أشخاص ينظرون إلى ملصقات جدارية معروضة بمناسبة "اليوم الأسود" لإحياء ذكرى وصول الجيش الهندي إلى جامو وكشمير في عام 1947 ، خلال معرض في بيشاور ، 27 أكتوبر 2021 (تصوير عبد المجيد / وكالة الصحافة الفرنسية) (Abdul Majeed/AFP)

من الغريب أن دولة الإمارات قد ضخّت المليارات اللازمة لاستكمال هذا المخطط، من خلال توقيع اتفاقات اقتصادية كبرى مع نيودلهي، عنوانها الاستثمار وإعادة إعمار هذه البقعة الجغرافية الملتهبة، مما يُعَدّ مباركة للمساعي الهندية للاستحواذ على الإقليم.

مراقبون كثر شبّهوا السردية الكشميرية بنظيرتها الفلسطينية، لا سيما في ما يخصّ سياسة التطهير والاستيطان، مع ما تتضمنه من إبادة جماعية وتهجير قسري للسكان الأصليين من جهة، وجلب المستوطنين وإحلالهم مكانهم من جهةٍ أخرى.

وهذا تشبيه في محله، وهو لا يقتصر على القضيتين المذكورتين، إنما وقع كثيراً في القرن الفائت في العالم الإسلامي، بدءاً من الفلبين وتركستان وتيمور الشرقيتين، مروراً ببعض جمهوريات وسط آسيا، وجمهورية إفريقيا الوسطى، ووصولاً إلى العراق وسوريا واليمن في السنوات الأخيرة.

تاريخياً، وصل الإسلام إلى حدود كشمير مع فتوحات القائد الشابّ محمد بن القاسم الثقفي أواخر القرن الأول الهجري، بيد أن انتشاره فيها بدأ في القرن السابع الهجري/الرابع عشر الميلادي، إثر اعتناق حاكمها البوذي رينجن شاه الإسلام وعمله على نشره، إضافةً إلى جهود العلماء والوعاظ المهاجرين من وسط آسيا.

وبحلول القرن الثامن الهجري أصبح المسلمون أغلبية عددية، واستمر حكم الدول الإسلامية لها لخمسة قرون متتالية، إلى أن سقط آخرها في عام 1819م، ورغم وقوع عدة مجازر دموية بحق المسلمين الكشميريين فإنهم ما زالوا الأكثرية إلى يومنا هذا.

كشمير ما بين الهند وباكستان

جذور ما يحدث الآن في كشمير تعود إلى منتصف القرن العشرين، فمع رحيل الاحتلال البريطاني وانقسام شبه القارة الهندية إلى دولتين، الهند وباكستان، اتُّفق وقتها على أن تتشكل دولة باكستان من الأقاليم ذات الأغلبية المسلمة، وفي المقابل تنضمّ الأقاليم ذات الأغلبية الهندوسية لتؤسس دولة الهند.

كشمير كانت تُصنَّف ضمن المجموعة الأولى، ومع ذلك دخلتها الهند عسكرياً لقمع الاحتجاجات الشعبية المناوئة لطلب حاكم كشمير المهراجا غولاب سينج الانضمام إلى الهند، فتدخلت باكستان بدورها للدفاع عن الكشميريين عبر قوات قبلية وعسكرية، ونشبت حرب في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1947 لسنتين بين الطرفين، لينتهي الأمر آنذاك إلى بقاء ثلث كشمير تحت الإدارة الباكستانية واسمه "آزاد كشمير"، وثلثيها تحت النفوذ العسكري الهندي واسمها "جامو وكشمير"، مع حكم شبه ذاتي للكشميريين، وضمانات قانونية وتشريعية بعدم العبث بالتركيبة الديموغرافية للإقليم الوحيد ذي الغالبية المسلمة في الهند، عبر حظر تملُّك واستيطان غير الكشميريين.

وعلى الرغم من صدور العديد من القرارات الأممية المُقِرَّة بحقّ تقرير المصير للشعب الكشميري، فإنه لم يطبَّق أي منها على مدار سبعين عاماً خلت، بل وألغت السلطات الهندية في الخامس من أغسطس عام 2021م المادة 370 في دستورها الهندي، التي تنصّ على الوضعية القانونية الخاصة بإقليم جامو وكشمير.

وأعلنت مرحلةً جديدةً، عنوانها تغيير الهُويَّة الكشميرية والقضاء الكامل على حالة الحكم شبه الذاتي بجميع تمثلاتها الاجتماعية والسياسية والإدارية. وقد سارعت دولة الإمارات في مباركة هذا القرار عبر سفيرها في نيودلهي أحمد البنا، الذي رآه مدعاة للاستقرار والسلام.

أما المسلمون الكشميريون فنظّموا حَراكاً احتجاجياً واسعاً على امتداد الإقليم، جابهته السلطات الهندية بإجراءات استثنائية، أولها حملة قمع عنيفة على مختلف الأصعدة، فقتلت المئات واعتقلت وعذبت الآلاف وجرحت مثلهم، وسجنت القادة السياسيين المحليين، وحاولت عزل كشمير عن العالم عبر تكميم الأفواه، وقطع سائر وسائل الاتصال والبث.

ثم أصدرت الهند، خلال عامين فقط (من نهاية 2019 إلى نهاية 2021)، ضمن مخططها الرامي إلى التغيير الديموغرافي، ما يربو على أربعة ملايين تصريح إقامة للهنود الراغبين في الانتقال للعيش وتملُّك الأراضي في كشمير، وهو رقم كبير جداً مقارنة بتعداد المسلمين هناك، الذين لا يتجاوزون ثمانية ملايين إنسان.

وبخصوص الوظائف الحكومية والعملية السياسية الجديدة داخل الإقليم، بعد إزاحة الدستور السابق الخاص بكشمير، فقد تم ترتيبها بطرق تصبّ في نهاية المطاف في مصلحة الأحزاب والأطراف الهندوسية.

على الطرف المقابل تبدو باكستان الأعلى صوتاً والأكثر تضرراً من محاولات ضمّ الهند لكشمير، إذ المسألة بالنسبة إليها أمن قومي. وقد خاضت ثلاثة حروب مع الهند من أجل هذه القضية، هذا فضلاً عن دعمها لحركات المقاومة الكشميرية المناهضة للهند في تسعينيات القرن الماضي. وقبل سنتين، وإثر قرار الهند ضمّ كشمير، طردت باكستان سفير الهند، ووقفت علاقتها التجارية معها، وأسقطت لها طائرتين، وكادت الأمور تتطور إلى حرب، ولكنّ المسألة حُلّت دبلوماسياً.

طالبان وكشمير

تخشى الهند من تكرار انتفاضة كشمير بعد انسحاب الولايات المتحدة وحلفائها من أفغانستان، إذ تأثر الكشميريون من قبل بتجربتَي الجهاد الأفغاني الذي انطلقت شرارته عام 1979، ومن بعده الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987.

فمن المؤكد أن تولي طالبان الصديقة لباكستان مقاليد الأمور في أفغانستان سيعطيها دعماً وعمقاً استراتيجياً في مواجهة الهند، ومن هنا يجيء الربط في الأمن الإقليمي بين القضيتين. ومع عودة طالبان إلى السلطة في أعقاب هزيمتين لحليفين متعاقبين للهند (الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة)، تعود متلازمة أفغانستان وكشمير لتثير انتباه القوى الدولية التي لم تتمكن من إيجاد حلّ سلمي لكشمير أو توافق دولي في أفغانستان.

ولعل هذا ما دفع الهند إلى إجراء حوار مع بعض القادة الكشميريين في يونيو/حزيران الماضي، بهدف البحث عن سبل لإنهاء الاحتقان في كشمير، إذ تداول رئيس الوزراء الهندي مع 14 قائداً كشميرياً، وهو ما اعتُبر تراجعاً كبيراً لسياسة مودي المتشددة وقبضته الحديدية في كشمير.

من ناحية أخرى نجد أن إدارة ترمب قد تجاهلت ملف كشمير، واكتفت بتحذير الهند وباكستان من الدخول في حرب، مع تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الهند في كشمير. وقد تواصل إدارة بايدن نفس سياسة سلفها، ويظل تركيزها على عدم حدوث حرب بين الجارتين النوويتين في شبه القارة الهندية، بخاصة أنه لن يُنظر إلى الولايات المتحدة كوسيط محايد في حال سعيها للتدخل والوصول إلى تسوية.

وعلى الرغم من التعاطف الذي تحظى به قضية كشمير لدى الشعوب المسلمة، فإنها لم تحظَ بالدعم الكافي من قبل دول العالم الإسلامي، ولم تقدّم الحكومات والمنظمات الرسمية الدعم اللازم لشعب كشمير حتى يتمكن من تقرير مصيره وتحقيق اختياراته، بل وقف الكثير من الدول مع الهند ودعمتها سياسياً واقتصادياً.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي