يخشى الإسرائيليون أن يكون استهداف تل أبيب قد بات روتينياً، كما أصبح روتينياً استهدام مستوطنات غلاف غزة بصواريخ المقاومة الفلسطينية، لذلك كان الرد الإسرائيلي العسكري مؤخراً حذراً جداً.

منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة في صيف 2014، شهدت العلاقة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي سلسلة من جولات التصعيد والاعتداءات الإسرائيلية، تَركَّز معظمها في استهداف إسرائيلي لمواقع المقاومة، لا سيما العسكرية منها، فيما استهدفت المقاومة مستوطنات ما يسمى "غلاف غزة" المحاذية للقطاع، وفي مرات معدودة وصلت صواريخها إلى مدينة بئر السبع، العاصمة الاقتصادية للكيان الإسرائيلي، ومدينة عسقلان الساحلية على حدود القطاع.

شكّلت هذه الوتيرة من العدوان الإسرائيلي والردّ الفلسطيني مستوىً معقولاً من التصعيد الذي احتمله الجانبان منذ عام 2014، على اعتبار أن السلوكين الفلسطيني والإسرائيلي لم يتجاوزا الحدود المتعارف عليها، إلى أن جاءت صواريخ غزة التي سقطت في تل أبيب وسط الكيان، يومَي 14 و 25 آذار/مارس الماضي، ممَّا شكَّل مفاجأة من العيار الثقيل لجميع الأوساط: الفلسطينية والإسرائيلية والمصرية الساعية في وساطة التهدئة بين غزة وإسرائيل.

اكتسبت الصواريخ التي سقطت على تل أبيب، وما تبعها من تطورات عملياتية في غزة وإسرائيل، ودخول مصر الكثيف على خط التهدئة، وإنجاز تفاهمات في ربع الساعة الأخير، جملة من الدلالات الهامة: الميدانية والعسكرية والسياسية، يمكن سردها على النحو التالي:

أولاً: التبعات الميدانية

لم يعلن أي فصيل فلسطيني من أجنحة المقاومة مسؤوليته عن إطلاق هذه الصواريخ باتجاه تل أبيب في الحالتين، مما وضع الساحة الميدانية أمام تخمينات بدأت ولَمّا تنتهِ، حول حقيقة المجموعة التي امتلكت هذا الصاروخ، وامتلكت القدرة على إطلاقه، وتحمُّل تبعاته ونتائجه، لما فيه من خطورة غير معهودة.

في غمرة هذه التخمينات، أعلن مسؤول في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أن ما وصفه بـ"تكرار التفعيل الذاتي المبكّر للصواريخ من قطاع غزة سببه قرار قيادة المقاومة رفع جاهزية الاستعداد القتالي، الذي جاء بعد ورود معلومات حول نية الاحتلال الإسرائيلي شنّ عمل عدواني على غزة قبل الانتخابات الإسرائيلية بعد أيام قليلة".

منظومة القبة الحديدية التي تفاخر الصناعات العسكرية الإسرائيلية بها لم تتصدَّ للصواريخ التي ضربت تل أبيب في المرتين معاً.

عدنان أبو عامر

شكّل تصريح القسام غموضاً فوق الغموض الأساسي، فهل قصد بذلك تبنِّي مسؤولية إطلاق الصواريخ، أم حمل الموضوع لمحض الصدفة؟ وماذا لو تكررت هذه الصدفة في مرات قادمة، وسقط الصاروخ في قلب بناية سكنية وسط تل أبيب؟ ومَن مِن الفلسطينيين يملك هذه الصواريخ المطورة سوى حماس؟!

أكثر من ذلك، فقد أعلنت إسرائيل أن "صاروخ تل أبيب" انطلق من مدينة رفح أقصى جنوب قطاع غزة، وقطع مسافة وصلت إلى 120كيلومتراً، إلى أن سقط في شمال تل أبيب، ممَّا يطرح السؤال: ماذا لو أُطلِقَ الصاروخ من أقصى شمال قطاع غزة، وقطع ذات مسافة الـ120كم؟ أين تُراه سيسقط؟

يجد الإسرائيليون صعوبة في الإجابة عن هذا السؤال لأنها إجابة صادمة، وتكسر جميع الخطوط الحمراء، وتجعل الجبهة الداخلية الإسرائيلية في مرمى صواريخ المقاومة في غزة، لا سيما وأن منظومة القبة الحديدية التي تفاخر الصناعات العسكرية الإسرائيلية بها لم تتصدَّ للصواريخ التي ضربت تل أبيب في المرتين معاً، فهل المسألة خطأ تقنيّ، أم مفاجأة غير متوقَّعة؟ وماذا لو سقطت "صليات" صاروخية كثيفة في حال اندلاع مواجهة عسكرية ضارية بين المقاومة والاحتلال؟ كيف سيكون أداء تلك القبة آنذاك؟!

ثانياً: التطورات العسكرية

ما إن استوعب الإسرائيليون صدمة تكرار سقوط الصواريخ على تل أبيب خلال عشرة أيام فقط، حتى جاء الرد التقليدي بقصف أهداف للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ولإن شكّل قصف تل أبيب حدثاً غير عادي فإن الرد الإسرائيلي جاء عاديّاً، الأمر الذي يستدعي التوقف عنده مليّاً، وقراءة دلالاته العسكرية العملياتية.

استغرق الأمر عند الإسرائيليين وقتاً لا بأس به حتى يتعرفوا "أب" هذه الصواريخ التي استمر سقوطها على عاصمتهم التي كانت بعيدة عن مرمى استهدافات المقاومة في الظروف غير الحربية والقتالية، ورغم عدم توافر معلومة دقيقة عمن يقف خلف إطلاقها، وما إن كان إطلاقها جاء مقصوداً موجهاً، أم أتى بطريق الخطأ والصدفة، لكن أهداف حماس في غزة كانت هي المرشحة للقصف في كل مرة، وهي بالمناسبة لم تخرج عن الاستهداف التقليدي.

لم يكُن امتناع إسرائيل عن تصعيد ردودها على صاروخ تل أبيب إشفاقا على أهل غزة ولا حرصا على دمائهم لكنها تعلم جيداً أن أي رفع لوتيرة الرد يعني بالضرورة أن يتكرر قصف تل أبيب.

عدنان أبو عامر

زاد الاستهداف الإسرائيلي جرعة إضافية بقصف عدد من المواقع التي حملت دلالات عديدة: فقد تم تدمير المقر الرئيسي لزعيم حماس في غزة إسماعيل هنية، باعتبار ذلك رسالة سياسية للحركة، واستهداف مقر الأمن الداخلي، الجهاز الأقوى في غزة، برسالة استخبارية تضرب عصب المعلومات الأمنية لحماس، وتواصل قصف مقرات كتائب القسام على طول قطاع غزة كجزء من سياسة استنزاف الآلة العسكرية للجناح المسلح للحركة، وعلى غير العادة أزالت إسرائيل مقر شركة الملتزم للتأمينات والاستثمار باعتبارها إحدى مقدرات حركة حماس الاقتصادية.

اللافت أيضاً أنه مع تعداد المواقع المستهدفة، فإن إسرائيل كما يبدو حافظت على سياستها القديمة-الجديدة بعدم إسقاط ضحايا وخسائر بشرية فلسطينية في غزة من هذا القصف خشية استجلاب ردود فعل من قوى المقاومة، وبالتالي الدخول في حالة من الفعل ورد الفعل التي لا ترغب فيها، على الأقل في حقبة الانتخابات.

لم يكُن امتناع إسرائيل عن تصعيد ردودها على صاروخ تل أبيب إشفاقا على أهل غزة، ولا حرصا على دمائهم، لكنها تعلم جيداً أن أي رفع لوتيرة الرد يعني بالضرورة أن يتكرر قصف تل أبيب، بحيث يغدو قصفها كما هو الحال مع مستوطنات غلاف غزة، التي تعيش منذ قرابة عشرين عاماً على صفارات الإنذار وسقوط الصواريخ من غزة، الأمر الذي سيضيق هامش الخيارات أمام صانع القرار السياسي والعسكري في تل أبيب، ويدفعه لشن عملية عسكرية كبيرة ضدّ حماس في غزة، ما زال متردداً بشأن شنّها.

الدلالات السياسية

يصعب النظر إلى صواريخ تل أبيب من منطلقات عسكرية عملياتية بحتة، على اعتبار أنها رسائل سياسية بمذاق حربي قتالي، فالحديث يدور عن قصف عاصمة إسرائيل، لا مدينة عابرة من الأرياف، وقد يصلح المثل الإسرائيلي القائل إن "لون دماء سكان تل أبيب أحمر، فيما لون سواهم من سكان إسرائيل أزرق"، مما يتطلب بالضرورة قراءة الدلالات السياسية لهذه الصواريخ.

نبدؤها أولا بالدلالات الفلسطينية، إذ يعيش الوضع الفلسطيني حالة غير مسبوقة من التأزم السياسي الداخلي، فالمصالحة بين حركتي فتح وحماس معطَّلة، وعقوبات السلطة الفلسطينية على غزة آخذة بالزيادة، والمظاهرات التي خرجت في غزة قبل أسابيع احتجاجاً على سوء الظروف المعيشية شكّلَت عاملاً ضاغطاً على حماس، كل هذه العوامل مجتمعةً لا يمكن فصلها عن صواريخ تل أبيب.

ثانية هذه الدلالات السياسية ترتبط بالحراك المصري المتفاعل على الساحة الفلسطينية، وزيادة الدور الذي يؤدّيه جهاز المخابرات المصرية في جَسْر الفجوة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية حول سبل تثبيت وقف إطلاق النار، بخاصة مع ارتفاع مستوى الثقة بين حماس والقاهرة في ضوء زيارة هنية الأخيرة لها، ونشوء ما يمكن وصفه بـ"الخط الساخن" بين الجانبين، للعمل بصورة منسقة، وصلت حدّ أن يقوم ضباط المخابرات المصرية بزيارة ميدانية لمسيرات العودة في يوم الأرض بتاريخ الثلاثين من مارس للتأكد من جهود حماس في ضبط حركة المتظاهرين، وعدم احتكاكهم بالجيش الإسرائيلي.

ثالثة هذه الدلالات السياسية ترتبط بإسرائيل ذاتها، التي تعيش موسماً انتخابياً حامي الوطيس، وسط استقطاب حزبي عَزّ نظيره في السنوات الأخيرة، يجعل دوائر صنع القرار الإسرائيلي حذرين جدّاً من مغبة تدهور الوضع الميداني في القطاع، على الأقل قبل أيام قليلة جدّاً على ذهاب الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، لأن ذلك يعني أن تكون انتخابات بنكهة صواريخ تل أبيب، وأن يصوّت الإسرائيليون في انتخاباتهم ورائحة البارود والصواريخ تزكم أنوفهم، وهذا يعني هزيمة مدوّية لليمين الحاكم وزعيمه بنيامين نتنياهو.

أخيراً، لم ينتهِ الإسرائيليون بعد من قراءة الدلالات المختلفة لصواريخ تل أبيب الأخيرة، في ظلّ استمرار المؤسسات ذات الصلة في إسرائيل، بخاصة السياسية والعسكرية والأمنية، في حصر تبعاتها ونتائجها، والمخاوف التي تنتابها من إمكانية تَحوُّل استهداف تل أبيب إلى أمر روتيني تقليدي، بما يعنيه من تحوُّل أكثر من ثلاثة ملايين إسرائيلي إلى رهائن لمقاوم فلسطيني في أحياء غزة يضغط على زر التشغيل لصاروخ يقطع عشرات الكيلومترات!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي