مجلس السيادة السوداني (AA)

كما أكدت أنه غير آبه بالضغوط الغربية الكثيفة وموجة التظاهرات الرافضة لهذه الخطوة، مما يعني أن شتاء السودان هذا العام سيكون ساخناً.

وخلال أول اجتماع لمجلس السيادة الانتقالي نهار الأحد 14 نوفمبر/تشرين الثاني رحّب البرهان بالأعضاء الجدد، ووعد برؤية مستقبلية جديدة تحقّق أهداف ثورة ديسمبر/كانون الأول، وفي مقدمتها تنفيذ شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة، فيما تَعهَّد الأعضاء بتقديم نموذج أمثل في إدارة شؤون البلاد بصورة تُرضي الشعب السوداني، وتشكيل حكومة مدنية في الأيام القليلة القادمة.

اللافت للنظر أن مراسيم البرهان بتشكيل مجلس السيادة الانتقالي الذي ضمّ أربعة عشر شخصاً، جاءت بعد ما يزيد على أسبوعين من البيان الذي تلاه في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 وأعلن بمقتضاه حالة الطوارئ في البلاد وحلّ مجلسَي السيادة والوزراء، وتجميد بعض بنود الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية، وقد خلا مجلس السيادة الجديد من ممثّلي "قوى الحرية والتغيير"، وحلّ محلّهم ممثلون لأقاليم السودان بالإضافة إلى ممثلين للحركات الموقّعة على اتفاق جوبا للسلام، مما رجّح كفَّة المدنيين في المجلس الذين أصبحوا تسعة مقابل خمسة عسكريين.

تنظيف الملعب

في هدوء تامّ عمل الفريق البرهان منذ ما يزيد على أسبوعين على إنهاء سطوة الأحزاب الأربعة التي سيطرت على قوى إعلان "الحرية والتغيير"، واستولت على مفاصل الدولة والخدمة المدنية، وهي: "حزب البعث العربي الاشتراكي" و"حزب المؤتمر السوداني" و"التجمع الاتحادي" وجناح من "حزب الأمة" بقيادة وزيرة الخارجية السابقة مريم الصادق المهدي. فبالاضافة إلى عزل جميع وكلاء الوزارات أنهى البرهان خدمات نحو 500 من مديري المؤسسات والبنوك والمرافق الحكومية الحيوية الذين قامت قوى "الحرية والتغيير" بتعيينهم في وظائف قيادية، مما أفشل دعوات هذه الأحزاب المتكررة للعصيان المدني وتعطيل دولاب العمل الحكومي.

انقسام في الشارع السوداني

سادت حالة من الانقسام في الشارع السوداني إزاء قرارات البرهان، فقد خرجت مجموعات كبيرة في تظاهرات رافضة لها ومطالبة بالحكم المدني، وذلك في 31 أكتوبر/تشرين الأول وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، على الرغم من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة، والمتمثلة في حجب مواقع التواصل الاجتماعي وقطع خدمة الإنترنت، وإغلاق الجسور الرابطة بين مدن الخرطوم الثلاث، ولكن الملاحَظ أن هذه التظاهرات لم تكُن على درجة عالية من التنظيم وتفتقر إلى القيادة الميدانية.

واللافت أيضاً أن مواكب 13 نوفمبر/تشرين الثاني انحرفت عن السلمية، فقد أعلن التليفزيون الرسمي أن المتظاهرين في بعض المناطق اعتدوا على مراكز الشرطة وأحرقوا عدداً من سياراتها، فيما حظيت هذه التظاهرات بتشجيع ودعم السفارات الغربية في الخرطوم. عقب التظاهرات صرّح المستشار الإعلامي للقائد العامّ للقوات المسلحة بأن تظاهرات السبت 13 نوفمبر/تشرين الثاني حرّرَت شهادة وفاة للقوى التي تدّعي أنها تمتلك الشارع، في إشارة إلى قوى "إعلان الحرية والتغيير".

في مقابل التظاهرات الرافضة لقرارات قائد الجيش الفريق البرهان شهد الشارع السوداني خلال الأسبوعين الماضيين مسيرات مؤيّدة لها في العاصمة الخرطوم وفي عدد من عواصم الولايات، يضاف إليها المجموعات التي اعتصمت أمام القصر الرئاسي بالخرطوم منذ 16 أكتوبر/تشرين الأول المطالبة بإقالة حكومة د.حمدوك وتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم، ولم ينفضّ الاعتصام من أمام القصر إلا بعد صدور قرارات الفريق البرهان، يُضاف إلى هؤلاء أنصار المجلس "الأعلى لنظارات البجا" الذين أغلقوا ميناء بورتسودان على البحر الأحمر.

غضب غربي

أما الغضب الغربي من قرارات قائد الجيش السوداني فتجسّده حالة "الهستريا" التي أصابت السفير البريطاني في الخرطوم جايلز ليفر الذي تَحوَّل من دبلوماسي إلى "ناشط أسفيري"، فقد أعلن من خلال مقطع فيديو سجّله في عدة شوارع بالخرطوم رفض بريطانيا لهذه القرارات، ودعا الشعب السوداني للخروج والتظاهر ضدها، وهي خطوة أدّت إلى موجة من الغضب وسط الرأي العامّ السوداني، وضجّت وسائل التواصل الاجتماعي مطالبة بطرده من البلاد.

من جانبها عبّرت مجموعة "الترويكا" المعنية بالشأن السوداني والتي تضمّ الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج عن قلقها البالغ لإعلان مجلس السيادة الجديد في السودان، "مطالِبةً بإعادة حمدوك والحكومة الانتقالية السابقة إلى السلطة". فيما أدان رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان فولكر بيريس هذه القرارات، وقال إنها تزيد صعوبة العودة إلى النظام الدستوري، كما صدرت بيانات إدانة وتعبير عن القلق من الاتحاد الأوروبي وسويسرا ومن الرئيس الأمريكي جون بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون وغيرهم.

الخوف من ضياع المشروع

ردود فعل الدول الغربية الغاضبة إزاء قرارات قائد الجيش مردّها إلى أن هذه الدول رأت أن ملايين الدولارات التي أنفقتها من أجل الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير والمجيء بمن ينفّذ مشروعها التغريبي في السودان على وشك الضياع، فقد حقّقَت حكومة رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك على مدى العامين الماضيين الكثير من المشروعات التي هدفت إلى إزالة وإبعاد الدين والتديُّن عن الحياة العامة بدعوى محاربة الإسلام السياسي، كما في المناهج الدراسية والإعلام وغيرهما.

فأحد القرارات التي اتُّخذت على سبيل المثال إخلاء طابق كامل من مبنى رئاسة "جمعية القرآن الكريم" وتخصيصه ليكون مقرا لمستشارية النوع و"المثليين" الذين ترعاهم، وهو ذات المبنى الذي صادرته حكومة د.حمدوك الانتقالية المحلولة، بعد أن جمّدَت نشاط "جمعية القرآن الكريم" على مستوى البلاد وصادرت أصولها.

أما وزير العدل في حكومة د.حمدوك المنحلّة فقد أجرى تعديلات جوهرية على القوانين السودانية، ألغى بموجبها الكثير من موادّ الشريعة الإسلامية، فعلى سبيل المثال أباحت الدعارة والخمر. فقد نصّ قانون التعديلات المتنوعة الذي نُشر في الجريدة الرسمية في الثالث عشر من يوليو/تموز 2020 على إباحة شرب الخمر والاتجار به لغير المسلمين، وكذلك على إعادة تعريف "الدعارة".

"تَباكِي" القوى الغربية على حكومة حمدوك إذاً ليس من أجل استعادة الحكم المدني في السودان، الذي كانت تسيطر عليه "دكتاتورية مدنية" من أحزاب، وإنما خوفاً من ضياع فرصة مواتية لتنفيذ مشروعها الغربي المُعَدّ سلفا بمسرحه وشخوصه، والهادف إلى "سلخ الأمة السودانية عن جذورها"، وهو المشروع الذي دخل حيّز التنفيذ منذ عامين على النحو الذي ذكرناه، فالحكومة المدنية التي ينشدها الغرب هي حكومة د.حمدوك دون سواه، كما أن مؤيدي قرارات قائد الجيش يرون أنها ستقف ضد تفتيت السودان وتَشرذُمه، الأمر الذي كانت ستؤدي إليه سياسات وممارسة حكومة د.حمدوك المحلولة. وهو من أقوى الأسباب التي أدّت إلى تَقبُّل السودانيين للقرارات الأخيرة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي