يستمر الجيش الأمريكي بنقل معداته العسكرية ومروحياته إلى قاعدة "أليكساندروبولي" القريبة من تركيا والمطلة على بحر إيجة. (Others)
تابعنا

تحتشد قوات عسكرية روسية على الحدود الأوكرانية، وتجري مناورات ضخمة في البحر الأسود، تقابلها مناورات أطلسية، أضيف إليها المناورات الضخمة الجارية حالياً في المتوسط والتي تقودها فرنسا. كل ذلك وسط موجة من التصريحات النارية، كأنها "قرع طبول الحرب".

واللافت في هذه التطورات اندفاع اليونان لتلعب دور القاعدة العسكرية المتقدمة ليس لحلف الناتو فقط بل للقوات الأمريكية والفرنسية من خلال توقيع أو تجديد وتوسيع اتفاقيات عسكرية معهما.

وإذا كانت القواعد العسكرية الأمريكية واتفاقيات الدفاع لا تحقق الحماية والأمن كما تثبت تجارب سوريا والعراق وأفغانستان، فلماذا أخطأت اليونان الحسابات واختارت مواصلة سياسة الهرب إلى الأمام بدلاً من تسوية مشكلاتها مع تركيا وفي مقدمتها ترسيم الحدود البحرية وحل قضية جزر بحر إيجة؟

بدلاً من أن تختار اليونان التواصل والحوار مع تركيا، جددت ووسعت اتفاقية التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. فهل تحمل الاتفاقية معطيات جدية وبنوداً جديدة تبرر توقيعها؟ أم هي مناورة سياسية أمريكية تستهدف التهويل على تركيا لإعادتها إلى "بيت الطاعة" وتحذير روسيا والصين من مغبّة مواصلة تعزيز حضورهما العسكري والسياسي في المنطقة؟ وهما أمران مشكوك في قدرة الولايات المتحدة على تحقيقهما في ظل سياستها القائمة على الانسحاب من مناطق النزاع، لتكون اليونان هي الضحية أو "الزوج المخدوع".

لنلاحظ أولاً أن الولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري ضخم في اليونان بموجب اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة في العام 1990، والتي جُدّدت ووُسّعت في العام 2019، والتجديد "الجديد" لا يضيف الكثير باستثناء السماح للقوات الأمريكية باستخدام المنشآت العسكرية اليونانية كافة، ما يعني تحويل اليونان بتاريخها التليد وشعبها العريق إلى مجرد "قاعدة عسكرية أمريكية"، كما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ويتضح من البنود التي أضيفت أنها تستهدف تقوية الوضع العسكري الأمريكي وليس حماية اليونان، مثال ذلك السماح بتوسيع قاعدة خليج سودا في كريت، وتوفير بنية تحتية لقواعد أخرى، وتوسيع وتطوير قاعدة الكسندروبوليس على ساحل تراقيا بالقرب من الحدود التركية ما يوفر تواصل بري وطريق بديل لنقل القوات العسكرية إلى بلغاريا ورومانيا حال حدوث أي أزمة تحرم أمريكا من الوصول إلى البحر الأسود. وذلك ما قصده وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن بقوله إن "الاتفاقية ستسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في شرق المتوسط.. وما وراءه".

اليونان.. خطأ الحسابات والفرضيات

تؤكد الاتفاقية التغيير الجذري الذي حدث في السياسة الخارجية اليونانية تجاه الارتماء في الحضن الأمريكي والتماهي مع سياسات الناتو والدخول في حرب مفتوحة مع تركيا، مقابل السياسة السابقة التي اعتمدت التوازن والاعتدال وإقامة علاقات تعاون مع الصين وروسيا وحسن جوار مع تركيا.

ويبدو أن السياسة الجديدة تقوم على فرضيتين تحتاجان إلى إعادة نظر، لكي لا نُعدِّهما خاطئتيْن،

الفرضية الأولى: وجود حالة عداء بين الولايات المتحدة وتركيا، وذلك خطأ كبير، فتركيا كانت وستبقى منضوية موضوعياً إلى المحور الأوروبي-الأمريكي، ليست كدولة تابعة بل كقوة إقليمية مستقلة لها رؤيتها وحساباتها ومصالحها التي يجب على حلفائها احترامها ومراعاتها وأن يعتادوا هذا الوضع الجديد. وهو ما عبر عنه بدقة عالية وزير الخارجية اليوناني السابق نيكوسكوتزياس محذراً من "خطيئة بناء الحسابات على أساس أن تركيا هي العدو المشترك لأمريكا واليونان، فمصالح أمريكا في مكان آخر، وهي لا تُنشئ القواعد العسكرية لشن حرب على تركيا أو لمنعها من شن حرب على اليونان، بل لمواجهة روسيا".

يضاف إلى ذلك أن تركيا واستناداً إلى حقائق جيوسياسية ثابتة، ستبقى عضواً فاعلاً في حلف الناتو لا يمكن الاستغناء عنه مهما طرأ من خلافات. وذلك ما عبر عنه الرئيس أردوغان بقوله إن "تركيا من بين الدول السبع الكبرى في حلف الناتو من حيث عدد القوات والدعم المالي"، لافتاً إلى أن اليونان ليس لديها هذا الوضع. وأضاف أنّه "على مدى 68 عاماً كانت تركيا بين أول خمس دول إسهاماً في مهام الحلف وعملياته". ورغم التدهور في علاقاتها مع تركيا يبدو واضحاً أن أمريكا لن تغامر باستعدائها ودفعها للخروج من الناتو، ما يعني قيام محور تركي-روسي-إيراني، يتحالف مع الصين. مع المخاطرة أيضاً بحدوث انقسام أوروبي تفرضه المصالح وتقوده ألمانيا وإيطاليا.

القواعد تور ّط ولا تحمي

الفرضية الثانية: مبادرة تركيا إلى شن حرب على اليونان لحل المشكلات العالقة معها وبخاصة ما يتعلق بالحدود البحرية. وذلك خطأ كبير آخر في الحسابات. فصحيح أن توسيع المياه البحرية واستعادة تركيا وضعها كدولة بحرية، يُعدُّ هدفاً مركزياً وموضع إجماع وطني، وصحيح أن تركيا تمارس "سياسة حافة الهاوية" في مقاربتها لكثير من الملفات، ولكنها تمارسها بقدر كبير من البراغماتية المستندة إلى معرفة قواعد اللعب مع الكبار وإلى إدراكها أن تغيير الحدود وإعادة رسم الخرائط لا يتم بشن حروب، بل يأتي كنتيجة لترسيخ موقعها كقوة إقليمية وبناء شبكة تحالفات وتفاهمات على مستوى الإقليم والعالم في ظل توجه نحو عالم متعدد الأقطاب و"أكبر من خمسة".

وحتى استخدام تركيا القوة العسكرية في بعض الحالات، فإنه يجرى وفق حسابات دقيقة لتجنب انفلات الأوضاع. وهناك شواهد كثيرة على ذلك مثل المسارعة إلى تدارك تداعيات إسقاط الطائرة الروسية، أو الضغط لوقف هجوم قوات حكومة الوفاق الليبية على مشارف سرت لتجنب الصدام مع مصر إلخ.

أما الحديث عن أن القواعد العسكرية الأمريكية توفر الحماية لليونان تنقصه الدقة، لأن هذه الحماية مؤمَّنة سلفاً بحكم عضويتها في حلف الناتو. وهو ما أكده أمين عام الحلف ينس ستولتنبرغ بانتقاده لاتفاقيتَي الدفاع المشترك مع أمريكا وفرنسا دون أن يسميهما بقوله: "لا أحبذ أي اتفاقية يتم توقيعها خارج إطار حلف الناتو لأنها تخلق تنافساً وازدواجية مع اتفاقية الحلف". وأيده في ذلك وزير الدفاع التركي خلوصي أقار بإشارته إلى أن "تشكيل تحالفات خارج حلف الناتو سيضر بالمنظمة".

أما كبير مستشاري البنتاغون السابق دوغلاس ماكريغور فاعتبر أن "استضافة اليونان لمزيد من القواعد والقوات العسكرية الأمريكية قد يدفعها للدخول في صراعات وحروب غير مرغوب فيها، بدلاً من تحسين أمنها".

ولا تقتصر خطورة هذه الحسابات الخاطئة على الجانب السياسي، فهي تلحق ضرراً كبيراً باليونان على المستويين الاقتصادي والاستثماري أولاً بحرمانها من الاستثمارات الصينية والروسية دون أن يُمكن تعويضها بزيادة الاستثمارات الأمريكية والأوروبية. وثانياً باضطرارها إلى مواصلة زيادة إنفاقها العسكري رغم صعوبة أوضاعها الاقتصادية والمالية. ويلاحَظ هنا أن حجم هذا الإنفاق ارتفع من نحو 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2014 إلى نحو 3.8 في المئة العام الماضي، وهي النسبة الأعلى بين كل دول حلف الناتو.

إنه زمن الصراعات الكبرى والتسويات الأكبر، وربما لم يفُت الوقت كي تعيد اليونان حساباتها، وتخرج من دور "الزوج المخدوع" والاستقواء بأوهام القواعد العسكرية الأجنبية واتفاقيات الدفاع التي أثبتت عقمها. وتذهب إلى حل المشكلة الأساسية مع تركيا وهي الحدود البحرية بما يكفل استغلال موارد النفط والغاز واستبدال منصات الحفر بحاملات الطائرات والبوارج، بما يحقق مصالح البلديْن الجاريْن، وقبل أن تُطوَّر بدائل للطاقة، فلا يجد النفط من يستخرجه أو يشتريه.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي