن دخول المدارس الفرنسية، كما طوّر التعليم الديني (الزيتوني مقتدياً بتجارب مصرية)، فضلاً عن ذلك نجد في التراث القانوني أمراً عليّاً أصدره الباي محمد المنصف (باي الشعب) بإجبارية التعليم للجنسين منذ الأربعينيات.

إن بناء أهم مؤسَّسات الدولة الحديثة كان من إنجاز المتعلمين قبل الاستقلال لا بعده، وهذه حقيقة تسقط كل المجد البورقيبي المزعوم. ويتفرع عن هذا الوهم (أو الإيهام) وهم آخر هو زعم تحرير المرأة التونسية.

لقد تعلمت نساء الأسر الميسورة كما تعلم رجالها قبل الاستقلال، وساهمن في بناء الدولة. ولكن الإيهام يبدأ بالقول إن الزعيم هو من فعل ذلك، إذ يتحول منع تعدُّد الزوجات إلى حدث مفصلي في عملية التحرير دون أي مقارنات رقمية بحالة المرأة في بلدان عربية مجاورة لم تمنع التعدد وحققت نفس المكاسب الاجتماعية للمرأة في التعليم والإدارة وغيرها.

يوضع كل هذا في قالب مُعَدّ مُسبَقاً يُسَمَّى قالب بناء الدولة الاجتماعية، في حين تكشف معطيات التاريخ أن الدولة البورقيبية خلقت الفوارق الاجتماعية بين الفئات والمناطق وكرّست ميزاً فاحشاً انتهى إلى ثورة مطلبها الأهمّ القضاء على هذه الفوارق.

آلية تفكير محافِظة ورجعية

يُغَلَّف خطاب النخبة نفسه بغلاف تقدُّمي ويضع قضايا تقدُّمية في مقدمة خطابه، لكنه يمارس التفكير مبرِّراً لا ناقداً، أي بطريقة رجعية، فيمنع نفسه من نقد مسلَّماته ويحوّلها إلى دوغما ثابتة ويرفض أن يتناولها غيره بالنقد، فينتهي إلى ممارسة محافظة مطابقة في جوهرها لكل خطاب سلفي ديني، مِمَّا ينعته هو نفسه بالرجعية.

وفي اللحظة التي فرضت الثورة على النخب ضرورة المراجعة الفكرية والمنهجية لسبل التفكير ومجالاته المتعلقة بخاصَّة بنموذج المجتمع ونموذج الدولة المطلوبين للقرن 21، نجد النخب تقف حائرة وعاجزة لأن المراجعة تكلفها جهداً جباراً لمراجعة المسلمات الجاهزة والمريحة، وتُفقِدها مكاسب كثيرة حصلت عليها بتمجيد النموذج الجاهز الذي بين يديها.

لقد كان واضحاً أن أغلب مكونات النخب الجامعية التي دخلت الجامعة من بوابة الانخراط في منظومة التفكير البورقيبية بشقها اليساري بخاصَّة وقفت ضدّ الثورة منذ انطلاقتها لأنها كانت استشعرت مشروع التغيير المطلوب واستشعرت مِن ثَمَّ خسائرها القادمة فانحازت ضد الثورة ولا تزال إلا نَزْراً يسيرا يُنعَت بالدعوشة رغم أن بعضه في أقصى اليسار الفكري.

لذلك وجدناها تنحاز للباجي قائد السبسي في 2012-2019 وتدافع عن مشروعه الذي ليس أكثر من ترقيع للمشروع البورقيبي المنهار أمام الثورة (مشروع التغيير). ثم تنحاز بشكل فاضح لرميم منظومة الباجي المنهارة فتقف مع الزبيدي (الدور الأول) ثم مع القروي (الدور الثاني)، ثم تخسر فتعلن النفير على انهيار المشروع التقدمي أمام زحف الرجعية الإسلامية.

هذا دون أن توسّع أفقها إلى أن التغير ليس مشروع حزب بعينه بل مشروع شعب وبلد خرج من دائرة الوهم إلى دولة جديدة بلا أوهام زعامة. وحتى هذه اللحظة تتأخر النخبة في نقد مواقفها فلا تقرأ وجود قيس سعيد كمشروع تغيير بل تبحث له عن مثالب لتقولبه ضمن مشروع رجعي يقوده الإسلاميون (الإخوانجية في التسمية اليومية).

إنها سلفية في العمق ولكن حداثية في المظهر والخطاب. نعم، النخبة التونسية تقدّم نموذجاً غريباً عن سلفية في الحداثة بحيث يصبح التجديد الثقافي على أساس السيادة الوطنية والهوية الإسلامية تقدُّميّاً في الواقع في حين تمكث هي في رجعيتها المحسوسة.

ثم تكون النهايات الحتمية

طبقا لقانون طبيعي، رفض التطور هو موت بطيء، ونرى النخبة التونسية البورقيبية بشقوقها اليسارية والليبرالية تموت بالتدريج. وكل تسريع في نسق الاستجابة لمطالب الثورة هو تسريع في موتها السياسي والفكري ومسح لأسطورتها المؤسَّسة بالزعيم وحول الزعيم.

ونعتبر أن معركة تشكيل حكومة 2019 هي فصل من هذه المعركة. ستكون مخرجاتها خطوات أخرى نحو دفن هذه النخبة وطمر مشروعها إلى الأبد. إن رفض التعامل مع منتجات الصندوق هو آخر مناورة لإلغائها، ولكن الصندوق اكتسب مناعته الكافية ليستمر دون هؤلاء، حتى إنهم هم الأشد حرصاً الآن على منع انتخابات سابقة لأوانها تنذرهم بنهاية أسرع.

سنجد في تونس خطاباً تقدُّميّاً لا ينطلق من بورقيبة ولا يبني على فكره الإقصائي ويؤسّس لحالة أخرى بمرجعيات ديمقراطية وتعدُّدية وغير إقصائية. وسيكون للإسلاميين فيها مكانة تصغر وتكبر حسب فلاحهم في المشاركة في الحياة العامَّة من موقع تعدُّدي غير إقصائي بدوره (فللإسلاميين حتى الآن جيوب إقصائية لم يفلحوا في التحرر منها).

إن أحد أهمّ المؤشّرات على ذلك هو اختيار قيس سعيّد رئيساً غير بورقيبي الهوى وغير إقصائيٍّ، يقدّم التغيير على المحافظة رغم أنه خرّيج حقوق ومنتج نصوص محافظ. نحن في مرحلة نشاهد فيها نهاية نخبة وميلاد أخرى لا تزال ملامحها غائمة ومكوناتها مجهولة، ولكن قطار التغيير انطلق منذ الثورة وغيّر السرعة في انتخابات 2019، وننتظر بصبرٍ بناءَ مجتمع جديد بلا بورقيبة، الوثن المقدس.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي