المحكمة الجنائية الدولية (AA)

ورحبت الخارجية الفلسطينية بالقرار وطالبت المحكمة بالمضي قدماً في التحقيق معتبرة إياه إنصافاً للضحايا، بينما جاء الرد الإسرائيلي مستشيطاً من نتنياهو الذي اتهم المحكمة بالتسييس ومعاداة السامية. وجاء الرد الأمريكي غير إيجابي ولكن على استحياء.

وكانت فلسطين قد انضمت إلى نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية عام 2015 وتقدمت مباشرة بإعلان قبولها ولاية المحكمة القضائية (أي سلطة المحكمة وقدرتها على البت في الجرائم المرتكبة) على الأراضي المحتلة للتحقيق في الجرائم المرتكبة منذ يونيو/حزيران 2014 حتى وقتنا هذا.

وفي مطلع العام المنصرم أعلنت المدعية العامّة للمحكمة فانو بنسودا أنه يوجد ما يدعم وجود جرائم مرتكبة في الأراضي الفلسطينية معلنةً نيتها فتح تحقيق في الأمر. وكلّفت الدائرة التمهيدية للمحكمة بإصدار فتوى قضائية فقط حول نطاق السلطة القضائية الإقليمية للمحكمة في حالة دولة فلسطين.

وطلبت المحكمة خلال هذا العام ممن يسمون بأصدقاء المحكمة (amici curiae)، وهم كل خبير أو جهة قانونية ترغب في مساعدة المحكمة عبر تقديم المشورة لها حول القضية التي يجري النقاش حولها، بتزويدها بآرائهم حول القضايا العالقة.

وبشكل غير مسبوق جرى تقديم عشرات الآراء القانونية عبر خبراء قانونيين ومنظمات حقوقية ووزارات خارجية لبعض الدول والمنظمات الدولية، وهذا ما لم تشهده المحكمة من قبل في أي قضية بتت بها.

جاء قرار الدائرة التمهيدية في 57 صفحة بتأييد الأغلبية له (قاضيان مع، وقاض ضد) فأيد القاضي الفرنسي والقاضية البنينية القرار، بينما عارضه القاضي المجري. وقد أرفق الأخير رأيه المعارض للقرار في 163 صفحة، إلا أن ذلك لا يغير النتيجة بأي شكل.

النقاشات الدائرة في المحكمة

كانت أبرز القضايا العالقة -التي حاولت إسرائيل التركيز عليها- هي: أولاً ما إذا كانت فلسطين دولة، وإذا ما كان يحق لها أن تتقدم بطلب فتح تحقيق في الجرائم التي حصلت بالأراضي الفلسطينية (أو بقبول الولاية القضائية للمحكمة).

ثانياً جادلت إسرائيل بأنه حسب اتفاقية أوسلو لا تملك السلطة الفلسطينية الولاية القضائية لمقاضاة الإسرائيليين، فكيف لها أن تفوض المحكمة بسلطتها القضائية وهي لا تملكها ففاقد الشيء لا يعطيه.

ثالثاً كانت الحجة الأخرى حول النطاق الجغرافي للولاية القضائية، فالحدود حسب الطرح الإسرائيلي لا تزال مسألة عالقة بين الطرفين ولم تحسم في المفاوضات، والمحكمة ليست جهة سياسية وليس لها الخوض في قضايا ذات أبعاد سياسية لم تحسم في المفاوضات بين الأطراف المعنية.

رابعاً ادعت إسرائيل أنه لا يحق للمحكمة أن تبت في هذه المسألة ضد إسرائيليين لأن إسرائيل ليست طرفاً في نظام روما المؤسس للمحكمة.

خامساً حول ما إذا كانت فلسطين تستمد دولانيتها من اتفاق أوسلو، وهذه مرتبطة بالنقطة الأولى.

ويذكر أن إسرائيل رفضت التعامل مع المحكمة مباشرة وأعلنت أنها لن تتعاون معها مستقبلاً، وجاءت ردودها على المحكمة إما على شكل تصريحات وأوراق من جهات إسرائيلية، وإما أوراق قدمت إلى المحكمة تحت اسم "أصدقاء المحكمة" عبر منظمات مدنية مرتبطة بإسرائيل أو وزارات خارجية لدول تربطها علاقة وثيقة بإسرائيل كالمجر.

بينما قدمت فلسطين آراءها للمحكمة مباشرة عبر وزارة الخارجية الفلسطينية، كما فعل خبراء ومنظمات مدنية مؤيدون للطلب الفلسطيني.

علامَ نص القرار الأخير؟

وجاء القرار الأخير ليحسم الجدل الدائر حول امتلاك المحكمة سلطة قضائية إقليمية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي الضفة وغزة والقدس الشرقية. إذ أكد القرار أن المحكمة تمتلك السلطة القضائية الإقليمية بناء على الطلب الذي تقدمت به دولة فلسطين.

ولكن الدائرة التمهيدية أكدت في الوقت ذاته أنها ليست جهة ذات اختصاص للبت في مسألة دولانية فلسطين (ما إذا كانت دولة حسب القانون الدولي أم لا) وبالتالي تلزم المجتمع الدولي بها، كما أكدت أنها ليست جهة تحكيمية في نزاع حدودي في القانون الدولي، وأنها لا تحاول إعطاء حكم قضائي مسبق يؤثر على شكل الحدود مستقبلاً. وأكدت أن الغاية الوحيدة لهذا الحكم هو تحديد نطاق السلطة القضائية الإقليمية للمحكمة، وهي قطاع غزّة والضفة الغربية ومنها القدس الشرقية.

وفي هذا السياق وجدت الدائرة التمهيدية أنه بغض النظر عن مسألة دولانية فلسطين في القانون الدولي، فإن انضمام فلسطين إلى نظام روما قد جرى حسب الأصول والإجراءات السليمة، وأنه لا يحق للدائرة أن تتحدى أو تراجع إجراءات الانضمام التي تشرف عليها جمعية الدول الأطراف بنظام روما.

والجمعية قبلت طلب فلسطين بالانضمام وقبول نظام روما، وبالتالي لفلسطين الحق أن تعامل كأي من الدول الأطراف فيما يتعلق بتطبيق نظام روما.

حرب إسراء على غزة  تموز 2014  (AP)

ولكن المحكمة كذلك أشارت في هذا السياق إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 67\19 المتعلق بقبول فلسطين في الجمعية العامّة والاعتراف بها كدولة غير عضو عام 2012، الذي نصّ على "حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والاستقلال بدولته الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967".

ما دلالات قرار المحكمة وتبعاته؟

كان لهذا القرار دلالات مهمة، وهي أنه وعلى الرغم من تجنب المحكمة البت في القضية بشكل مباشر، فإنها تعاملت مع فلسطين كـ "دولة" في القانون الدولي، وإن كانت تجنبت النص على ذلك بشكل مباشر، بل وأعلنت أن تعاملها معها لا يلزم المجتمع الدولي، فإن الخلاصة أنه لولا أن فلسطين دولة لما قُبل انضمامها إلى نظام روما، ولما تعاملت المحكمة إيجاباً مع طلبها التحقيق.

وكذلك وجدت دلالة أخرى مهمة حول الحدود. فعلى الرغم من أن الدائرة التمهيدية مجدداً تجنبت الخوض في ذلك بل وأكدت أنها ليست جهة تحكيمية وأن قرارها لا يعطي حكماً مسبقاً حول الحدود، فإنها أولاً قبلت بالسلطة القضائية الإقليمية على الأراضي المحتلة حسب تقديم دولة فلسطين، وثانياً رجعت إلى نص قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن التي نصت على أن الأراضي الفلسطينية تتبع دولة فلسطين. فهي بذلك قد ثبتت نقاطاً وأبجديات قانونية مهمة.

بلا شك ستنتهي نتائج التحقيق بإدانة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وعند ذلك ستجد إسرائيل نفسها في صدام مع الدول الأطراف في نظام روما الملزمين بإلقاء القبض على من تدينهم المحكمة وتسليمهم لها. وبالتالي فإن ذلك سيزيد من توتر علاقاتهم وسيزيد من الضغوط الدولية-الأوروبية تحديداً- على إسرائيل.

ومن شأن المضي قدماً في التحقيق أن يعزز من جهود حملات المقاطعة الاقتصادية للشركات التي تعمل في المستوطنات، فالاستيطان سيكون إحدى الجرائم التي تحقق فيها المحكمة. وفي حال صدور قرار بذلك فإن جهود المقاطعة ستستند إلى قرار من محكمة دولية معتبرة لأول مرة.

وبناء على ما سبق فإن صدور هذا القرار يعتبر إنجازاً قانونياً للقضية الفلسطينية ومن شأنه أن يزيد من عزلة الاحتلال وأن يعزز الموقف التفاوضي الفلسطيني.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي