بحارة إسرائيليون ينظرون من زورق دورية إلى سفينة حربية Saar-6 ، وهي سفينة حربية يطلق عليها اسم "Shield". (Reuters)

في الوقت ذاته كشف هذا التصعيد الإيراني-الإسرائيلي عن خلافات داخل الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية حول طبيعة الردّ المطلوب بعد الهجوم على السفينة الإسرائيلية قبل أسبوعين، لأن أوساطاً نافذة في المؤسستين العسكرية والأمنية الإسرائيلية تنتقد بشكل متزايد الطريقة التي يدير بها رئيس الحكومة ورئيس الموساد حملتهما ضدّ إيران، بمعزل عن التوافق مع جميع مكونات ودوائر صنع القرار الإسرائيلي.

مكمن الخلافات داخل الجيش الإسرائيلي مع الأجهزة الأمنية يتعلق بسير الحملة ضد إيران، وردود الفعل على مهاجمة السفن، إذ يطالب المنتقدون بأن تكون الهجمات سرية وغامضة، وغير مباشرة، دون أن تعرّض المصالح الإسرائيلية للخطر، لأن هذه المرحلة أنشأت وضعاً أمنياً معقداً لا يمكن تجاهله، لأنه يعرّض السفن الإسرائيلية للاستهداف.

أكثر من ذلك، فإن التحفظ العسكري والأمني الإسرائيلي يرى أن العمليات الصاخبة قد تجرّ إسرائيل إلى حرب مع إيران، بلا تأكد مما إذا كان ضرورياً، لأن المواجهة بينهما تقوم على السرية التي تتيح لهما مساحة من الإنكار، رغم أن العمليات الإسرائيلية في الساحة البحرية مثل ضرب سفينة بعيدة لا تشكل خطراً مباشراً، لكنها تشجّع طهران على الردّ، وتعريض المصالح الإسرائيلية الحساسة للخطر، وقد تقوّض شرعية هجماتها في سوريا.

مع العلم أن الأضرار التي لحقت بالسفينة الإيرانية في البحر الأحمر تشير إلى تغيير جذري في سياسة النشاط العسكري الإسرائيلي تجاه إيران، لأن هذا الهجوم أدَّى إلى تعميق الحملة البحرية المفتوحة معها، وعلى عكس الماضي فقد اختفت السرية، وتراجعت القدرة على إنكار هذه النشاطات العسكرية.

في الوقت ذاته فإن متابعي الهجمات الإسرائيلية في المنطقة يرونها مؤشراً على إلغاء قدرة إيران على إنكارها، مما يجعل هذه الخطوة مصدر غموض لها، وعند القيام بذلك يتم انتهاك السرية الحرجة لهذه الحملة، لذلك يتم توجيه أصابع الاتهام بسرعة إلى إسرائيل، وإذا نظرنا إلى الوراء في الأشهر القليلة الماضية، فسنكتشف أن غلاف الغموض قد تحطم قبل ذلك، عندما ضربت إسرائيل ناقلات نفط إيرانية.

لقد نفّذَت إسرائيل 12 هجوماً ضد أهداف إيرانية، ورداً على ذلك، وفي خطوة غير عادية، قرّر الإيرانيون ضرب سفن إسرائيلية في عُرض البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي، رغم أن الهجمات الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية مثار انتقاد الخبراء العسكريين، فالحرس الثوري لا يزال يسعى للانتقام المرير لاغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ومهندس المشروع النووي الإيراني محسن فخري زاده.

هنا يُطرح التساؤل عن وجود نية إسرائيلية متعمدة للدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، التي استمرت لعقود، واعتمدت على السرية التي تسمح لهما بالحفاظ على إبقاء المواجهة على نار صغيرة خاضعة للرقابة، وعميقة في الظل، حتى لا يتم الانجرار إلى حرب لا تحتاجان إليها، وقد يكون لديهما الكثير مما سيخسرانه، علما بأن ذات الحملة السرية تتم بشكل شبه حصري بإطلاق الصواريخ ووضع الألغام.

الخلاصة الإسرائيلية أن الوضع المعقد الذي وجدت إيران نفسها فيه بعد الهجمات الإسرائيلية، لا سيما آخرها بمهاجمة منشأة نطنز النووية، يتطلب منها الرد بنسخة "العين بالعين"، مما يجعل الوضع حرباً حقيقية على ممرات الشحن، وهذا واقع أمني يتطلب من السفن الإسرائيلية التفكير بعمق، إذ تجاوز الإيرانيون الخطوط الحمراء، مما مثّل تغيُّراً في سياستهم، والسؤال هو: هل تنوي إسرائيل دخول مواجهة مباشرة مع إيران بما يعرّض مناطقها الحساسة للخطر، فـ98% من وارداتها تأتي بحراً؟

من أجل كل ذلك، تعيش الأوساط الأمنية والسياسية والعسكرية الإسرائيلية عاصفة كبيرة، عقب ما أعلنه بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة، عن "شبه التبنِّي" لمهاجمة مفاعل نطنز النووي الإيراني، واعتبار ذلك خرقاً لمبدأ السرية والغموض الذي وجّه كل العمليات الإسرائيلية، مما دفع وزير الحرب بيني غانتس إلى الإعلان أن التسريبات لم تأتِ من مكتبه، أو من الجيش، ومن المتوقع أن يأمر بفتح تحقيق في تسريب هذه التقارير، لأن المؤسسة العسكرية غير معتادة هذا الكشف، وما حصل مخالف لسياسة الغموض، وقد يدفع طهران إلى أن تعلن الانتقام من إسرائيل.

يعتقد الإسرائيليون أن مهاجمة منشأة نطنز لن تخرّب المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أن المستوى السياسي في تل أبيب أحدث تغييراً في سياسته التفسيرية والتصريحية في السنوات الأخيرة، وهذه السياسة يقودها رئيس الوزراء، الذي تحدث بشكل لا لبس فيه، لذلك من الواضح أن في هذا الشأن سياسة جديدة، لأنه منذ وقت ليس ببعيد لم تكن نشاطات تحملت إسرائيل مسؤوليتها، وهذه التسريبات من شأنها أن تحدّ قدرة إسرائيل على إدارة سياسة هجومية نشطة، ليس ذلك فقط، بل أيضاً المحادثات السرية التي قد تخوضها في ظل الظروف التي تطرأ بين حين وآخر.

استهداف عسكري بطعم تخريب سياسي

في الوقت ذاته، يصعب على أي منا عدم الربط بين الاستهدافات الإسرائيلية المتزايدة للمنشآت والسفن الإيرانية بمعزل عن المباحثات النووية الجارية في فيينا بين إيران والقوى العظمى، وتل أبيب لا تخفي انزعاجها من هذه المفاوضات لأنها سينجم عنها اتفاق نووي جديد على صيغة 2015، يمنح طهران مزيداً من الأريحية والوقت، ويرفع عنها العقوبات الدولية.

التفاصيل الميدانية، بخاصة في الخليج العربي والبحرين الأحمر والمتوسط، باتت مثيرة للاهتمام، ومهمة بنفس القدر، فالباخرة الإيرانية التي تعرضت للقصف هي قاعدة بحرية عائمة للحرس الثوري الإيراني قبالة سواحل اليمن وجيبوتي، وتعمل في البحر الأحمر بالتنسيق مع الجهات الدولية، وهي عامل دعم لوجستي بحري لإيران، بما يخدم مصالحها.

وهذه السفينة توفّر من خلال القوارب السريعة على متنها، وإبحار أفراد الحرس الثوري بها، الحماية لناقلات النفط الإيرانية، أو سفن أسلحتها المبحرة عبر قناة السويس إلى البحر الأحمر لتهريب حمولتها إلى سوريا ولبنان، ويعلم الإيرانيون أن الأمريكيين وإسرائيل موجودون في المنطقة، لذلك يؤمّنون سفنهم باستخدام السفن السريعة.

هذه السفينة الإيرانية تجمع معلومات استخبارية عن السفن السعودية التي تفرض الحظر البحري على الحوثيين في اليمن، وتمنع وصول المساعدات إليهم، والسفينة لا تبحر من ميناء إلى ميناء، بل ترسو عادةً قبالة الساحل اليمني على بعد 1600 كلم جنوب إسرائيل، وتقدّم خدمات متنوعة للحوثيين في اليمن، وتهدف إلى تهريب النفط، ونقل الأسلحة إلى أذرع إيران في المنطقة.

الافتراض السائد الذي ينسب مهاجمة سفينة الحرس الثوري إلى إسرائيل يحمل ثلاثة أهداف: الأول الانتقام من استهداف السفينة الإسرائيلية في مياه بحر العرب في طريقها من تنزانيا إلى الهند، والثاني ردع الإيرانيين والتوضيح لهم أن إسرائيل لها نفوذ بحري في البحرين الأحمر والمتوسط، ومن الأفضل لهم عدم محاولة الإضرار بسفنها في المناطق القريبة من شواطئهم، بخاصة في الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب.

أما الهدف الثالث فهو التوضيح للأمريكيين أن إسرائيل ستواصل حربها على النفوذ الإيراني، وأنشطتها في جميع أنحاء المنطقة في سوريا ولبنان والعراق واليمن، رغم أن الأمريكيين يبذلون الآن جهوداً جبارة للتصالح مع إيران، وهذه هي نقطة الارتباط بين محادثات البرنامج النووي الإيراني في فيينا والحرب البحرية الدائرة.

لا يتردد الإسرائيليون في الإشارة إلى أنهم اليوم في أسوأ وضع دبلوماسي، بخاصة بسبب علاقات نتنياهو الضعيفة مع الإدارة الأمريكية الحالية، لكن عمليتهم العسكرية على بعد آلاف من أميالها البحرية مسألة لافتة، وهذه الحرب البحرية قد تتصاعد، وتنطوي على مخاطر قليلة، لأن عطلاً واحداً يكفي لإغراق سفينة إيرانية أو إسرائيلية، ثم يمكن أن تتصاعد المواجهة السرية إلى صراع مفتوح.

في هذه الحالة، تبرز الخلاصة التي لا تنساها محافل الأمن والاستخبارات الإسرائيلية، وتتعلق باقتناعها بأن لدى إيران القدرة على إحداث ضرر كبير لها، كأن تختطف إسرائيليين، ولن تكون المرة الأولى، وإيذاء المؤسسات اليهودية في الخارج، وهذه أيضاً لن تكون المرة الأولى، وقد ترفع مستوى ردودها على إسرائيل، بحيث تصل إلى أعلى مستوى، من خلال إطلاق الصواريخ عليها، وهذا يعني الوصول إلى خط اللا رجعة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي