جاءت القمة لتؤكد أن كلاً من روسيا وإيران وتركيا حريصون على التواصل الثلاثي والعمل على إدارة خلافاتهم من خلال الاتفاق على الحد الأدنى المشترك، والذي يحاول كل طرف أن يشده إليه ويفسره وفق مصالحه.

على الرغم من أن قمة أنقرة لم تحمل مفاجآت وانتهت بالإعلان كما كان متوقعاً عن إتمام تشكيل اللجنة الدستورية، فإن القمة جاءت لتؤكد أن كلاً من روسيا وإيران وتركيا حريصون على التواصل الثلاثي والعمل على إدارة خلافاتهم من خلال الاتفاق على الحد الأدنى المشترك، والذي يحاول كل طرف أن يشده إليه ويفسره وفق مصالحه.

اللجنة الدستورية خطوة طال انتظارها

الإضافة الأهم التي جاءت به هذه القمة بالمقارنة مع سابقاتها هو الحديث عن التوافق حول أعضاء اللجنة الدستورية. اللجنة التي تعتبر الثمرة الأهم لمسار سوتشي الموازي لمسار أستانا الذي رعته الدول الثلاث. لكن وبالنظر إلى أن اللجنة الدستورية قد انتقلت فعلياً لعهدة المبعوث الأممي لسوريا، فإن الأطراف الثلاثة لم تستطع إلا أن تدعو إلى مباشرة اللجنة أعمالها في جنيف بأقرب وقت ممكن.

وقد كان هذا الإعلان الذي طال انتظاره حول اللجنة الدستورية متوقعاً، إذ مُهد خلال الفترة الماضية من خلال التصريحات التي أطلقها الناطق باسم الخارجية الروسية بأن تشكيل اللجنة الدستورية وصلت إلى مراحلها الأخيرة، التي سبقتها تصريحات مشابهة كان أطلقها وزير الخارجية التركي في مايو/أيار الماضي. ويبدو أن زيارة المبعوث الخاص للرئيس بوتين للشأن السوري إلى دمشق قبيل انعقاد القمة لضمان عدم قيام النظام السوري بعرقلة التفاهمات حول اللجنة الدستورية كما كان يحصل حتى الآن.

وعلى الرغم من كون عملية تشكيل اللجنة الدستورية الثمرة الأهم لمسار أستانا قد انتهت بعد طول انتظار، فإن الطريق لا يزال في بدايته بالنسبة للجنة. إذ يكمن التحدي الحقيقي أمام اللجنة حال انعقادها في قدرتها على العمل والإنجاز. بخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كلاً من المعارضة السورية والنظام السوري يمتلكون نظرياً الثلث المعطل داخل هذه اللجنة، والتي تحتاج قراراتها الحساسة إلى موافقة 75% من الأعضاء، الأمر الذي يجعل التفاؤل حول قدرة هذه اللجنة على تحقيق إنجازٍ نوعي صعباً جداً.

إدلب والمصير المجهول

وفي مقابل التوافق على اللجنة الدستورية والدعوة لمباشرة أعمالها من الواضح أن الاختلاف لا يزال سيد الموقف بين الأطراف الثلاثة فيما يتعلق بإدلب ومصيرها. فعلى الرغم من أن الزيارة التي قام بها الرئيس التركي أردوغان إلى روسيا والتواصلات البينية ساهمت في تبريد الأزمة، فإن الأطراف الثلاثة، وتحديداً الروسي والتركي لم يتوصلا إلى تفاهم واضح ينهي التصعيد المتدرج في إدلب.

وبدا هذا التباين واضحاً في المؤتمر الصحفي الذي عقده الزعماء الثلاثة بُعيد القمة. فمن جهته ركز الرئيس التركي أردوغان على ضرورة تجنيب إدلب أية أزمة إنسانية قد تدفع بموجة جديدة من اللاجئين ملمحاً بأن ارتداداتها ستصل حتى الدول الأوروبية. كما أكد ضرورة حماية العسكريين الموجودين على الأرض، في إشارة إلى نقاط المراقبة العسكرية التركية.

أما الرئيس الروسي فقد بدا واضحاً أن قواته ستستمر في دعم حملات النظام السوري على من وصفهم بالإرهابيين، مضيفاً أن الإرهابيين مستثنون من أي تفاهمات بين الدول الثلاث. وتجدر الإشارة إلا أنه كان واضحاً أن روسيا لن تذهب إلى عملية واسعة في إدلب، بل ستكتفي بدعم عمليات محدودة وفق تعبير بوتين، ما يعني استمرار النظام السوري في سياسته في القضم التدريجي لمناطق سيطرة المعارضة السورية.

الكليشيهات المعتادة

وفي ما عدا التوافق على اللجنة الدستورية وقبول اللا توافق حول إدلب، فقد جاء البيان الختامي للقمة كما بيانات سابقاتها من القمم الثلاثية مؤكداً وحدة الأراضي السورية. إلا أنه وعلى الرغم من التوافق المعلن على وحدة سوريا وسيادتها فإن كلاً من الأطراف الثلاثة لديه تفسيره ودوافعه الخاصة فيما يتعلق بذلك.

فمن جهتها تحرص تركيا على تأكيد وحدة سوريا في مواجهة محاولات حزب الاتحاد الديمقراطي ومظلته قوات سوريا الديمقراطية الدفع في اتجاه الفيدرالية. في حين ترى روسيا تأكيد وحدة سوريا وسيادتها سلاحاً مهماً في مواجهة الوجود الأمريكي شمالي شرق سوريا، وذلك في الوقت الذي تعتبر وجودها في سوريا قانونياً كونها استجابت لدعوة من الحكومة السورية. فضلاً عن أن الحديث عن وحدة سوريا وسيادتها يعني لروسيا وإيران ضمناً أن سيطرة المعارضة السورية على أي جزء من سوريا يجب أن ينتهي لصالح نظام الأسد.

مع إتمام التوافق على اللجنة الدستورية وانتقال العهدة إلى المبعوث الأممي بيدرسون من جهة، وترنح التفاهمات الروسية-التركية في إدلب من جهة أخرى، يبدو أن نقاط التوافق والمساحة المشتركة بين أطراف أستانا الثلاثة تضاءلت بشكل كبير. وباستثناء التوافق على المصطلح حمّال الأوجه حول وحدة سوريا وسيادتها، وضرورة محاربة الإرهاب مع الاختلاف حول توصيف الإرهابيين، فإن إمكانيات التعاون الثلاثي في سوريا وتحديداً في الجوانب الميدانية أصبحت محدودة.

وعلى الرغم من تراجع مساحة التعاون تدريجياً منذ انطلاق مسار أستانا، إن القادة الثلاثة يصرون على استمرار القمم الثلاثية التي انطلقت بالتوازي مع مسار أستانا، وذلك على الرغم من الاختلافات التي تترجم بين الحين والآخر في الميدان على شكل اشتباكات كما حصل مؤخراً في إدلب.

إذ تمثل منصة اللقاءات الثلاثية كما مسار أستانا المنصة الوحيدة لإيران حتى تبدو كمن يساهم ويستثمر في الحل السياسي في سوريا، وذلك في ظل استبعادها من منصة جنيف. أما بالنسبة لكل من روسيا وتركيا فتمثل هذه اللقاءات أهمية كبيرة لإبقاء شعرة التواصل وتبريد الملفات الساخنة التي تشتعل ميدانياً بين الفينة والأخرى. فضلاً عن أن التعاون بين البلدين في السنوات الأخيرة تجاوز الملف السوري إلى مجالات التعاون العسكري.

وعليه فمن غير المتوقع أن تكون قمة أنقرة القمة الثلاثية الأخيرة، إذ إنه من المنتظر أن تستضيف طهران القمة الثلاثية القادمة. لكن يبقي التحدي الحقيقي في قدرة هذه المنصة الثلاثية على الخروج بفعل جدي على الأرض يسهم في إخراج المشهد النهائي للأزمة السورية التي وصلت إلى فصولها الأخيرة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي