بعد سنة من انطلاق تظاهرات تشرين، لا تزال الطبقة السياسية الحاكمة متمسّكة بمواقعها وتحاول ترويض "الثورة" وابتزاز ناشطيها أو الاستمرار في تصفيتهم.

في مساء الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019، كنت في سيارة لأحد جيراني الشباب، بصحبة صديقين شابين له، في طريقي إلى مطار بغداد، وكان هذا الجار الشاب قد تبرّع لإيصالي إلى المطار في رحلتي إلى مدينة ياش الرومانية لحفل توقيع الطبعة الرومانية من روايتي "فرانكشتاين في بغداد" والمشاركة في مجموعة من الفاعليات الثقافية هناك.

كنت أعرف هذا الجار الشاب جيداً وأعرف صديقيه، ولم يكن لهم حسب علمي أي تعليق سياسي واضح على الأحداث الصاخبة في العراق في السنوات السابقة، ولكنهم خلال الطريق الذي استغرق نحو ساعة حتى حدود ساحة عباس بن فرناس، التي ينتهي عندها طريق سيارات الأجرة للمسافرين من المطار، كان هؤلاء الشباب منهمكين في التعليق على أحداث هذا اليوم المثير، لا لأنهم شاهدوا ما جرى في ساحة التحرير والساحات العراقية الأخرى من أحداث على شاشات التلفزيون أو فيسبوك، وإنما لأنهم كانوا في وسط التظاهرات، تعرضوا للغازات المسيلة للدموع وشاهدوا بوادر القمع الوحشي للاحتجاجات الشعبية التي عُرفت فيما بعد بانتفاضة -أو ثورة- تشرين.

خلال طريق الرحلة من مطار بغداد حتى مطار إسطنبول التي علقت فيها ليوم كامل بسبب تغييرات في مواعيد الرحلة إلى العاصمة الرومانية بوخارست، كنت أتابع الصفحات العراقية على مواقع التواصل، وأحاول تجميع صورة شاملة لمشهد الأحداث.

قبل أن ينتهي يوم الأول من أكتوبر/تشرين الأول، كنت شاهدت العلم العراقي الملوث بدماء المتظاهرين الذين قتلوا برصاص الأجهزة الأمنية العراقية، وكتبت إدانة لهذا الحدث المروّع. ولم يكن في بالي أن ذروة الجريمة كانت لا تزال في الأمام، في الأيام والأسابيع اللاحقة.

كان الأسبوع الأول عصيباً حتى انتهاء الموجة الأولى من التظاهرات. تزايد القتل العلني الصريح في شوارع بغداد ومدن الجنوب العراقي، قطع للنت وعزل للعراق عن العالم، وسريعاً صار في ذهني استدعاء لمشاهد في الذاكرة، من أحداث قمع انتفاضة 1991 في زمن نظام صدّام، لأنني كنت شاهداً عليها، حين كنت بعمر يقارب عمر جاري الشاب وأصدقائه.

لقد تعامل النظام السياسي وممثله "حكومة عادل عبد المهدي" مع تظاهرات شباب يحملون أعلاماً عراقية فقط، على أنها تحركات عسكرية، وأن هؤلاء الشباب هم أعداء للنظام السياسي، وتصرّف معهم بأعلى مستويات الوحشية غير المعقولة أو المبرّرة.

ومن حيث لا تقصد، فإن حكومة عبد المهدي وتحالف الأحزاب الإسلامية من خلفه، تصرّفت وفق تصوّر أنهم أمام ثورة مضادة للنظام، وعزّزوا انفصالهم عن المحيط الاجتماعي الغاضب، وأعطوا مبررات وأدلة متزايدة للشباب بأنهم بصدد القيام بثورة فعلاً لا مجرد تظاهرات.

الشباب الذين جرى التعامل معهم على أنهم أعداء وقتل العشرات منهم في الأسبوع الأول من الحراك الاحتجاجي، كان من الممكن أن يتراجعوا أمام آلة القتل المنفلتة التي واجهتهم، كذلك فإن "العملاء" و"المخرّبين" حسب ادعاء الحكومة، لا يصلون إلى حدود الثبات في الساحات على الرغم من استمرار عمليات القتل.

و"المغرّر بهم" حسب توصيف الحكومة أيضاً، يمكن أن تنقشع عنهم غيمة الوهم أو التغرير بعد يوم أو يومين من المواجهة الدامية، لا أن يثبتوا على مدى أشهر.

كل المعطيات كانت تقول بجلاء ووضوح أن حقيقة المشهد ليس كما تدّعي الحكومة وداعموها من زعماء الفصائل الإسلامية الراديكالية، وأن الأمر ليس مؤامرة خارجية تستهدف النظام السياسي العراقي، وإنما هو حراك شعبي ناتج عن ظروف داخلية خانقة وصعبة، تتمحور حول الخدمات والبطالة وانعدام الأفق الاقتصادي بالنسبة إلى آلاف من الشباب العاطلين عن العمل، وعلاقة كلّ ذلك باستلاب الإرادة الوطنية عند الطبقة السياسية الحاكمة، وربط العراق بعلاقة غير متكافئة بمصالح دول خارجية، أهمها أمريكا وإيران.

لقد وقفت أمريكا في واقع الحال على الحياد في أيام الانتفاضة الأولى، كما كانت الخطبة الأولى لمرجعية النجف عقب الأحداث الدامية في ساحات التظاهر تبدو باردة وتحاول الموازنة ما بين كفتَي المتظاهرين والحكومة. وظلّت الأطراف السياسية العراقية في أغلبها متردّدة في تأييد التظاهرات، أو جابهتها بموقف عدائي، حتى التيار الصدري الذي كانت قواعده الشعبية قد شاركت في التظاهرات من دون إذن من القيادات السياسية، فكانوا ينظرون إلى هذه التظاهرات في بدايتها على أنها عمل عدائي ضدّهم، بما أنهم عمود أساسي قامت عليه حكومة عبد المهدي.

في واقع الحال كان الصدريون مع حلفائهم في قائمة الفتح التي تضمّ حلفاء إيران، مشغولين في تلك الأوقات بترتيب وراثة حزب الدعوة، وتحديداً تقاسُم مناصب "الدولة العميقة" من مناصب وكلاء الوزارات والمديرين العامّين والدرجات الخاصة، وكانوا يغوصون في نفق عميق من التعقيدات حول الحصص حين اندلعت تظاهرات تشرين.

كانت تشرين، على وفق هذا الوصف، وحيدة تماماً، انطلقت في غفلة من النخبة السياسية الحاكمة، وسوء تقدير من كل الأطراف المراقبة، واستهانة بقدرة الشباب الصغار على صناعة حدث وطني هو الأبرز، في تقديري، منذ إسقاط نظام صدّام حتى اليوم.

إنه الحدث الوطني الأبرز، ليس لأنه هبط من السماء، وإنما بسبب عوامل عديدة على الأرض كانت تتفاعل، لعلّ أخطاء حكومة عبد المهدي ما كانت إلا قدح الشرارة لها، أما العوامل الصلبة والثقيلة فهي ترتبط بالفشل العام للنظام السياسي في إنتاج دولة فعّالة، تستطيع مسايرة الحراك الاجتماعي والمطالب الحيوية للأفراد، وفشل هذا النظام في الإنصات إلى التغيرات العميقة التي تحدث في المجتمع، والتحسُّب لتحوُّل هذه التغيرات إلى مشكلة ووضع الحلول والخطط لمعالجتها مسبقاً، قبل أن تتفاقم وتنفجر في وجه النظام السياسي.

لعل من العوامل الصلبة الأساسية أن المجتمع العراقي، والشيعي تحديداً، كان يعطي الإشارات تلو الأخرى على ضيقه من التوصيف الطائفي، وأن أدبيات الصراع الطائفي التي استهلكت جزءاً كبيراً من عمر النظام السياسي العراقي الجديد ما بعد صدّام، ما عادت قادرة على تشغيل شيء، لا الحماسة الانتخابية ولا الشعور بالإنجاز السياسي، وكان هذا واضحاً عشية انتخابات 2018، التي استجابت شكلياً لضغط الشارع في تظاهراته الناقدة للأحزاب الإسلامية الحاكمة، وتطلعه إلى ممثلين سياسيين جدد "غير إسلاميين" بما قد يتضمنه هذا الوصف من طيف موشوري واسع يبدأ من العلمانية المتطرّفة وينتهي عند الإسلامية المعتدلة.

الاستجابة الشكلية لتبرُّم الناس من الإسلاميين لم تشجّع الناخبين على التوجه إلى صناديق الاقتراع، فكانت انتخابات 2018 من أسوأ الانتخابات وأقلها مقبولية من الجمهور العام، لأن النظام الانتخابي كان مصمَّماً لفوز الأحزاب الكبرى نفسها، وكان شعور الرفض لهذه الانتخابات قد تسرّب إلى مرجعية النجف فلم تحضّ الناس على الانتخاب وتركتهم مخيّرين في الانتخاب أو عدمه، ما فهمه الكثير من أتباع المرجعية على أنه إجازة بمقاطعة الانتخابات.

كانت الكيانات السياسية الكبرى مشغولة بمعركتها الخاصة، وأن تجعل القانون الانتخابي مناسباً لفوزها بأكبر عدد ممكن من المقاعد، لا إنجاز أي تغيير يقارب طموحات الشارع، كذلك فإن الإحاطة بالجمهور العام وفق تقسيمات ساحة الميول والاتجاهات عشية انتخابات 2018، كانت توحي برابطة قوية بين التيارات السياسية مع قاعدة لا بأس بها تمثل أغلبية الشارع السياسي العراقي. وبعبارة أوضح، كان في الساحة الشيعية جمهور للحشد الشعبي، وكان يفترض أن يذهب هذا الجمهور إلى انتخاب قائمة الفتح التي تضمّ أغلب التيارات السياسية المسلّحة الممثَّلة في الحشد الشعبي، وعلى الجهة المقابلة كان جمهور التظاهرات "المدنية/الصدرية" والمطالب بالتغيير أو "الإصلاح" وهو توصيف دأب عليه مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري.

وكلا التيارين كانا قد كوّنا خطابهما بالضد لسلطة حزب الدعوة الذي كان القائد التقليدي لنظام ما بعد صدام حسين. فكيان الفتح يضع نفسه بالضد لحكومة العبادي وخطابها المتوازن، وكيان الصدر "سائرون" يضع نفسه منذ 2008، بالضد لحزب الدعوة بالمجمل وأمينه العام نوري المالكي.

كان جمهور التظاهرات التشرينية الواسع صادماً لكلا التيّارين اللذين أخرجا حكومة عبد المهدي الكرتونية، التي هي مجرد ممثل شكلي لسلطة التيارين الأكبرين "الفتح وسائرون".

فهو جمهور من داخل الدائرة الاجتماعية "الشيعية" التي يفترض أنها خاضعة في أعمّها الأغلب لنفوذ التيارين الحاكمين، وعلى الرغم من مسارعة أقطاب هذين التيارين إلى اتهام المتظاهرين بأنهم "بعثية"، فإن من المستبعد أن يكون للبعثيين مثل هذا النفوذ الواسع بعد 17 عاماً على زواله، وكون المجتمع الشيعي يحمل ذاكرة سيئة عن البعث وسلطته التي نفذت مجزرة واسعة بحق الشيعة عقب انتفاضة 1991.

إن "التشرينيين" في واقع الأمر هم جمهور الواقع الذي رفضت النخبةُ السياسية الحاكمة رؤيته أو الاهتمام بمطالبه، واستصغرت شأنه، ومارست ضده شكلاً من التخويف بالسلاح المليشاوي أو التحشيد العقائدي الطائفي ضد أعداء خارجيين "يستهدفون الشيعة" وكون هذا الخطر أكثر أولوية من متطلبات يومية ملحّة كالكهرباء والماء الصالح للشرب والوظائف وتبليط الشوارع.

لم يكن جاري الشاب يحتاج إلى أن يعرف كل هذه الشروح لأسباب تظاهرات تشرين حتى يتحمّس للمشاركة فيها؛ كان يرى مثل آلاف مثله كيف تتسلّط نخبة المال والسلاح على منافذ الحياة الاقتصادية، ولا تقدّم حلولاً جديّة. وهم آلاف سئموا لوك الكلام نفسه من قبل السياسيين، ووصلوا إلى قناعة بأن الأيديولوجيات والعقائد لا توفّر الماء الصالح للشرب (مشكلة البصرة الأزلية، كمثال ليس إلا)، وأن الخطباء المفوّهين من السياسيين على شاشات القنوات الفضائية لم يكونوا بالضرورة صنّاع حلول لمشكلات المجتمع.

لقد استيقظ وعي أغلب شباب تشرين وهم لا يعرفون نظام صدّام، ولكنهم يعرفون بشكل جيّد فساد النخبة الحاكمة من الإسلاميين الذين يحكمونهم باسم الدين، لهذا لم يكونوا يحتاجون إلى قراءة الكتب الفكرية الناقدة للتيارات الإسلامية حتى يعرفوا أن هذه التيارات الحاكمة فاسدة وتجب إزاحتها من أجل التغيير.

بعد سنة من انطلاق تظاهرات تشرين، لا تزال الطبقة السياسية الحاكمة متمسّكة بمواقعها، وتحاول ترويض "الثورة" وابتزاز ناشطيها أو الاستمرار في تصفيتهم. وما هو أهم، لا تزال تفشل في إدراك حقيقة ما يجري في الواقع، وأن حدث تشرين في حد ذاته يمكن أن ينتهي وينفد زخمه، لكن التحول الذي أنجزته حصل وانتهى الأمر، وهو تحول يمكن أن يصنع عشرات "التشرينات" في المستقبل القريب.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً