وضع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك مساء الخميس 5 سبتمبر 2019م حدّاً لحالة غياب الحكومة التنفيذية في السودان لأكثر من أربعة أشهُر عقب سقوط نظام الرئيس البشير في 11 أبريل/نيسان الماضي

وهي المرة الأولى التي يشهد فيها السودان إدارة البلد من قبل مجلس عسكري دون حكومة تنفيذية منذ استقلاله عام 1956م.

تشير الخبرة السياسية السودانية إلى قدرة الأحزاب السياسية السودانية على تشكيل حكومات انتقالية مباشرة دون إرجاء عقب سقوط الأنظمة العسكرية في 1964م و1985م. وأتت المفارقة هذه المرة كون أن قيادة الاحتجاجات الشعبية لم تكُن بيد الأحزاب السياسية بل في يد تجمع المهنيين. والتجمع جسم ظل مجهول الهُوية والقيادة طوال شهور الثورة السودانية الأربعة التي انطلقت في 19 ديسمبر/كانون ثاني 2018م.

في سبيل إنجاح الاحتجاجات عمد تجمع المهنيين إلى تكوين تحالف سياسي واسع الطيف باسم قوى الحرية والتغيير لضمان دعم الإحزاب السياسية للحراك الجماهيري في الشارع ضد نظام الرئيس البشير. أتقن البشير مرة بعد مرة الإفلات من السقوط واحتواء المظاهرات المعارضة طوال الثلاثين سنة الماضية، إلا أن البشير سقط هذه المرة، وبسقوطه وجد تجمُّع المهنيين نفسه وجهاً لوجه مع الأحزاب السياسية العتيدة، وحتى لا يفقد التجمع السيطرة ظل على الدوم يهرب من مطلب حزب الأمة بضرورة تكوين جسم قيادة يتولى التفاوض مع المجلس العسكري برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لاتفاق على تسليم السُّلْطة للمدنيين وترتيبات الفترة الانتقالية.

ليلة أداء القسم قدم حمدوك خطاباً مُفعَماً بالثقة واليقين على قدرة السودانيين وحكومته المقبلة على النهوض بالبلاد.

وليد الطيب

وظلّ حالة عسر التحالف ملازمة لقوى الحرية والتغيير طوال فترة التفاوض بينها والمجلس العسكري، وبلغت أزمة قوى الحرية والتغيير قمّتها بإعلان الحزب الشيوعي السوداني رفضه الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري وكذلك تحفظ القوى الإقليمية المسلَّحة المكونة للجبهة الثورية عليهما. في المقابل اختارت الأحزاب السياسية الأخرى الهروب إلى الأمام وكسر حالة الجمود وسمّت الخبير الاقتصادي عبد الله حمدوك رئيساً لمجلس الوزراء الانتقالي وهي الخطوة التي وجدت دعما وترحيباً من الشارع السوداني.

وليلة أداء القسم قدم حمدوك خطاباً مُفعَماً بالثقة واليقين على قدرة السودانيين وحكومته المقبلة على النهوض بالبلاد، وأنه لن يتواني في ردّ أي ترشيحات لوزراء لا يتّصفون بالكفاءة والتأهيل اللازم.

بهذا الخطاب المليء بالأمل وضع السودانيون حمدوك في كفَّة وقوى الحرية والتغيير في كفة وأبدوا استعداداً لدعمه لو أعلن حكومته دون التشاور حتى مع قوى الحرية والتغيير التي رشحته أول الأمر. واختار حمدوك السير في درب الصبر والتوافق إلى أن نجح في إعلان حكومته مساء الخميس الماضي.

ملامح التشكيل الوزاري

أعلن حمدوك أسماء 16 وزيرًا، فيما أرجأ تعيين وزيرَي الثروة الحيوانية والبنى التحتية، لمزيد من التشاور بعد أن تحفظ البيطريون على مرشَّح قوى الحرية والتغيير لشغل وزارة الثروة الحيوانية لارتباطه منذ المرحلة الجامعية بحزب المؤتمر الوطني بقيادة الرئيس المخلوع عمر البشير.

شملت الحكومة الجديدة 4 نسوة، ويشغلن وزارات: التعليم العالي، والخارجية، والشباب والرياضة، والعمل والتنمية الاجتماعية. وتُعَدّ السيدة أسماء هي السيدة السودانية الأولى التي تتولى حقيبة الخارجية منذ تأسيس الوزارة عقب الاستقلال. وهي دبلوماسية سابقة فصلتها حكومة البشير مطلع التسعينيات بحجة الفصل "للصالح العامّ" وعملت بعدها في عدد من المنظَّمات الدولية.

الجنرال محمد حمدان دجالو ، نائب رئيس المجلس العسكري ، اليمين ، و أحمد ربيع يوقعان اتفاقًا موقَّعًا في حفل حضره الاتحاد الأفريقي والوسطاء الإثيوبيون في العاصمة الخرطوم ، السودان ، الأحد ، 4 أغسطس / آب 2019. 
الجنرال محمد حمدان دجالو ، نائب رئيس المجلس العسكري ، اليمين ، و أحمد ربيع يوقعان اتفاقًا موقَّعًا في حفل حضره الاتحاد الأفريقي والوسطاء الإثيوبيون في العاصمة الخرطوم ، السودان ، الأحد ، 4 أغسطس / آب 2019.  (AP)

ويشير بعض المصادر إلى أن السيد حمدوك هو الذي رشّحها لهذا المنصب، ويراهن حمدوك على وزارة الخارجية الجديدة في إصلاح علاقات السودانية الخارجية، ورد البلاد إلى المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة الإجبارية.

بجانب أسماء يتولى الخبير الاقتصادي إبراهيم بدوي الوزارة السيادية الثانية وهي وزارة المالية، وهنا يظهر اعتماد حمدوك بصورة رئيسية على فريق عمل يثق به وبقدراته للتعاطي مع الملفات ذات الأولية في المرحلة المقبلة. فمشكلات السودان الرئيسية في العهد السابق في اقتصاده المأزوم وعلاقاته الخارجية العدائية.

يعلّق بعض الناشطين قائلين إن الثورة السودانية هي الثورة الأولى التي دفعت بوزراء غير ثوريين، وربما كان ذلك صحيحاً بمنظور الفعل الثوري السياسي للثورة، إلا أن التوجهات الاقتصادية لرئيس الوزراء ووزير ماليته ذات طابع ثوري يؤمن باقتصاد السوق.

تركت سنوات الإنقاذ إرثاً ثقيلاً في انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان والعدوان على حقوق المعارضيين السياسيين وأكثر من 200 قتيلًا في احتجاجات سبتمبر/أيلول 2013م وديسمبر/كانون أول 2018م، وملفات مُثقَلة بقضايا الفساد المالي والإداري، وللتعاطي مع هذه التركة قدم حمدوك الخبير القانوني الدكتور نصر الدين عبد الباري لولاية وزارة العدل.

يراهن حمدوك على وزارة الخارجية الجديدة في إصلاح علاقات السودانية الخارجية ورد البلاد إلى المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة الإجبارية.

وليد الطيب

ويشتهر عبد الباري باستقلاله السياسي ولم يُعرف له انتماء سياسي، نال الماجستير في القانون من جامعة هارفارد الشهيرة، وهو على وشك نيل الدكتوراه من جامعة جورجتاون.

وملامح التشكيل الوزاري الأخير تُظهِر اهتمام حمدوك بتمثيل متوازن للمرأة ولأقاليم السودان المختلفة. فالسيد عبد الباري ينحدر من إقليم دارفور ويحظى بقبول واسع عند الحركات المسلَّحة والناشطين السياسيين في الإقليم. وينتسب حمدوك نفسه ووزير المالية إلى إقليم كردفان، وتمثل ولاء البوشي وزيرة الشباب والرياضة الإقليم الأوسط. وينحدر عدد من الوزراء من شمال السودان.

ويؤكّد حمدوك حرصه على تمثيل شرق السودان ومناطق النيل الأزرق في الحكومة عبر وزارتي البنية التحتية والزراعة التي لم يُسَمِّ وزراءها بعد. وبجانب هؤلاء الوزراء المدنيين ضمت التشكيلة الوزارية اثنين من العسكريين لولاية وزارتي الدفاع والداخلية، وقد رشحتهما المؤسَّسة العسكرية بالبلاد كما يقضي الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري بين الحرية والتغيير والمجلس العسكري.

ورغم تأكيد حمدوك شرط التأهيل والكفاءة فإن قائمة الوزراء ضمّت القيادي بتجمُّع المهنيين مدني عباس مدني وزيراً للتجارة والصناعة، ومدني الذي ينشط في المنظَّمات غير الحكومية لا يُعرَف له اهتمام بالتجارة، كما لا علاقة لدراسته الجامعية بالصناعة. وقد أثارت تسمية مدني عباس مدني جدلاً كبيراً في أوساط الناشطين السودانيين، فالرجل بجانب ضعف تأهيله في اختصاص وزارته، فهو أيضًا عضو في وفد التفاوض مع المجلس العسكري، مِمَّا يجعله من الناحية الأخلاقية غير مناسب لشغل منصب في الحكومة التي نشأت بموجب تلك المفاوضات باعتباره صاحب مصلحة، مِمَّا يثير الشكوك في سلوكه التفاوضي.

في حديثه للصحفيين عقب إعلان الوزارة أكَّد حمدوك أولوية تحقيق العدالة والسلام، ويقتضي ذلك تفاوضاً مع الحركات المسلَّحة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودافور. وإن أي تفاوض يقتضي في ما يقتضي مسألتين أساسيتين، الأولى إدماج القوات المتمردة في الجيش السوداني وفق ترتيبات أمنية يتفق عليها، والمسألة الثانية ضمان تمثيل عادل لهم في المؤسَّسات السياسية للدولة في المستويين الإقليمي والاتِّحادي. فهل سيُفضِي البحث عن السلام إلى إخلاء مقاعد وزارية، أم يستدعي استحداث وزارات جديدة، أم سينهي حكومة حمدوك؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي