أثارت تقارير صحافية وأخرى صادرة عن الأمم المتحدة قضية تورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بقضية اختراق الهاتف المحمول الخاص بمؤسس شركة أمازون ومالك صحيفة الواشنطن بوست جيف بيزوس. وهي القضية التي ما زالت تداعياتها متفاعلة.

يبدو أن قرصنة العصر لم تفصح عن كل ما في جعبتها بعد؛ إن القرصنة التي تعرّض لها مؤسس شركة أمازون ومالك صحيفة واشنطن بوست وأغنى رجل في العالم جيف بيزوس، لا تزال متفاعلة على مستويات مختلفة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والجنائية والعلاقات الدبلوماسية.

فقد كشفت تقارير صحيفة كرويترز والجارديان أن الهاتف المحمول الذي يملكه بيزوس تعرّض للقرصنة، وذلك في مايو/أيار ،2018 بعد تلقّيه رسالة واتساب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وفقاً لاستنتاج فريق تحقيق عيّنه بيزوس وعُرض على محققي الأمم المتحدة.

الادعاءات حول تورُّط محمد بن سلمان بشكل مباشر في هذه العملية لم تثبت بعد. ففريق المحققين التابعين للأمم المتحدة لم يكن لديهم وصول مباشر إلى هاتف بيزوس، إلا أنهم بنوا استنتاجاتهم على فحص دقيق وعلى نطاق واسع للبحوث التي أجراها فريق الخبراء في الأمن الإلكتروني التابعين لشركةFTI الذي عينهم بيزوس بنفسه.

الشركة قالت إنها خلُصت في تحقيقها إلى استنتاج من درجة "ثقة متوسطة إلى عالية" بأن الفيديو الذي تضمن البرنامج الخبيث للاختراق أُرسلَ من حساب واتس آب يعود إلى الأمير محمد بن سلمان. ويعمل هذا البرنامج على تحويل البيانات سرّاً من الجهاز المستهدف إلى جهة ثانية.

إذا ثبت أن الأمير محمد بن سلمان فعلاً متورط في هذه القرصنة فهذا يعني أننا أمام حالة جديدة من القرصنة الإلكترونية، أحد طرفيها فاعل من مستوى دولة. فالرجل الذي أخذ القرار أو الضالع في العملية هو الرجل الثاني في الدولة أي ولي عهدها. والطرف الآخر فاعل ما دون دولةNon-state actor.

وهنا نختبر السيولة التي يتصف بها العصر الرقمي. فالاستهداف التقليدي المتكافئ بين دولة ونظيرتها يتوارى أمام استهداف آخر بين دولة وفرد يعد من رعايا دولة أخرى وهو ما يدفع باتجاه إعادة النظر فيما يسمى بالسيادة الوطنية في العصر الرقمي.

على أي حال إن الجديد في القضية أن مكتب التحقيقات الفيدرالي فتح تحقيقاً جنائياً في الحادثة مؤخراً، للنظر في المتورطين باختراق هاتف بيزوس، سواء الأمير محمد بن سلمان أو/والشركة الإسرائيلية NSO المطوِّرة لبرنامج Pegasus، وهو البرنامج الذي يظن الخبراء أنه استُخدم في عملية الاختراق.

واستُخدم هذا البرنامج في اختراق حسابات العديد من المعارضين مثل المعارض الإماراتي المعروف أحمد منصور والمعارض السعودي جمال خاشقجي الذي قُتل في قنصلية بلاده بإسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018. 

بعيداً عن الاعتبارات الجنائية للحادثة، فإن قرصنة هاتف بيزوس تكشف لنا الطبيعة الشائكة للعصر الرقمي الذي نعيش فيه، ومحاولاتنا العسيرة للتكيف مع متطلباته التي تبدو متضاربة وغير مفهومة على نطاق واسع. فجهودنا للتكيف مع مظاهر الخصوصية -أو اللاخصوصية لكي أكون أدق- تحتوي على مقدار كبير من الإحباط. 

لا يكاد يوم يمر من غير أن نسمع فيه عن حوادث اختراق وسرقة بيانات تمس المستخدمين، ليس على شكل أهداف فردية وحسب بل أيضاً على شكل مراقبة شاملة وتجسس بالجملة. فتضافر الحكومات وشركات التكنولوجيا من خلال برامج التجسس الشاملة جعلتنا عرضة للمراقبة وانتهاك الخصوصية بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ.

ولكن هل وصل الأمر إلى درجة أننا يجب أن ندقق جيداً في أولئك الذين سنشاركهم أرقام هواتفنا الشخصية؟ بعد حادثة قرصنة أغنى رجل في العالم علينا أن نسأل أنفسنا عشرات المرات قبل أن نمرر رقم هاتفنا المحمول إلى أي شخص نتعرف عليه جديداً. فشبح الهجمات الإلكترونية وما تفضي إليه من انتهاك خصوصية وسرقة بيانات شخصية أصبح يلاحقنا بشكل حثيث، لدرجة أن "إضافة رقم جديد" بات يشكل هاجساً لا بد من الاحتيال عليه بحسن التدبير الأمني.

يوجد من يرى الأمر من زاوية أن اختراق الهاتف المحمول لأغنى رجل بالعالم ومن يمتلك واحدة من أعظم شركات تكنولوجيا المعلومات في العالم Amazon وتعد تكنولوجيا المعلومات طوع أمره وإحدى أهم حرفه، قد حدث من خلال رسالة على برنامج واتس آب، فإنه ومن باب أولى أن يكون كل واحد منا نحن المستخدمون العاديون عرضة لمثل هذا النوع من الاختراق الإلكتروني. وإذا كان هاتف بيزوس يحتاج إلى محترف في عمليات الاختراق، فإن اختراق المستخدم العادي يحتاج إلى الهواة فقط.

إذا نظرناً إلى الموضوع من ناحية معاكسة فلن نجد الأمر أقل ضبابية. بكلمة أخرى، إذا كان كل فرد فينا عرضة للاختراق سواء من قِبل الحكومات أو من قبل محترفي القرصنة الإلكترونية أو الهواة، فإن هذه الشخصيات الاعتبارية مثل بيزوس لن يكونوا في مأمن. هذا يكشف لنا أن الافتراض حول وجود مناعة ضد القرصنة الإلكترونية مجرد وهم، وأننا نعيش في عصر باتت فيه الخصوصية من الماضي.  

إن ما يعزز هذا الاعتقاد هو أن البرمجيات الخبيثة التي تستخدم في عمليات القرصنة أصبحت متاحة على نطاق واسع. والأمر لم يعد مقتصراً على الشركات الخاصة من قبيل الشركة الإسرائيليةNSO التي تعمل على تطوير مثل هذه البرامج وتبيعها للحكومات لتنتهي إلى استخدامها في قمع المعارضين والتضييق على حرية التعبير، بل أصبحت الحكومات نفسها تعمل على تطوير هذه البرمجيات بالتعاون مع متعاقدين في القطاع الخاص. وهنا نستذكر على سبيل المثال كيف طورت دولة الإمارات لتطبيق الاتصال المجاني ToTak الذي اكتُشف لاحقاً أنه برنامج للتجسس بالجملة. 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي