أصدرت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا تقريرها المفصّل حول قراراها إعادة الانتخابات البلدية في مدينة إسطنبول والمزمع إجراؤها الشهل المقبل.

بعد مرور 17 يوماً على قرارها الداعي لإعادة انتخابات رئيس بلدية اسطنبول، نشرت اللجنة العليا للانتخابات التركية حيثيات القرار، والأسباب الي دفعتها من ناحية الشكل والمضمون لقبول الاعتراضات والطعون التي تقدم بها حزب العدالة والتنمية المتضرر الأول مما جرى.

يقع القرار التفصيلي للجنة الذي صدر بأكثرية 7 أصوات مقابل اعتراض 4 أصوات من مجموع 11 عضواً، في حدود 250 صفحة.

خصص الجزء الأكبر منها لسرد الاعتراضات المقدمة من جانب الحزب الحاكم وشريكه حزب الحركة القومية، والمُطالبة بإعادة الانتخابات في مدينة إسطنبول. ثم تمت عملية تحليل هذه الاعتراضات، وأسباب قبول بعضها في الجزء الثاني من القرار والتي تتعارض مع الكثير من مواد قانون الانتخابات التركي الجديد المقر في العام المنصرم.

أما في القسم الثالث فقرأنا مطولا بحدود 50 صفحة وجهة نظر المعارضين للقرار في اللجنة والذين قدموا شروحاتهم في رفض الدعوة لانتخابات أخرى في إسطنبول.

مركز الثقل في قرار اللجنة العليا للانتخابات ببطلان نتائج مدينة إسطنبول كان يتمحور حول تعيين 754 رئيسا للصناديق في مراكز اقتراع تنتشر في العديد من ضواحي وأقضية مدينة إسطنبول والتي وصل مجموع الأصوات فيها الى 212 ألفاً. وقد تعارضت عملية اختيار هؤلاء الاشخاص مع المادة 22 من قانون الانتخاب التركي المقر عام 2018 لناحية شرط أن يكونوا من الموظفين الحكوميين.

النقطة الثانية التي اعتمدتها أصوات الداعمين للقرار في اللجنة تحدثت عن وجود خروقات قانونية ونواقص تقنية في 108 صندوق تضم حوالي 30 ألفاً من الأصوات. وهي كلها قادرة على تغيير نتيجة انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول حيث تراجع الفارق في الأصوات بين بن علي يلدرم وأكرم امام اوغلو الى 13 ألف فقط.

النقطة الثالثة التي تطرقت إليها حيثيات القرار كانت تتعلق بعمليات الفرز والعد، وإعلان النتائج في العديد من مراكز الاقتراع. والخروقات التي وقعت خلال عمليات تجهيز محاضر إعلان النتائج وتحميلها مسؤولية الأخطاء الفادحة التي تسببت في تقديم المعلومات والأرقام المغلوطة. وبروز العديد من الشبهات التي تسببت في إطالة أمد الاعتراضات والطعونات، وتكرار عمليات إعادة الفرز والعد أكثر من مرة.

بإيجاز أكثر اعتمدت اللجنة في قرارها على مادتين اساسيتين من أصل 19 مادة تقدم بها حزب العدالة والتنمية التي يبرر فيها أسباب طلبه إعادة انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول. الأولى هي طريقة اعداد لوائح أسماء المشرفين على العملية الانتخابية والتي تضمنت اختيار رؤساء أقلام من بين أشخاص لا يعطيهم القانون هذه الصلاحية. والثانية هي تأثير طريقة عمليات الفرز والعد، وتجهيز محاضر الهيئات المنظمة على النتيجة المتقاربة بين الطرفين المتنافسين.

المعارضون للقرار بنوا قناعتهم على أساس أن المادة القانونية نفسها التي تقر بضرورة أن يكون المشرف الأول على الصناديق من الموظفين الحكوميين تسمح بتعيين مشرفين من غير موظفي الدولة عندما لا يتغيب الشخص المُكلف، وفي حالات الضرورة أيضاً. وإن حالات مشابهة حدثت في الانتخابات السابقة لم تأخذ بها اللجان العليا رغم الاعتراضات، ولم تقرر إعادة الانتخابات في تلك المناطق.

الأصوات الأربعة المعترضة على القرار من داخل اللجنة العليا للانتخابات تمسكت أيضا برأيها القانوني حول فكرة أن إشراك أفراد من خارج الموظفين العاملين في القطاع الحكومي لا يتطلب بالضرورة إعادة الانتخابات. وأنه لا يجوز تحميل مسؤولية الإخلال في قانون الانتخابات للمواطن الذي ذهب الى الصناديق وأدلى بصوته. وإن العديد من النقاط التي تأسس عليها قرار الإعادة هي افتراضية لا تصل الى حد ضرورة إعادة الانتخابات.

بعد ساعات على نشر قرار اللجنة العليا يبقى النقاش محتدما حول ما جرى. فهناك من يوجز المشهد اليوم بقوله: رغم أن اللجنة العليا للانتخابات دافعت عن قرارها في دعوة حوالي الـ 10 ملايين ناخب تركي في اسطنبول للتوجه مجددا الى الصناديق في 23 حزيران/يونيو المقبل، فإن المعارضة متمسكة برفض حيثيات القرار وبطرح سؤال تردده منذ البداية وهو: لماذا نحن فقط أمام إلغاء نتيجة انتخابات رئاسة البلدية في إسطنبول؛ مع أن أوراق الاقتراع لاختيار مجالس البلديات والمخاتير وضعت كلها في ظرف واحد؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدوره ردد بأن الاعتراض على نتائج الانتخابات هو حق قانوني، وأن الظروف التي تعيشها البلاد اليوم تتطلب التماسك في مواجهة مشروع استهداف تركيا من قبل بعض القوى في الداخل والخارج.

لكن المعارضة وكما يبدو هي في واد آخر، وتكرر أن ما جرى لا علاقة له بتهم "سرقة الاصوات" والتلاعب بالنتائج التي يكررها قيادات حزب العدالة، وأن النتيجة التي اعلنت ليلة 31 اذار/مارس المنصرم لم تعجب الحزب الحاكم لذلك يذهب الناخب مجدداً إلى الصناديق.

هناك قناعة لدى الكثير من المراقبين والمعنيين هي أن القرار قد أعطى حزب العدالة والتنمية ما يريده تجاه إعادة عملية انتخاب رئيس بلدية اسطنبول، وأن المعارضة أعلنت التزامها بهذا القرار وتحركت نحو إطلاق حملة انتخابية جديدة. لكن النقاشات حول القرار وصحته ستسمر لفترة طويلة، وسيكون له ارتداداته على قرار الناخب الذي سيقرر يومها بين البقاء في مكانه لمواصلة عطلته الصيفية أم التوجه الى الصناديق لممارسة حقه الديمقراطي، والمشاركة في صناعة المشهد السياسي والحزبي في المرحلة المقبلة للبلاد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي