معاجرون مغاربة أطفال على الحدود مع مدينة سبتة (Others)

فهذه الصورة التي طافت حول العالم في دقائق معدودات، عصر يوم الاثنين 17 مايو/أيار، جسدت بحق فقدان أم مغربية الأمل في الحياة، اختارت حمل رضيعها على ظهرها وركوب المغامرة سباحة نحو المجهول.

أمثالها كانوا ثمانية آلاف من الشبان، ثلثهم من القاصرين، تحينوا الفرصة وركبوا أمواج البحر العاتية في هجرة جماعية، انطلاقاً من الساحل المغربي في اتجاه مدينة سبتة الواقعة على نفس الساحل عند مدخل البحر المتوسط على مضيق جبل طارق.

كثير من المداد سال حول ظروف هذه الهجرة غير المسبوقة وصورها المعبّرة. البعض رأى فيها ابتزازاً سياسياً مغربياً لإسبانيا رداً على ما اعتبر خذلاناً إسبانياً للمغرب ولقضيته الوطنية.

وهو طرح له مبرراته في ظل المناكفات السياسية بين البلدين، على خلفية استقبال إسبانيا في أبريل/نيسان الماضي لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، للعلاج في أحد مستشفياتها التي دخلها بجواز سفر جزائري، وباسم مستعار، تفادياً للمتابعة القضائية التي تلحقه في قضايا جرمية مرفوعة ضده أمام القضاء الإسباني.

ولم تنف حكومة مدريد صحة ذلك، بل إن وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشا غونزاليث لايا عللت موقف بلادها بوجود "اعتبارات إنسانية بحتة".

أما المغرب فاعتبر ذلك "عملاً متعمداً ستكون له تداعياته". ولا أدري ما إن كانت صور هذه التراجيديا للهجرة واحدة من تلك التداعيات، وفق ما ذهبت إليه أغلب التحليلات في وسائل الإعلام الأوروبي، غير أن منطق حرص الدولة على سلامة أفرادها المكفول دستورياً يدحض ذلك جملة وتفصيلاً.

إذ كيف يعقل أن يرمي بلد بفلذات أكباده في البحر ليواجهوا موتاً محققاً؟! وإن حدث فعلاً فتلك إساءة حضارية.

وجلي أن هذه الفرضية التي وجدت لها صدى إعلامياً، قد اختزلت الوضع بشكل أضر بصورة المغرب. كما غيبت بعضاً من أطراف المعادلة التي يستقيم معها التحليل.

وأول تلك الأطراف أن فصول الهجرة غير القانونية من معبر سبتة ليست جديدة، بل تكررت مرات ومرات خلال السنوات الماضية، سواء من قبل شبان مغاربة أو من قبل لاجئين أفارقة يبحثون عن ملاذ آمن في القارة العجوز.

وفي جميع تلك المغامرات ساهمت غفوة حراس الحدود المغاربة والإسبان، على حد سواء، وكذلك الأوضاع المعيشية المتردية لهؤلاء داخل البلدان الإفريقية في نجاح عبور موجات بشرية نحو " الفردوس المنشود".

ولم يفلح بناء سور ممتد على مسافة ثمانية كيلومترات، شيدته إسبانيا في عام 2001 بمساعدة أوروبية، ووضعت عليه الأسلاك الشائكة والكاميرات وأجهزة الاستشعار الحرارية، في صد المتسللين.

الواضح أيضاً أن أعداد المتسللين هذه المرة كانت الأضخم مقارنة بحالات مشابهة مسبقاً، وأن غالبيتهم من القاصرين المنتمين للمدن والقرى المتاخمة لمدينة سبتة.

والواضح أيضاً أن هناك مؤشرات سبقت هذه المغامرة ترجمتها المظاهرات التي خاضها العاطلون عن العمل في قرية الفنيدق القريبة من سبتة خلال الشهور الماضية، بسبب القيود التي فرضتها السلطات المغربية جراء تفشي فيروس كورونا المستجد، الأمر الذي أدى إلى التأثير على عيش جزء كبير من السكان.

وكان من أبرز تلك القيود تجفيف منابع نشاط تهريب السلع الإسبانية نحو أسواق قرية الفنيدق انطلاقاً من الجيوب الإسبانية في سبتة ومليلية، علماً بأن هذا النشاط غير القانوني يشكل مصدر الدخل الوحيد لسكان تلك المناطق.

ولم تستثن إجراءات الإغلاق الصحي باقي المغاربة من تبعات ذلك، حيث فقد نحو 600 ألف شخص وظائفهم وأعمالهم التجارية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، ليرتفع بذلك عدد العاطلين عن العمل إلى نحو مليون ونصف المليون شخص. وهذا التعليل ساندته بقوة تصريحات المتسللين أنفسهم، وقت ضبطهم داخل مدينة سبتة، حيث أكد جلهم أن الفقر المدقع والمستقبل المجهول هما سببان رئيسيان في ركوبهم لهذه المغامرة، وشقهم لأمواج البحر بحثاً عن طوق نجاة داخل أوروبا.

وهذه حقيقة لا تحجبها الدولة المغربية التي تعترف على لسان المفوضية العليا للتخطيط بأن 20% من سكان المغرب هم فقراء لا يتجاوز متوسط دخلهم الشهري 50 دولاراً أمريكياً.

ولعل هذه الحقيقة غابت عن المفوضية الأوروبية حين محاولتها توصيف الحالة، كما غيبت أيضاً في مواقف أغلب ساستها الذين تناسوا شكل خريطة الاتحاد الأوروبي الرسمية ليكشفوا، وللمرة الأولى، عن أن سبتة ومليلية تشكلان أقصى الحدود الجنوبية لأوروبا. وتلك سابقة لم تسجل من قبل لهذا الاتحاد الذي طالما وصف المغرب بالشريك الاستراتيجي.

ولمن نسي أو تناسى فصلاً من فصول الاستعمار الإسباني للمغرب، وجب التذكير بأن إسبانيا احتفظت بمدينة سبتة بعد استقلال المغرب عنها في عام 1956، ومتعت المدينة بحكم ذاتي في عام 1995، لكن ذلك لم يخلص سلطات مدريد من عقدة سبتة ومليلية في علاقاتها مع الجار المغربي الذي يعتبر عودة المدينتين إلى السيادة المغربية آتية لا ريب فيها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي