يبدو أنَّ كلَّ شيءٍ يلمسه محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الجديد، يتحوَّل إلى مخلوق أشبه بميدوسا، ويصيبه باللعنة.

وسواء كان ذلك قراره بالحرب في اليمن، أو "خطف" رئيس الوزراء اللبناني، أو شيطنة جارته قطر، أو قراره الأحدث بفرض عقوبات على كندا بسبب انتقادها الأوضاع المزرية لحقوق الإنسان في المملكة، فإنَّ قلَّةً قليلة فقط، أو ربما لا أحد من شعبه يؤمن أنَّ رؤيته لإصلاح الدولة بحلول العام 2030 قابلة للتحقيق حتى، بغض النظر عمَّا إذا كان وليّ العهد سيستطيع ربح ثروة من البيع العام لشركة النفط الحكومية.

لكن بعد اختفاء جمال خاشقجي يوم الثلاثاء 2 أكتوبر/ تشرين الأول، لم يعُد حتى أشد مؤيدي وليّ العهد إخلاصاً له قادرين على الحفاظ على الزخم الهزلي الجاري للتظاهر بأنَّ السعودية على الطريق نحو إصلاحٍ أو تحديثٍ من أيِّ نوع.

دخل خاشقجي القنصلية السعودية في إسطنبول، معتقداً أنهم سيعطونه شهادة طلاق كان يحتاج إليها لكي يتزوَّج خطيبته التركية. في الواقع، يبدو أنَّ هذه الحركة الخادعة التي دبَّرتها الرياض كانت تهدف إلى اختطافه، بعد "خلاف" مزعوم بينه وبين محمد بن سلمان، وهروبه من السعودية عام 2017 خوفاً من الاعتقال.

وربما يكون محمد بن سلمان بحركته الأخيرة قد وصل إلى مستوى أشد انحطاطاً، فقد صدم ما فعله السعوديين أنفسهم. ويستطيع السعوديون أن يروا مستوى الخوف والانتقامية الذي وصل إليه وليّ العهد، من خلال حملة الاعتقال الواسعة للنُقَّاد المُحتَمَلين، الذين احتجزهم بن سلمان في فندق مُترَف بالرياض، على الرغم من محاولات صحفيين غربيين مثل توماس فريدمان، الذي يعمل بصحيفة نيويورك تايمز، لتجميل أفعال بن سلمان.

لكنَّ قضية خاشقجي هي أمرٌ غير مسبوق.

من المهم أن نتذكَّر أنَّ خاشقجي لم يكن الناقد الدؤوب لمحمد بن سلمان كما كان يُقال عنه، بل كان بالأحرى مُعلِّقاً غامضاً، كان في السابق جزءاً من النظام.

في الواقع، كان خاشقجي من مؤيدي رؤية السعودية 2030 لمحمد بن سلمان، وكان يُمثِّل بصيصاً من الأفكار المعقولة في بيئةٍ كانت تمنع حتى النقد البنَّاء.

في عالم محمد بن سلمان الذي يسيطر عليه جنون الارتياب، كان خاشقجي يُعدُّ تهديداً لأنه كان يناصر أشدَّ موضوع يخشاه العاهل السعودي ويكرهه دوناً عن كل المواضيع، ألا وهو الجدال.

فقد شجَّع مقاله الأخير فكرة حرية الصحافة في الدولة، وهي فكرة راديكالية في دولةٍ يمكن القول بأنها خالية من الصحافة.

منذ غادر خاشقجي بلاده، صار كاتب مقالات بصحيفة The Washington Post الأميركية، وكانت مقالاته التي تُنشَر بالعربية تُهدِّد بإثارة الجدال حتى داخل بيت آل سعود، الذي ربما يعتبر محمد بن سلمان مضطرباً للغاية، ويخلعه بسبب سلسلةٍ من القرارات الطائشة التي أتت كلها بنتائج عكسية، ومؤخراً اضطلعت كلها بدورٍ في فشل اكتتاب عام أوَّلي، إضافةً إلى الرقم القياسي في انخفاض معدَّل الاستثمارات الأجنبية.

ليس أمامنا إلا أن نفترض أنَّ بن سلمان لم يتحمَّل الإهانة التي تعرَّض إليها من وراء تلك المقالات، ويفترض كثيرون أنَّ فريقاً مكوَّناً من 15 مسؤولاً سعودياً وصلوا إلى السفارة السعودية في وقتٍ سابق، في الواقع قد قتلوه داخل القنصلية.

مملكتي مقابل جريمة قتل؟

الحقيقة أنه لا يوجد تقريباً أيُّ دليلٍ لتأييد هذا. ففي النهاية هذه قصةٌ مليئة بالألغاز والغموض.

يبدو أنَّ الإعلام الغربي يريد تأييد فكرة أنه قد مات. ورغم أنَّ هذه السردية تتسق مع ما نصدقه بشأن السعودية ووليّ عهدها المُتوتِّر والمتقلِّب الجديد، فهي إن صدقت، فسوف يتوجَّب علينا أن نسأل أنفسنا من المسؤول الحقيقي عنها، وما الذي على الحكومات الأجنبية، أو الإعلام بالأحرى، فعله حيال طريقة التعامل مع أشدِّ حكومةٍ قمعية في العالم.

بالتأكيد سيكون التنديد الصادر عن تيريزا ماي ضئيلاً، وكذلك الحال مع دونالد ترمب، الذي قد يكون خطابه العلني المؤخر، الذي طلب فيه مزيداً من الأموال من الملك السعودي، قد أسهم في نهاية خاشقجي؛ فقد انتقد الأخير دعمَ الأميرِ الرئيسَ الأميركي بخصوص مُخطَّطاته المغلوطة في فلسطين، وحاول تحذير السعوديين من تصديق ترمب.

لا شكَّ أنَّ واشنطن تدرك موقف محمد بن سلمان السيئ، لكنها ستتغاضى عن ذلك لأنه من حلفائها، وستتبعها لندن في رؤيتها هذه.

لكنَّ الغرب قد خلق وَحشاً في السعودية. وسيحدث المزيد من هذا، إذ سيرى شباب المملكة قريباً حماقة رؤية السعودية 2030 التي يتبناها بن سلمان، وسيُثقِل هذا كاهله بمزيدٍ من الضغط.

كان مؤيدو بن سلمان الشباب ليُرحِّبوا بحرية الصحافة، مع أنَّ أفكاراً كهذه ثمنها باهظ.

ليست الحكومات الغربية فقط هي من منحت محمد بن سلمان الضوء الأخضر ليفلت بكل أفعاله، بل شارك في هذا أيضاً الإعلام الغربي الذي أعطى خاشقجي مسدساً به رصاصة واحدة قد تنطلق في أيِّ وقت. وقد مرَّت سنواتٌ كثيرة منذ تخلَّى الغرب عن وصايته الأخلاقية على الدول التي يبيع لها السلاح.

لقد فقدنا كلَّ تفوق أخلاقي كنا نظن أننا نتحلَّى به.

مارتن جاي

وكأننا قد صدَّرنا سلعة الديمقراطية بكمياتٍ ضخمة، إلى درجة أنها صارت شحيحةً في بلادنا. وقد فقد الإعلام أيضاً أفضليته التي كان يتمتَّع بها، إذ صارت الصحافة حرفةً رخيصة. لكن ماذا عن استخدام الغرب مُعلِّقاً عربياً لتدبير إجراء إصلاح في أشدِّ بقاع العالم ظلاماً؟ ثمَّة فوائد كثيرة في هذا، وفي رأيي، هذا هو ما ورَّط خاشقجي.

إنَّ تحويلَ صحيفة The Washington Post خاشقجي إلى أيقونةٍ سمراء البشرة في غرفة الأخبار، لكي تجعلنا كلنا نشعر بالتحسُّن حيال كم التمويل الذي نمنحه، نحن الغربيين، للسعوديين لكي يذبحوا اليمنيين، أمرٌ يصيبني بالقلق.

لكنَّ الأمر أسوأ من ذلك. إذ أنَّ الصحيفة الأميركية نفسها لا تبدو مهتمةً بمصير خاشقجي، وتستمر في نشر مقالاته، جاعلةً منه أيقونةً في الشرق الأوسط، وهي بذلك تمحو أي إمكانية لعقد صفقة وإطلاق سراحه، إن صحَّت الاحتمالية الضئيلة وكان لم يزل حياً وواقعاً في أسر السعوديين.

أنا أرى هذا تحديداً تصرُّفاً كريهاً: تسخير مشاعر المُحرِّرين وغرورهم بسهولة لصالح سعي المؤسسات الإعلامية الجشع وراء الانتشار. فيمَ كان يفكر محرِّرو The Washington Post وهم ينشرون مقالاته بالعربية؟

إنَّ أيدينا جميعاً مُلوَّثة بدماء خاشقجي، لكنَّ موته، لو كان قد حدث فعلاً، ربما لا يذهب سُدى.

فالكثير من نواقص وليّ العهد السعودي وأخطائه الهزلية لم تصل بعد إلى غُرف معيشة الناس البسطاء في الغرب، وقد تُحرِّك هذه الحادثة شيئاً ما. ولو لم يحدث ذلك بين السياسيين، فعلى الأقل بين المستثمرين الغربيين الواعين، الذي ربما يراقبون الاكتتاب العام الأوَّلي لشركة أرامكو السعودية، الذي أُجِّل فقط إلى عام 2021، وذلك وفقاً لمقابلة أجرتها وكالة Bloomberg الأميركية في توقيت غريب (مع محمد بن سلمان في اليوم التالي للاختطاف).

لم يربط السعوديون بين النقاط بعد ليروا الرابط بين الفظائع التي ترتكبها السعودية في ما يخص حقوق الإنسان، التي غالباً صارت تشمل الآن الاختطاف (إن لم يكُن القتل)، وبين ندرة الاستثمارات الأجنبية.

ولو لم يستطع الغرب وإعلامه المهووس بذاته أن يُرشِدا وليّ العهد السعودي إلى طريق الصواب، فربما تنجح البنوك والأسواق في تحقيق ذلك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي
المصدر: TRT عربي