صورة لقادة دول حلف شمال الأطلسي في اجتماعهم الأخيرة الذي انعقد في بروكسل  (AA)

لقد بدا أن الناتو سيستعيد دوره بعد تراجع دام لعدة سنوات وبخاصة في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب.

وقد كان حضور واشنطن مع إدارة جديدة برئاسة جو بايدن العامل الأبرز إذ سيرمم الأخير ما تضرر من سمعة الناتو وبنيته في عهد ترمب، ويبدو أن الإسهام الأمريكي سيعزز صلابة الحلف بعد الأزمة التي عصفت به وجعلت مستقبله موضع تساؤل، ومع ذلك فإن الحضور التركي وبروح مختلفة عن الأعوام الأخيرة يبدو واضحاً ويشي بتموضُع جديد لتركيا.

ولعلنا هنا نستحضر ما ذكره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 عندما قال: "ما نعيشه حالياً هو موت سريري لحلف الناتو"، ويعود السبب في ذلك إلى نقض الولايات المتحدة التزاماتها تجاه حلفائها في الناتو وتصرفات تركيا العضو في الحلف"، إذ حدد ماكرون في ذلك الوقت مشكلة الناتو في واشنطن وأنقرة بشكل أساسي.

وهنا إن كان تغيير الإدارة في واشنطن ورؤيتها الجديدة سيساهم في إعادة الهيبة إن صح التعبير والاهتمام والتماسك لحلف الناتو من جديد فقد أبدت تركيا أيضاً مرونة عالية وفي وقت قصير لتعيد تموضعها فاستطاعت تهدئة خلافاتها مع أكثر من دولة في الناتو وعلى رأسها فرنسا واليونان. كما عززت علاقاتها الدفاعية مع بعض الدول مثل بولندا التي زودتها بطائرات مُسيَّرة تركية.

ومع ذلك نادت تركيا بتخفيف التوترات بين حلفاء الناتو منذ 2019 فدعا أردوغان في اجتماع الناتو في مايو/أيار 2019 جميع الدول الأعضاء في الناتو إلى "احترام حقوق تركيا". وحدد التهديدات المشتركة في الساحة الدولية وألمح باللوم على حلف الناتو لفشله في مساعدة الجهود التركية لتحييد التهديدات ضد الأمن القومي للبلاد.

كما ذكّر أردوغان بمساهمة تركيا في عمليات الناتو في البوسنة وكوسوفو ومقدونيا وأفغانستان. ولكنه في نفس الوقت لام الحلف على تقصيره بدعم تركيا في مواجهة تحدياتها، وقد قال أردوغان: "يتعارض وجود الناتو ذاته مع توقُّع تغلُّب الدول الأعضاء على التحديات الخطيرة من جانب واحد أو بشكل منفرد، مثل تحدي الإرهاب. نتوقع من أصدقائنا في الناتو أن يتصرفوا فقط تماشياً مع روح تحالفنا والدفاع عن قيمه التأسيسية. نريد من حلفائنا أن يتخذوا إجراءات ضد الجماعات التي يعتبرونها منظمات إرهابية ونتوقع أن يسهم حلف الناتو بتخفيف حدة التوتر".

وعلى كل الأحوال فمع غياب الأصوات التي كانت تنادي بإخراج تركيا من حلف الناتو أو تشكيل بديل أوروبي فقد أرسل الاجتماع الأخير في بروكسل في 14 يونيو/حزيران عدة رسائل فيما يتعلق بعلاقة تركيا مع الناتو وأهمها أن الناتو غير مستعد حالياً عن الاستغناء عن المساهمة التركية في الحلف حتى لو تجنب إثارة بعض الأمور الخلافية -وعلى رأسها أزمة S-400 وأزمة التنقيب عن الطاقة شرق المتوسط- أو على الأقل أجَّل البحث فيها على أمل تسويتها لاحقاً من خلال لجان مشتركة.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي جو بايدن في لقائهما على هامش قمة الناتو في بروكسيل (Reuters)

يأتي هذا الاعتبار لأهمية المساهمة العسكرية التركية في الحلف، فتركيا صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو وتعتبر من أكبر 3 مساهمين في القوة البحرية التابعة للناتو في البحر الأبيض المتوسط، كما تعد أنقرة ثامن أكثر عضو يسهم في ميزانية الحلف، إذ تقدم دعماً تصل قيمته إلى 90 مليون يورو.

بالإضافة إلى هذا تشارك القوات المسلحة التركية في العديد من عمليات "الناتو" ومهامه أبرزها قوات "الدعم الحازم" في أفغانستان. وفي أفغانستان أيضاً تولت أنقرة مهمة تشغيل الأمن في مطار حامد كرزاي الدولي حتى نهاية 2019 .

ويبلغ عدد الجنود الأتراك في أفغانستان ضمن إطار قوات "الناتو" 570 عسكرياً، أما في كوسوفو فتسهم تركيا في تعزيز قوة "الناتو" أيضاً عبر تخصيصها 280 جندياً ضمن إطار قوات حفظ السلام "KFOR". وفي العراق تعتبر تركيا ثاني دولة بعد كندا تقدمت بتعهدات دعم لقوات "ناتو" هناك، ويوجد 30 جندياً تركيا ضمن هذه القوات.

وبالنظر إلى تجديد حلف الناتو وقوفه مع الحكومة الأفغانية وإعلانه عن دعم برامج إعادة بناء الدولة وبرامج التدريب للمؤسسات العسكرية والأمنية والشرطية في أفغانستان فإن تركيا تبرز كلاعب أساسي بهذه العملية في ظل وجود رغبة تركية أيضاً في الانخراط بأفغانستان.

لقد أكدت تركيا أهميتها عملياً من خلال المحافظة على مصالحها ومن خلال الانسجام مع كونها عضواً في الناتو على عكس أعضاء آخرين مثل فرنسا. فعلى سبيل المثال كان دور فرنسا مساهماً في تقوية النفوذ الروسي بليبيا عبر دعم المرتزقة بينما حدّ الدور التركي من هذا النفوذ عبر دعم الحكومة الشرعية هناك.

وعلى صعيد استخدام القوة فقد أثبتت تركيا رغبة وقدرة في ليبيا وأذربيجان وقطر وسوريا عندما أرسلت قوات أو ساهمت بتغيير قواعد اللعب من خلال تحركاتها ودعمها الدفاعي والعسكري.

على جانب العلاقات الأمريكية-التركية كان النقاش في الأعوام السابقة منصبّاً على إمكانية أن يقوم الحلف كمظلة في إصلاح الخلافات والتوترات بين أنقرة وواشنطن، ولكن يبدو اليوم أن دور أنقرة وواشنطن هو ما سيعدل دفة الأمور لإصلاح بنية الحلف وهيبته من جديد.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية ستشجع تركيا على مزيد من الانخراط في مهام الناتو لأنها ترى أنه لا غنى عن هذا الدور كما يبدو أن العلاقة ستستمر من خلال كون تركيا دولة مهمة بالناتو أكثر من التركيز على العلاقة الثنائية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفهُّم متبادل وإمكانية لحلحلة الخلافات القائمة.

يمكننا القول باختصار إن عدة أمور تؤكد دور تركيا بالناتو وهي مساهمة تركيا الحالية والمستقبلية به وقوتها العملية بعدة أماكن في مواجهة روسيا والصين وعلى سبيل المثال ليبيا، وتزايد علاقاتها الدفاعية المتنامية مع دول الناتو مثل تصديرها لطائرات من دون طيار واستيرادها للصواريخ الفرنسية الإيطالية، فضلاً عن سعيها الدؤوب لتخفيف التوترات مع أعضاء الناتو مثل اليونان وفرنسا. وقد تجلت هذه الأمور في صورة اجتماع بروكسل الأخير بشكل واضح، ولقاءات أردوغان مع الزعماء الآخرين في الناتو.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً