من مظاهرات السودان التي خرجت للتنديد بالانقلاب العسكري  (Marwan Ali/AP)
تابعنا

تزامن ذلك مع ارتفاع وتيرة العنف في إقليم دارفور، والذي خلّف مئات القتلى والجرحى، مع دعوات الاستمرار في التظاهرات المناوئة للإجراءات التي اتخذها القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، والاتفاق الموقّع مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

في الوقت الذي وجّه فيه البرهان اتهامات مباشرة وغير مباشرة لدبلوماسيين غربيين في الخرطوم، من بينهم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بتحريض المواطنين السودانيين ضد القوات المسلحة السودانية.

فقبل يوم واحد من جلسة مجلس الأمن الدولي التي خصصها لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان، على ضوء التقرير الدوري للمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان فولكر بيرتس، أجازت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي بالإجماع مشروع قانون الديمقراطية وإدانة الانقلاب العسكري في السودان، ويتضمن القانون فرض عقوبات على الذين يعرقلون التحوّل الديمقراطي في السودان أو يهددون استقراره، أو يقيّدون حرية التعبير أو الوصول إلى وسائل الإعلام، أو ينخرطون في الاعتقالات التعسفية أو التعذيب، أو يسيئون استخدام أموال الدولة السودانية.

وتشمل هذه العقوبات حظر التأشيرات وتجميد الأصول، ومع ذلك، يسمح مشروع القانون للرئيس الأمريكي بالتنازل عن العقوبات إذا رأى أن ذلك في مصلحة الولايات المتحدة ويطلب منه إبلاغ الكونغرس بالتنازل.

اعتراضات في مجلس الأمن

في العاشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري قدّم رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) فولكر بيرتس تقريره الدوري حول الأوضاع في السودان بعنوان: "الحالة في السودان وأنشطة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لتقديم المساعدة خلال الفترة الانتقالية"، لكنّ المتأمل في التقرير وتصريحات فولكر للصحفيين عقب جلسة مجلس الأمن يتّضح له بما لا يدع مجالاً للشك أن بريس تحوّل من "داعم للمرحلة الانتقالية" إلى "فاعل سياسي" وآمر بشأنها، كما بدا غير محايد عند الحديث عن كثير من القضايا.

فبينما أظهر اهتماماً لافتاً بقضية المعتقلين السياسيين مِن تحالف "قوى الحرية والتغيير" الذين اعتُقلوا في أعقاب إجراءات البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 والضغوط الكثيرة التي مارسها حتى إطلاق سراحهم، تجاهل تماماً الإشارة إلى السجناء السياسيين الذين أمضوا في السجون ما يزيد على عامين ونصف العام دون تقديمهم للمحاكمات أو إطلاق سراحهم، ولم يتحدّث التقرير عن الظروف السيئة داخل المعتقلات حيث توفي ثلاثة معتقلين نتيجة مضاعفات ناجمة عن ظروف الاعتقال وحرمان بعضهم من العلاج، كما غاب عن التقرير مصير أكثر من 12 ألف من المفصولين من الخدمة المدنية.

ركّز فولكر في تقريره على وصف ما حدث بـ" الانقلاب" ووردت الكلمة على لسانه 34 مرة، فالانقلاب وفق ما جاء في التقرير عطّل بوادر النمو الاقتصادي في البلاد وعرّض اتفاق سلام جوبا للخطر، وأوقف إجراءات التطعيم ضد كوفيد-19 وحطّم آمال الشعب السوداني في التحوّل الديمقراطي، وأثار موجة رفض واسعة في الشارع السوداني وشدد على أنه لا يمكن التغاضي عن التزام الشعب السوداني "الذي لا يتزعزع" تحقيق حكم ديمقراطي بقيادة مدنية. متجاهلاً الفشل الذريع الذي حققه الجناح المدني في إدارة شؤون البلاد، مما أدى للعجز الاقتصادي والاحتقان السياسي الأمر الذي قاد إلى تهديد مسيرة الانتقال الديمقراطي.

الاعتراضات على كثير من بنود تقرير مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة كانت جلية من خلال مداخلات مندوبي روسيا والصين في مجلس الأمن، حيث شددت ممثلة روسيا آنا يفستيغنييفا على أن محاولات تأجيج الوضع في الشارع السوداني قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في البلاد، كما أن "محاولات فرض النماذج الاجتماعية والاقتصادية وقوالب الديمقراطية الغربية أدت إلى انقسام المجتمع السوداني"، أما المندوب الصيني داي بينغ فقد ركّز على ضرورة أن يتبنى المجتمع الدولي موقفاً محايداً ومتوازناً، "والانطلاق من الواقع على الأرض، واحترام خيارات السودانيين، وتجنّب فرض الحلول من الخارج".

تجاوز الحدود

قبل سفره إلى نيويورك لتقديم تقريره إلى مجلس الأمن الدولي، أجرى فولكر بيرتس سلسلة لقاءات مع قيادات حزبية وناشطين وناشطات ولجان مقاومة، قال عنهم في ثنايا عرضه للتقرير إنهم يشعرون أن الانقلابيين قد خانوهم ويرفضون الآن أي مفاوضات أو شراكة مع الجيش.

وفي السادس من ديسمبر/كانون الأول الجاري أعاد فولكر نشر بيان صحفي صادر عن لجان المقاومة السودانية على صفحته الرسمية بتويتر يرفض الإعلان السياسي الذي وقّعه الفريق البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك لأنه "يُشرعن" الانقلاب، وفاقد للسند الشعبي ولا يلبي تطلّعات الشعب السوداني في محاسبة الانقلابيين.

وتضمنت تغريدة فولكر الشعار الذي رفعته لجان المقاومة: "لا تفاوض.. لا شراكة.. لا شرعية للانقلابيين"، وكذلك إشادة لجان المقاومة بما أسموها الخطوات الإيجابية داخل الكونغرس الأمريكي لفرض عقوبات على الشخصيات الانقلابية في السودان.

مصير يان برونك

تحرّكات فولكر وتغريداته ولقاءاته في الخرطوم أثارت غضب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فخلال مخاطبته إحدى وحدات القوات المسلحة السودانية الأربعاء 8 ديسمبر/كانون الأول اتهم الفريق البرهان سفراء وبعثات دبلوماسية بالتحرك والتحريض ضد القوات المسلحة بهدف التدخل في البلاد، وحذر من مغبة هذه التحركات، وهدد باتخاذ إجراءات ضد أي شخص أو جهة تمسّ أمن السودان.

تحذيرات البرهان أعادت إلى الأذهان ملابسات طرد مبعوث الأمين العام السابق إلى السودان الهولندي يان برونك خلال الفترة من 2004-2006 إبان التوقيع على "اتفاقية السلام الشامل في السودان" والتي أفضت إلى انفصال جنوب السودان في العام 2011، فقد أعلنت الحكومة السودانية في أكتوبر/تشرين الأول 2006 يان برونك شخصاً غير مرغوب فيه وأمهلته 72 ساعة لمغادرة البلاد بعد أن اتهمته بالإساءة إلى القوات المسلحة السودانية عبر مدونته على الإنترنت، وهي خطوة من الصعب أن يتخذها البرهان رغم تجاوزات فولكر وذلك لتعقيدات الوضع الداخلي وخشية رد الفعل الخارجي.

فبدهاء رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وطلبه المبكّر من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إرسال بعثة من الأمم المتحدة وفق البند السادس للمساعدة في عملية الانتقال الديمقراطي في السودان، أصبح "الشأن الداخلي" السوداني بنداً أساسياً في أجندة مجلس الأمن الدولي وبات من المحتمل أن ينتقل تفويض "يونيتامس" من البند السادس إلى البند السابع الذي يتيح التدخل العسكري، فبوادر ذلك بادية من خلال التصعيد غير المبرر للقتال في بعض مناطق إقليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وتلويحات في الشرق بالانفصال، ومشروعات قوانين في واشنطن تنطوي على عقوبات ضد قادة عسكريين سودانيين، وجولات مكوكية لفوكر بريتس بين الخرطوم ونيويورك.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي