تعقيدات جديدة تشهدها مسيرة تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل مع اقتراب يوم 11 ديسمبر/كانون الأول نهاية المدة القانونية البالغة 45 يوماً منذ إخطار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الكونغرس قراره إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

رضخ السودان للشروط الأمريكية من أجل رفع اسمه من القائمة السوداء مقابل دفع تعويضات بلغت 335 مليون دولار لأسر ضحايا تفجيرات المدمرة كول والسفارتين في نيروبي ودار السلام، إضافة إلى شرط التطبيع مع إسرائيل وفق "اتفاق أبراهام" ليغدو السودان الدولة العربية الثالثة بعد الإمارات والبحرين التي تسير في درب التطبيع مع تل أبيب.

إلا أن صفقة التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب تتعرض لهزات سياسية وقانونية مع اقتراب نهاية فترة ترمب في سدة الرئاسة بالبيت الأبيض، ومع بروز أصوات في الكونغرس تتحفظ على منح السودان الحصانة السيادية التي تمنع مقاضاته مستقبلاً أمام المحاكم الأمريكية تحت مزاعم دعم الإرهاب. 

إزاء هذا الموقف أبلغ رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وزير خارجية الولايات المتحدة بومبيو أن السودان لن يمضى قدماً في تطبيع العلاقات مع إسرائيل إذا لم يصدر الكونغرس قانوناً بمنح الحصانة السيادية للسودان. ونقلت صحيفة النيويورك تايمز الصادرة في الأول من ديسمبر/كانون الأول الجاري أن البرهان عبّر عن هذا الموقف في أثناء المكالمة الهاتفية التي جرت بين الجانبين الأسبوع الماضي. 

وقد أكد بومبيو لرئيس مجلس السيادة السوداني خلال المحادثة الهاتفية أن الكونغرس سيصدر قانون الحصانة السيادية وأن البيت الأبيض يرتب لحفل توقيع الاتفاق بين الخرطوم وتل أبيب في واشنطن قبل نهاية ديسمبر/كانون الأول الجاري. ويتسق ذلك مع مجريات جولة بومبيو العربية التي أعقبه فيها كوشنر مستشار وصهر الرئيس ترمب لتسريع عملية التطبيع مع إسرائيل وتضييق الحصار علي طهران وجرها إلى دائرة الاستفزاز ورد الفعل قبل تسلم بايدن مقاليد الرئاسة في يناير/كانون الثاني القادم. 

لكن في المقابل وعلى الرغم من وعود بومبيو المتفائلة تشير التكهنات داخل أروقة الكونغرس إلى أن اثنين من كبار أعضاء مجلس الشيوخ هما روبرت ميننديز عضو لجنة العلاقات الخارجية من الحزب الديمقراطي وجينك شومر رئيس الأقلية الديمقراطية في المجلس، يعارضان منح الحكومة السودانية أي حصانة سيادية قبل أن يتمكن ضحايا "تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول" من مقاضاة السودان أمام المحاكم الأمريكية.

وهنا تعمل الإدارة الأمريكية على إحداث تفاهم مع الكونغرس للتوفيق بين الموقفين المتعارضين: إكمال مسيرة تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ومنح الحصانة السيادية للسودان لحمايته من أي قضايا مستقبلية. ومن ناحية أخرى تثبيت حق أسر ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول في الحصول على تعويضات لأكثر من3آلاف شخص حسب إجراءات التقاضي وأحكام المحاكم الأمريكية، بما في ذلك استخدام قانون "جاستا" المثير للجدل.

يحاول بعض أعضاء الكونغرس الحفاظ على الصفقة من الانهيار مع تشدد السودان في ضرورة صدور قانون الحماية قبل إكمال مسيرة التطبيع مع إسرائيل. ولعل الحل المطروح على الطاولة هو التوصل إلى تسوية مقبولة خارج المحاكم لتعويض أسر ضحايا 11 سبتمبر/أيلول بمساعدة الإدارة الأمريكية، وتوفير مصادر لدفع هذه التعويضات من الدول الصديقة في الخليج أو من خلال الصناديق المخصصة في أمريكا لتعويض ضحايا الهجمات الإرهابية.

وكشف مصدر مطلع في الكونغرس لصحيفة النيويورك تايمز أنه يمكن التوصل إلى تسوية مقبولة لجميع الأطراف على أن يجري تضمين ذلك في قانون تفويض الإنفاق العسكري الذي لا يزال في دائرة النقاش في الكونغرس. 

ويثير الرئيس ترمب إشكالات حول هذا القانون إذ يطالب بإسقاط الفصل 230 من قانون التفويض المالي الذي يمنح الحصانة لكبرى شركات التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتوتير ضد مقاضاتها أمام المحاكم لنشر آراء مشتركيها بدعوى تهديد الأمن القومي وتعطيل حرية التعبير.

يعزو كثير من المحللين التقاطعات الراهنة والمحاولات الجارية لإنقاذ صفقة التطبيع بين الخرطوم وتل أبيب من الفشل إلى أساليب الضغط والجبر والإكراه الدبلوماسية التي مارستها واشنطن على الخرطوم واستخدامها كعامل ضغط في الانتخابات الأمريكية التي فشل ترمب فى الفوز بها. 

وأثارت صحف أمريكية وإسرائيلية مثل الواشنطن بوست وجيروزاليم بوست وغيرهما من قبل شكوكاً كبيرة حول جدوى ضغط السودان للتطبيع بخاصة في ظل التوقيت الحرج مما يقوض عملية الانتقال والتحول الديمقراطي في الخرطوم، وذلك بتقوية المكون العسكري في الشراكة السياسية وإضعاف المكون المدني بقيادة حمدوك رئيس الوزراء الذي ظل ينكر أي صلة له بملف التطبيع. 

تزداد الأوضاع الاقتصادية تدهوراً في السودان مع ندرة توافر السلع والخدمات الاساسية، وكذلك دخول أكثر من 43 ألفاً من اللاجئين الإثيوبيين الفارين من حرب إقليم التيغراي الى الإقليم الشرقي في السودان.

وأصبح الأمل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد السوداني من التدهور وإفلاته من حالة الانهيار مع وصول معدلات التضخم إلي ثلاثة أرقام هو إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ومنحه الحصانة السيادية، مما يوفر له قروضاً ضرورية وعاجلة من المؤسسات المالية الدولية بعد التعاون الفني الجاري مع البنك الدولي، وكذلك اجتذاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وتبادل التحويلات البنكية بين السودان وبقية دول العالم وإعادة إدماج السودان في الاقتصاد العالمي. 

لم تفصح الحكومة السودانية عن طبيعة المحادثات التي جرت الأسبوع الماضي بالعاصمة الخرطوم مع الوفد الإسرائيلي الزائر من أجل تأطير مستقبل التعاون بين البلدين. لكن حسب التصريحات والتسريبات فقد أبدى الوفد الإسرائيلي اهتماماً بمنظومة الصناعات الدفاعية وزار المصنع جنوب الخرطوم مما أثار استغراب المراقبين والمحللين في الخرطوم. 

وبفضل القاعدة التصنيعية لمنظومة الصناعات الدفاعية يحتل السودان موقعاً متقدماً ضمن أكثر الدول تصديراً للسلاح التقليدي في إفريقيا بعد جنوب إفريقيا ومصر. 

وكانت إسرائيل قد ضربت المصنع قبل سنوات مضت بحجة تصديره أسلحة إلى حركة حماس في الأراضي المحتلة عن طريق البحر الأحمر. وفى السياق ذاته قال الرئيس البرهان في تصريحات صحفية إن الحكومة تعاني في الحصول على التكنولوجيا والمواد الخام لتطوير الصناعات الدفاعية بسبب العقوبات الأمريكية. 

إن الخط الفاصل بين نجاح وفشل عملية التطبيع بين السودان وإسرائيل في هذا التوقيت الحرج عند نهاية فترة إدارة الرئيس ترمب تكمن في طبيعة التسوية التي يمكن التوصل إليها داخل الكونغرس لضمان تعويض ضحايا تفجيرات11سبتمبر/أيلول، وتوفير مصادر آخرى لدفع التعويضات خارج ميزانية حكومة السودان التي تواجه شبح الانهيار المالي والاقتصادي. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRT عربي.

TRT عربي