قمة المناخ في غلاسكو (Yves Herman/Reuters)

وذلك للبحث في مستقبل الأرض البيئي وإنهاء إزالة الغابات، وتقليل انبعاثات غاز الميثان المسببة للاحتباس الحراري، وبناء زخم عالمي لدعم المبادرات البيئية لتحقيق الهدف المتمثل بالعيش الآمن على كوكب الأرض قبل حلول عام 2030، وتجنيب البشرية بالتالي مخاطر من العيار الثقيل كالانقراض، أو الهجرات الجماعية.

ويمكن لأهداف العيش الآمن على كوكب الأرض أن تؤتي ثمارها حسب الخطط الزمنية المقترحة في القمة، وذلك في حال تم توافر ثلاثة شروط متداخلة في ما بينها ومترابطة تتعلق بشكل عامّ بالمبادرة التكنولوجية، أي الاستثمار الرشيد للتقدم التكنولوجي، والعمل المشترك على المستوى الدولي، وتقليل حدة التصورات الخاطئة عن مخاطر الاحتباس الحراري.

في ما يتعلق بالشرط الأول، فإن توافر تكنولوجيا صديقة للبيئة، وفق معدلات اقتصادية مقبولة، يُعَدّ أمراً حيوياً للحدّ من الاحتباس الحراري، وبالتالي الحفاظ على مناخ الأرض. لذلك كان في القمة توجُّه واضح إلى دعم "التكنولوجيا الخضراء".

وقد أثبتت التطورات السابقة أن التكنولوجيا النظيفة يمكن أن تكون منافسة على مستويات السوق وفي متناول المستهلكين. فقد انخفضت تكلفة إنتاج الألواح الشمسية ومصابيح LED وبطاريات الليثيوم أيون بنحو 90% خلال العقد الماضي. وبذلك أصبحت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الآن أرخص مصدر طاقة في غالبية دول العالم.

وفي هذا السياق قدرت دراسة حديثة من جامعة أكسفورد أن تكاليف تقنيات الطاقة النظيفة مثل البطاريات والمحللات الكهربائية للهيدروجين يمكن أن تنخفض بنسبة 45% بحلول عام 2030 و75% بحلول عام 2050، وهذا يعني أن امتلاك السيارات والمركبات التي تعمل بالطاقة النظيفة سوف يكون في متناول المستهلك العادي، وهو ما يعني تحولاً جذرياً في نمط التلوث الناتج عن عوادم المركبات.

وهنا علينا أن لا نقلّل أهمية هذا التوجه نحو استعمال المركبات صديقة البيئة، إذ يمثل النقل نحو خمس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية (24% إذا أخذنا في الاعتبار انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الطاقة فقط). ويشكّل السفر على الطرق ثلاثة أرباع الانبعاثات المتأتية من قطاع النقل، يأتي معظم هذا الانبعاث من مركبات الركاب -السيارات والحافلات- التي تساهم بنسبة 45.1%، في حين تأتي نسبة 29.4% الأخرى من الشاحنات التي تنقل البضائع. ولأن قطاع النقل بأكمله مسؤول عن 21% من إجمالي الانبعاثات السامة، والنقل البري مسؤول عن ثلاثة أرباع انبعاثات النقل، فإن النقل البري يمثل 15% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون متفوقاً على النقل الجوي الذي يمثل 11.6% على الرغم من أنه يحوز على انتباه أكثر من غيره في المداولات المتعلقة بهذا القطاع.

أما الشرط الثاني فيتعلق بضرورة توطيد العمل المشترك على المستوى العالمي، النابع من قناعة مفادها أن الأخطار المتأتية من التغير المناخي لا تشمل دولة على حساب أخرى، بل هو من الضرر الذي يعمّ ويطغى ويلحق الجميع، ومن هنا تأتي ضرورة المسؤولية المشتركة والعمل من أجل الجميع. وفي صلب هذا المنطق في العمل المشترك تأتي المبادرات الجماعية، وقد كان لافتاً أن كثيراً من المبادرات التي اقتُرحت في القمة الأخيرة كانت من قبيل مبادرات العمل المشترك ذات الطابع التكنولوجي، وهو ما يلتقي مع الشرط الأول.

أجندة الاختراق أو Breakthrough Agenda التي وقّع عليها ما يقرب من 40 دولة وكياناً، من ضمنها الولايات المتحدة، والصين والاتحاد الأوروبي وأستراليا والهند، تهدف إلى الوصول إلى نقطة التحول التي سيكون عندها الاعتماد الأكبر في استهلاك الطاقة على الطاقة البديلة لا الطاقة الأحفورية. سوف ترتكز هذه الأجندة على خمسة قطاعات جوهرية، هي الكهرباء النظيفة، والسيارات الكهربائية، والفولاذ الأخضر، والهيدروجين، والزراعة المستدامة. والهدف النهائي من ذلك هو جعل هذه الأشياء ميسورة التكلفة ومتاحة لجميع الدول بحلول عام 2030، وخلق 20 مليون فرصة عمل جديدة.

على سبيل المثال، تشمل الخطط الجديدة مبادرة عالمية للكهرباء أطلقتها المملكة المتحدة والهند وأيدتها 80 دولة. تهدف مبادرة الشبكات الخضراء للكهرباء إلى حشد الإرادة السياسية والتمويل لإنشاء شبكات عملاقة على المستوى الدولي في جميع القارات وربط الصحاري المشمسة والسواحل التي تهبّ عليها الرياح بالمراكز السكانية. من خلال ربط عديد من المواقع، تُعَدّ الشبكات الكهربائية الفائقة مفتاحاً لتوفير كهرباء موثوقة من الطاقة المتجددة التي قد تكون متقطعة على المستوى المحلي خصوصاً في الدول النامية، وعندما في العالم العربي أكبر مثال وهو لبنان والذي تُعَدّ فيه الكهرباء مشكلة وطنية.

مبادرة أخرى هي "التحالف العالمي للطاقة من أجل الناس والكوكب" (Global Energy Alliance for People & Planet)، التي سوف تركز على إنتاج الكهرباء النظيفة في جميع أنحاء جنوب الكرة الأرضية. حالياً، لدى هذه المبادرة مبلغ 10 مليارات دولار مبدئياً من البنك الدولي ومؤسسة روكفلر وصندوق "بيزوس إيرث" وآخرين، كما أعلنت صناديق التقاعد في المملكة المتحدة والدول الإسكندنافية يوم الثلاثاء أنها ستستثمر مبلغ 130 مليار دولار في الطاقة النظيفة بحلول عام 2030.

بطبيعة الحال فإن فاعلية خطط العمل المشترك لا يمكن أن تؤتي أُكُلها من غير تعاضد القطاع الخاصّ مع القطاع الرسمي. ولأن بنية النظام الاقتصادي الدولي ما زالت تتبنى المبادئ النيوليبرالية أو اقتصاد الشركات عابرة الحدود، فإن مسؤولية ضخمة ملقاة على عاتق هذه الشركات، ولا شك أن القطاع الخاص سيكون من أبرز الجهات الممانعة لتبنّي عديد من مبادرات المناخ، وذلك لانعكاساته المحتمَلة على العوائد الاقتصادية، وهو ما يطلب إعادة النظر في هيكلة الاقتصاد الدولي لكي يتلاءم مع الخطط المستقبلية الموضوعة لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري. ولكن حتى ذلك الحين، فإن بين القطاعين الخاصّ والعامّ بوادر تنسيق محتمَل. فائتلاف first movers coalition، وهو ائتلاف مكوَّن من 25 شركة عالمية، أبدى استعداه للعمل وفق الأجندة المقترحة، وذلك من خلال التوجه نحو اقتناء التقنيات النظيفة الناشئة في قطاعات الصلب والشاحنات والشحن والطيران والخرسانة، ومن المتوقع أن ينضمّ إلى الائتلاف كل من شركة الشحن العملاقة Maersk وشركة Holcim لصناعة الأسمنت.

أخيراً، لتحقيق الأهداف المرجوة يجب إيلاء مكافحة حملات التضليل المتعلقة بالتغير المناخي أهمية خاصة، نظراً إلى الضرر الذي قد تسببه للرأي العامّ. إن جزءاً مهمّاً من دوافع الدول والفاعلين الآخرين إلى التحرك واتخاذ خطوات ملموسة في هذا الصدد قائمة على مدى وعيهم ووعي مجتمعاتهم بالمخاطر المحدقة والضغط الصادر من قاعدة المجتمع صعوداً إلى قمة هرم السلطة. إن منكريي التغير المناخي Climate change Deniers، وأصحاب نظرية المؤامرة، ولوبيات الشركات الكبرى، من شأنهم اللعب على وتر الأخبار الكاذبة، وحملات التضليل، والتلاعب الرقمي، من أجل إضعاف حماسة صناع القرار لاتخاذ ما يلزم في مسيرة مكافحة الاحتباس الحراري.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي