لقد ضربت الجزائر مثالاً للعالم في ثورة نوفمبر جعلها محطّ جذبٍ وتقدير، ومنحها مكانةً لائقة بها بين الأمم، أفلِت قوتّها الناعمة تلك لعقود وحان الوقت لإحياء روح ثورة نوفمبر بثورةٍ سلميةٍ حضاريةٍ سيُعلّم بها الشعب الجزائري العالم بأسره دروساً كثيرة.

في سنة 1969، أطلق أميلكار كابرال، أحد أشهر الثوريين في القارة الإفريقية ضدّ الكولونيالية، على الجزائر العاصمة تسمية "مكّة الثوّار"، وهي تسميةٌ ظلّت ملاصقةً لها منذ الاستقلال إلى نهاية الحرب الباردة، لم يكن ذلك بسبب الزيارات الكثيفة لقادةٍ ثوريين مشهورين لها طيلة فترة الستينات من القرن المنصرم على غرار تشي غيفارا، وياسر عرفات، ونيلسون مانديلا؛ ولكن لأنّ المئات من التروتستيين، الآنركيين وشتّى أنماط ثوريي العالم الثالث ظلّوا يلتقون بالعاصمة الجزائرية طيلة تلك الفترة لأجل إجراء نقاشاتٍ وبناء شبكاتٍ ودراسة التجربة الجزائرية في التحرّر الثوري، كان هذا الأمر كفيلاً لوحده بمنح الجزائر دوراً رائداً في قيادة العالم الثالث المتمزّق بين مصالح الشيوعية والرأسمالية أيّام الحرب الباردة؛ وذلك عبر منظماتٍ عديدةٍ كان أهمّها منظمة دول عدم الانحياز أو عبر جهودها الدبلوماسية الفاعلة، لقد كانت الجزائر الدولة الأكثر إلهاماً لثوريي العالم ضدّ الظلم والعنصرية وقوى الاحتلال، وقد بلغت سمعتها آفاق العالم من جاكارتا إلى إيران إلى فلسطين إلى جنوب أفريقيا إلى كوبا وأمريكا اللاتينية، ولا تزال هذه السمعة الحسنة قائمةً إلى الآن بالرغم من ما عاشته الجزائر من مشكلات.

بعد مرور نصف قرن ونيف على اندلاع الثورة الجزائرية المُلهمة، تعيش الجزائر اليوم لأوّل مرّة أهم "ثورةٍ سلميةٍ" حدثت بأراضيها منذ الاستقلال، اعتبرها كثيرون بأنّها تكملةً لهذا الاستقلال السياسي المنقوص؛ إذ يضرب حِراك الشعب الجزائري المليوني اليوم مثلاً مُلهماً في "الثورة السلمية" على كل أشكال الظلم الاجتماعي والفساد وانسداد الأفق الديمقراطي في البلاد، الصور والفيديوهات القادمة من الميادين هناك تجعلنا نستحضر الإنجاز الذّي بنت عليه الجزائر صورتها الدولية وسياستها الخارجية بعد الاستقلال بفضل الشرعية المُكتَسبة من ثورة نوفمبر المجيدة، فصارت قِبلةً للثوار، بشكلٍ يجعلنا نُحجاج بإمكانية الاستثمار في الصورة التّي قدّمها حِراك الشعب الجزائري الحضاري اليوم في بناء "شرعية جديدة" تُؤسّس عليها الجزائر من جديد وتستفيد منها في بناء نظامٍ ديمقراطي قويّ في الداخل، وفي تعزيز سياستها الخارجية على المستوى الإقليمي خصوصاً باعتبارها من أكثر الدول الإفريقية المؤهلّة لممارسة دور في قيادة المنطقة.

تعيش الجزائر اليوم لأوّل مرّة أهم "ثورةٍ سلميةٍ" حدثت بأراضيها منذ الاستقلال، اعتبرها كثيرون بأنّها تكملةً لهذا الاستقلال السياسي المنقوص.

جلال خشيب

يأتي ذلك في وقتٍ اتجهت فيه أغلب "موجات التغيير الشعبية" في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ سنة 2011 إلى نماذج متباينةٍ من التغيير الراديكالي العنيف، أو ذلك المنقاد بعامل الأيديولوجيا، ولو أنّه بدأ بدونها، وهنا تكمن أحد فروقات الحِراك الشعبي الجزائري عمّا سواه، فالشارع اليوم مُجمعٌ على مسألتين مركزيتيْن: السلمية وعدم الانجرار إلى العنف، مهما بلغت استفزازات السلطة، أمّا الأمر الثاني فتحييده لعامل الأيديولوجيا والحزبية بعدما كفر بأغلب الوجوه السياسية القديمة؛ لاسيما تلك المنحازة أيديولوجياً نحو هذا التيّار أو ذاك، وفي المسألتين تكمن قوّة هذا الحِراك.

طبعاً لا يزال الوقت مُبكّراً للحكم على نجاح هذا الحِراك أو استمراره على ذات الوتيرة السلمية الحضارية، فهذه مسألةٌ أخرى تحكمها عوامل كثيرةٌ تتجاوز إرادة الجماهير، لكن المطلوب من هذه الجماهير في الوقت الراهن أساساً هو المحافظة على وتيرة السلمية والابتعاد عن كلّ ما من شأنه أن يعود بها نحو الاستقطابات الأيديولوجية، التّي سوف تُبعد الحِراك على أهدافه المركزية.

المطلوب من هذه الجماهير في الوقت الراهن أساساً هو المحافظة على وتيرة السلمية والابتعاد عن كلّ ما من شأنه أن يعود بها نحو الاستقطابات الأيديولوجية التّي سوف تُبعد الحِراك على أهدافه المركزية.

جلال خشيب

في مقابل ذلك، فإنّ النظام السياسي بجميع أجنحته المتنافسة يقف اليوم أمام لحظةٍ تاريخيةٍ بجد،ّ لن يُكرّرها التاريخ كثيراً في هذا البلد، عليه أن يُحسن الاستثمار فيها بحكمة، إذا أرادوا أن ينقلوا الجزائر إلى مرحلةٍ جديدة من القوة والتأثير على المستويين الداخلي والخارجي، فمن المستحيل على الإطلاق المُضي قُدماً في مشروع بناء جزائر قويّةٍ ومُؤثّرةٍ من دون أن يستغل صنّاع القرار هذه الفرصة التاريخية؛ فيُشرفوا بأنفسهم على تعبيد الطريق لتجسيد نموذجٍ جذّابٍ وناجحٍ في الانتقال الديمقراطي، وإنّها لفرصةٌ مناسبةٌ جدّاً لتحقيق ذلك ما دامت الجزائر تعيشُ اليوم مرحلةً انتقاليةً بأتمّ معنى الكلمة.

إنّنا نرى أنّ أولى الخطوات الثابتة في المشاريع النهضوية الناجحة إنّما تبتدئ بتكريس قيمِ الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية والمساواة والإيمان برأس المال الإنساني داخل المجتمع وبين مؤسّسات الدولة، فالنظم السياسية المُعادية لروح الديمقراطية والفاقدة لشرعية وجودها لدى شعبها لن تكون قادرةً على إقناع الشعوب الأخرى بأنّها نموذجٌ ناجحٌ يستدعي التقليد أو الانجذاب، ذلك أنّ مضمون القوة الناعمة يرتكز أساساً على القيم الإنسانية الجذّابة التّي تتجسّدُ داخل الدولة بفضل جهود الجهات الحكومية وغير الحكومية فتكسب رضى الجماهير والنخب، وتُحفّز لديهم رغبة المساهمة في إنجاحها.

لا يرتبط هذا الشرط كما قد يُفهم بالنظام السياسي وأجنحته المتنافسة وحسب، ما دام العجز الديمقراطي الذّي تعرفه الجزائر عجزاً مُركّب الأسباب والأبعاد، فثقافة الديمقراطية والمواطنة والدولة المدنية الحديثة ثقافةٌ محدودةٌ لدى الجماهير، كما أنّها ثقافةٌ مُزيّفةٌ، إن صحّ التعبير، لدى طائفةٍ كبيرةٍ من نشطاء الساحة السياسية الجزائرية المعارضين والموالين على حدٍّ سواء.

إذا أراد صنّاع القرار القائمون أو القادمون المُضيَ قُدُماً نحو مشروع بناء جزائر قويّة فما عليهم سوى قطع الارتباط بالماضي السياسي السلبي لهم وللبلاد الذّي ينخره كثيرٌ من الفساد.

جلال خشيب

إنّ الدول التّي قدّمت تجربةً ناجحةً في عملية انتقالها نحو الديمقراطية "على غرار تركيا مثلاً" أو كانت سبباً أصيلاً في "إلهام العالم روح الديمقراطية" بعد أن أرست نظماً ديمقراطيةً حُرّةً في الداخل "كالولايات المتحدة مثلاً"، منحت لنفسها شرعيةَ القول عند مُخاطبة هذا العالم، بل إنّها نالت شرعية الفعل حتّى عند غزوه بقوّةِ البارود.

باختصار، إذا أراد صنّاع القرار القائمون أو القادمون المُضيَ قُدُماً نحو مشروع بناء جزائر قويّة، فما عليهم سوى قطع الارتباط بالماضي السياسي السلبي لهم وللبلاد، الذّي ينخره كثيرٌ من الفساد، وبكلّ الوجوه التّي ساهمت في تكريسه على مستوى مؤسّسات الدولة أو الإعلام أو الأحزاب أو الجامعات ومنابر التعليم والدين، فرُوحُ الديمقراطية عنصرٌ حيويٌّ لهذا المشروع، يختصر الباحث الأمريكي جوزيف ناي هذا المضمون العام في مصطلحه الشهير "القوة الناعمة"، فيقول: "بأنّ القيم التّي تدافع عنها حكومةٌ ما فتنتصرُ لها بسُلوكها في الداخل (كالديمقراطية مثلا) وفي السياسة الخارجية ثؤثرُ تأثيراً قويّاً على تفضيلاتِ الآخرين، فالحكومات يمكنُ أن تجذب الآخرين أو تُنفرّهم بتأثير المِثال الذّي تضربه لهم كقدوة".

لقد ضربت الجزائر مثالاً للعالم في ثورة نوفمبر المجيدة جعلها محطّ جذبٍ وتقدير، ومنحها مكانةً لائقة بها بين الأمم، أفلِت قوتّها الناعمة تلك لعقود وها قد حان الوقت مُجدّدا لإحياء روح ثورة نوفمبر المجيدة بثورةٍ سلميةٍ حضاريةٍ سيُعلّم بها الشعب الجزائري العالم بأسره دروساً كثيرة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي