خالد مشعل رئيس حركة حماس في الخارج (TRT Arabi)

في إطلالة هي الثانية من نوعها على وسائل الإعلام الدولي منذ إعادة انتخابه رئيساً لحركة حماس في الخارج، وبعد أيام على بدء قوات الاحتلال عدوانها الشامل على قطاع غزة، وفي ما يبدو كجزء من مساعي حركة حماس تقديم روايتها عن التصعيد والعدوان الذي تمارسه "إسرائيل" بحقّ الشعب الفلسطيني ومقدَّساته، أجرت قناة TRT عربي لقاءً متلفزاً مع خالد مشعل استعرض خلالها رؤية حركة حماس لملامح المعادلة الجديدة التي تتشكّل بين قوى المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال، في ضوء المواجهة الحاصلة في جميع أماكن الوجود الفلسطيني، خصوصاً قطاع غزة.

عكس كلام مشعل مستوى عالياً من الثقة بقدرة حركته وبقية قوى المقاومة على تحقيق إنجاز ميداني في مواجهة آلة القتل الصهيوني رغم تأكيده فجوة القوة بين الجانبين.

إلا أنه في المقابل أشار إلى أن فلسفة قوى المقاومة تستند بالأساس إلى عدالة القضية وإرادة الشعب وعزم القيادة والأداء القتالي للمقاومين ومراكمة الإنجاز والنفَس الطويل، وجميعها اليوم شروط متحققة في المقاومة الفلسطينية، بما يمكّنها من إلجام الاحتلال وتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني، الذي لم تتأخّر قيادة المقاومة في الاستجابة لنداءاته في ساحات المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح بعد محاولات الاحتلال تغيير الوضع القائم في المدينة المقدَّسة.

في رسالته حمّل مشعل بشكل صريحٍ دولة الاحتلال مسؤولية التصعيد من خلال ما وصفه بـ"الاستفزازات" التي لا يمكن السكوت عنها، على رأسها المسّ بوضع المدينة المقدّسة ومكانة المسجد الأقصى، خصوصاً في أكثر الأوقات حساسية لمشاعر المسلمين، وهو شهر رمضان المبارك، وأكثر الأيام قدسية "ليلة القدر".

السردية التي قدّمها مشعل تأتي ردّاً محصَّناً بالحقائق على محاولات بعض الجهات، خصوصاً الغربية، تحميل حركة حماس مسؤولية بدء التصعيد الصهيوني المتواصل على كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديداً قطاع غزة، وفي إشارة ضمنية منه حاجَّ مشعل أولئك الذين لاموا حركة حماس على التدخل العسكري في الحدث المقدسي، على اعتبار أن من شأن ذلك صرف الأنظار عن النضال السلمي للمقدسيين.

وقد أوضح مشعل أن تجربتنا كفلسطينيين، كتجارب كل قوى التحرُّر في العالم، لا تعطي أي أمل بأن المجتمع الدولي يمكن أن "يلتفت إلى الضعفاء"، وأشار إلى أنّ القوى الدولية لم تتحرك لإيجاد حلّ إلا بعد أن أخذت المقاومة الفلسطينية على عاتقها مسؤولية الدفاع عن الشعب الفلسطيني ومقدَّساته الإسلامية والمسيحية في القدس، الأمر الذي رفع معنويات الشارع الفلسطيني، وأجَّج نضاله الشعبي في القدس، وامتدّ إلى كل الساحات الفلسطينية في الضّفّة وأراضي 48 والشتات الفلسطيني، ذلك أن الشعب الفلسطيني أدرك أن المقاومة تشكّل مظلة حماية وإسناد لانتفاضته الشعبية لا بديل منها كما يروّج البعض. وهي بمثابة رسالة قوية تكرّس فكرة وحدة النضال الفلسطيني وتكسر محاولات الاحتلالِ خلْقَ معادلات للفصل الجغرافي والسياسي والنضالي بين الفلسطينيين.

وكعادته وبأسلوب مباشر وشفَّاف، استعرض مشعل مسيرة حركة حماس وتطوير قدراتها العسكرية، موضّحاً أنها محصِّلة رحلة تصنيع استمرّت 20 عاماً ركيزتها الإصرار الفلسطيني، ونقل خبرات خارجية، وكذلك تهريب السلاح بوصفه حقّاً طبيعياً لحركات التحرر في مجابهة قوى الاحتلال والاستعمار.

في السياق ذاته، تَحدَّث مشعل عن فلسفة المقاومة لدى حركة حماس التي تستند إلى التجارب الإنسانية والقاعدة القرآنية في بناء القوة: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ"، ولم تشترط مبدأ التكافؤ في القوة للقتال.

فعلى الرغم من فجوة القوة بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال، فإن المقاومة ما زالت ترفع شارات النصر، فيما لم توفّر الترسانة العسكرية للاحتلال الطمأنينة، وهي ما ستعوّل عليه المقاومة في مُقبِل الأيام لوقف العدوان، وتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني.

ولعلّ في ذلك إشارة مهمّة إلى كل الذين يراهنون على عامل الوقت لإجبار المقاومة على التراجع، بأن لدى المقاومة ما يمكّنها من الصمود والتصدِّي، سواء بقوة عزيمتها وإرادتها، أو بما أعدّته من مقومات وقدرات لدفع الاحتلال إلى الكفّ عن عدوانه وجرائمه.

وفي معرض ردّه على محاولات تحميل حركة حماس مسؤولية التصعيد الحالي، تساءل مشعل عمّن يقف خلف تفجير الموقف في أراضي الداخل المحتلّ للعام 48، منبّهاً لخطورة المخططات "الإسرائيلية" تجاه فلسطينيي 48، وكاشفاً جزءاً من برامج المخابرات الصهيونية لاستهداف الوجود الفلسطيني من خلال نشر الجريمة والسلاح والسياسات العنصرية والعمل على إخراجهم عن القانون وعمليات الاغتيال والاعتقال التي تُفضي في نهاية المطاف إلى الترحيل والتطهير العرقي، بما يعكس إدراكاً عميقاً للخصوصية التي تمتّع بها فلسطينيو 48 في معادلة الصراع، من الاحتلال وطبيعة الدور المنوط بهم الذي يقضي بالصمود على أرضهم والحفاظ على هويتهم العربية الفلسطينية.

في معرض حديثه عن الاتصالات الجارية بشأن محاولات وقف العدوان الصهيوني، عبّر بوضوح عن رغبة حركة حماس في وقف العدوان، في مقابل التعنُّت الصهيوني الذي يواصل جرائمه وانتهاكاته بحقّ كل الفلسطينيين، وأن الحركة أظهرت حرصها على إنهاء جولة القتال الحالي بين المقاومة الفلسطينية و"اسرائيل" لجميع الأطراف ذات الصلة، مع الاحتفاظ بحقها في ممارسة المقاومة بكل أشكالها حتّى تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني، وتنطوي الرسائل التي أطلقها مشعل على أن الأولوية الأولى لحركة حماس تكمن في حماية الشعب الفلسطيني أمام آلة القتل الصهيوني، وأن كل جهودها الميدانية والسياسية تصبّ في تحقيق هدف وقف العدوان والجرائم الصهيونية.

من جانب آخر حثّ مشعل الشعب الفلسطيني على التكاتف والثقة بقدرة المقاومة، وطالب الحكومات بإسناد الموقف الفلسطيني لأنه أيضاً يمثّل قوة وعزّاً لأي حكومة تؤازر نضال الفلسطينيين.

كما وجّه رسالة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن المقاومة لا تريد هذا الصراع صراعاً دينياً في مقابل الرغبة الصهيونية في توظيف البعد الديني وتأجيج الصراع. وقال: "إننا ننطلق في صراعنا مع (اسرائيل) باعتبارها قوة احتلال وبوصفهم غزاة، لا يهوداً، ومع ذلك يشير إلى أن من حق الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين الحشد لقضيتهم انطلاقاً من ارتباطهم العَقَدي بالقدس وفلسطين عموماً، محذّراً من أن دولة الاحتلال باتت خطراً على السلام والأمن الدوليين.

إن أي قراءة منصفة لحديث خالد مشعل الذي يعكس في المحصلة موقف حركة حماس، تقودنا إلى استنتاج أننا أمام حركة تخطو سريعاً لتصبح المعبّر الأكثر قرباً عن آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني، مع وعي عميق لا تخطئه العين بالشرط الإقليمي والدولي ذي الصلة بالقضية الفلسطينية، الذي من شأنه أن يؤهلها لأن تصبح العنوان السياسي للفلسطينيين، جنباً إلى جنب مع شركائها من القوى الوطنية الفلسطينية، في مقدّمتهم حركة فتح.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي