يمكن القول بأن الجسد اليوم قد انتقل إلى واجهة الفعل والسؤال، فليس هناك من سجل مجتمعي لا يحضر فيه الجسد دالّا ومؤثرا في صياغة المعنى والمبنى، إننا نتواصل ونتفاعل وندبِّر كثيرا من الفعاليات والديناميات الاجتماعية عبر الجسد.

كيف نفسر هذا التسابق المحموم في اتجاه عيادات التجميل؟ كيف نفهم هذا الانهجاس الفائق بنفخ الشفاه وشد البطن وشفط الدهون، وما إلى ذلك من تدخلات جراحية لإعادة تشكيل الجسد؟ ألا يتصل هذا الانشغال بمقاومة فوبيا البشاعة، بإيديولوجيا الاستهلاك والخضوع لمنطق التنميط؟ ألا يتصل بعداً وقبلاً بموت المعنى وسيادية العبث واللا جدوى؟

فأن تتحول أخبار النجوم إلى قصاصات وتقارير مستفيضة عن التجميل، وأن تتحول أحاديثنا اليومية من سؤال الخبز والسياسة والعدالة الاجتماعية، إلى "مناظرات" مجانية حول تكبير الأرداف وزرع السيليكون في النهود والبوطوكس في الشفاه، فذلك إيذان بضياعنا في مجتمع ذي بعد واحد، وهو "الاستهلاك"، على حد تعبير هربرت ماركيوز.

يمكن القول بأن الجسد اليوم قد انتقل إلى واجهة الفعل والسؤال، فليس هناك من سجل مجتمعي لا يحضر فيه الجسد دالّاً ومؤثراً في صياغة المعنى والمبنى، إننا نتواصل ونتفاعل وندبِّر كثيراً من الفعاليات والديناميات الاجتماعية عبر الجسد. ولهذا يمكن القول بأن الحضارة الإنسانية صارت اليوم أكثر انهماماً بالجسد، فقد أصبح هذا "المبنى/المعنى" الجسدي "موضوعاً للتشكيل والتعديل والنمذجة وإعادة البناء والترتيب"، في صيغ شتى تتوزع بين التَّشْيِيء (Chosification) والتبضيع/التسليع والتسويق والاستثمار والتوظيف في مجمل الصراعات والرهانات.

إن الإقبال على التجميل، أو بالأحرى إعادة صياغة الجسد، قد يبدو مقبولاً وعاديّاً، في حالة الضرورة، التي تتأسس على تجاوز التشوهات الخلقية، تماماً كما الأمر في العمليات الجراحية التي تتكفل بها منظمات طبية غير حكومية، لفائدة الأطفال، تحت مسمى حملات سمايل (Smil). هنا بالضبط يكون التدخل الجراحي التجميلي مبرَّراً بقوة الأشياء، فهو يرمي إلى إعادة البسمة إلى وجوه بريئة، ويرمي أساساً إلى تجاوز كل الصعوبات النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها هؤلاء جراءَ ندوب وتشوهات مست الجسد بسبب حوادث متفرقة.

إن الحضارة الإنسانية صارت اليوم أكثر انهماماً بالجسد؛ فقد أصبح هذا "المبنى/المعنى" الجسدي "موضوعاً للتشكيل والتعديل والنمذجة وإعادة البناء والترتيب"

عبد الرحيم العطري

تلكم كانت أساسيات ميلاد طب التجميل، أن يساعد الأفراد على تحقيق أعلى درجات الاندماج، وتجاوز عقدة الخوف من المظهر البشع (Dysmorphophobie)، ولهذا كان الطبيعي أن ينتعش هذا الطب عقب الحرب العالمية الثانية، ليساعد الجنود على محو آثار الحرب وتمكينهم من تحقيق الولوج المرحَّب به في السياق الاجتماعي.

إلا أنه مع بروز عهد الصورة، وانتشار السينما و"أَسْطَرَةِ" النجوم، سيخون التجميل نصه الأصلي، وسيصير في يد من يدفع أحسن، ستتوسع خدمات التجميل، وتتجاوز تعديلات الضرورة إلى الكمالي وغير المبرر، في تسابق مُسْتَعِرٍ، نحو نموذج "الجسد المثال"، نحو المقاس 38 بتعبير الراحلة فاطمة المرنيسي.

تحضرني حكايتها مع المقاس 38، و الذي يبدو أنه يتسرب من اللباس إلى المأكل إلى التجميل، وإلى باقي الفعاليات الاجتماعية، على درب التنميط وتعزيز ثقافة الحريم، تقول بكل امتلاء: "فجأة أضاء لي لغز الحريم الأوروبي، في ذلك الهيكل الاستهلاكي المتمثل في متجر نيويوركي كبير، عندما أعلنت البائعة أنها لا تملك لي تنورة مناسبة لأن كتفي عريضتان جدّاً.

في كل هذا المتجر، الذي يفوق بمائة مرة بازار إسطنبول، لا توجد تنورة تناسبني؟ لا شك أنك تمزحين! شككت في أن تكون هذه الشخصية المتأنقة كسولة. هذا أمر يمكنني فهمه. ولكنها تابعت في إلحاح: أنت ضخمة جدّاً.. أجبتها وقد صوبت إليها نظراتي: أنا ضخمة جدّاً، قياساً إلى ماذا؟ لقد شعرت أن بيني وبينها خندقاً ثقافيّاً حقيقيّاً. وتابعت، متشجعة بنظراتي المتسائلة، وكأن صوتها يحمل فتوى: قياساً إلى المقاس 38. إن مقاس 36 و38 هو المقاس الأكثر تداولاً، أو لنقل إنه المقاس المثالي، لقد كان سوط الحقيقة يجلدني: إن المقاس 38 يمثل قيداً أشرس من أثخن نقاب. إن الأسلحة التي يستعملها الرجال ضد النساء في الغرب غير مرئية. إنهم لا يلزمون أي امرأة على التشكل بالصورة المثالية، ولا أن تلبس المقاس 38".

مع بروز عهد الصورة، وانتشار السينما و"أَسْطَرَةِ" النجوم، سيخون التجميل نصه الأصلي، وسيصير في يد من يدفع أحسن، ستتوسع خدمات التجميل، وتتجاوز تعديلات الضرورة إلى الكمالي وغير المبرر

عبد الرحيم العطري

شهرزاد ترحل إلى الغرب، هذا ما تشدد عليه المرنيسي، فليس هناك من سجل ثقافي محصن ضد ثقافة الحريم، وأساساً ضد ثقافة الاستهلاك التي تخترق كل الأبنية وتصير محدِّدة لكل الإستراتيجيات الفردية والجماعية. فثمة مقاس معلوم، قد يكون 36 أو 38، لا يهم الفرق، يشكل نموذجاً لنجاح و"قبول" الجسد في "السوق الاجتماعية"، فالأنف ينبغي أن يكون لـ "جوليا روبير"، والعيون لـ "توم كروز" والشفاه لـ "أنجلينا جولي" والمؤخرة لـ "كيم كارديشيان"، والبطن غير متدلية ولا مترهلة، وهكذا دواليك. وبالطبع فمن لا يتوفر على هذي المواصفات التقنية، ما عليه إلا أن يبحث عن أقرب عيادة تجميل، حتى يصير مُرحَّباً به في "عرض الأجساد" المجتمعي.

في المتن الميتولوجي اليوناني، لاح إيكار (إيكاروس) بطلاً ملحميّاً، يسعى إلى بلوغ الحقيقة، فكر ودبر، وتأكد له قويّاً، أنها كامنة في قرص الشمس، صنع لنفسه جناحين من الشمع، وطار في اتجاه "حقيقته" الفضلى، لكنه لما اقترب من أشعتها، ذاب الجناحان وسقط في القعر العميق. ليس هناك من درس من مأساة إيكاروس، سوى أن من يرغب في بلوغ "كماله" و"اكتماله" إلا التسلح بما هو قوي ومنطقي، فبدل اللجوء إلى الشمع، عند إيكاروس، أو البوطوكس والسيليكون، عن آل التجميل، لربما ينبغي اللجوء إلى تجميل العقل والروح بالفكر الثاقب والمعرفة النقدية والأخلاق البهية.

إن عبورنا إلى العالم يتحقق عن طريق الجسد الذي يشكل الوجود والهوية والانتماء، فالجسد هو شرطنا وامتدادنا في المجال والإنسان، ولهذا يتوجب "تحريره"

عبد الرحيم العطري

إن الجسد في رأي دافيد لوبروتون هو حقل مركَّب أو بالأحرى ملتقى طرق تلتقي فيه، بل تتواجه فيه وتتلاقح كافة الممكنات الاجتماعية والفردية والطبيعية والثقافية والنفسية والرمزية"، ففي الجسد يوجد الشيء ونقيضه، ويتفاعل الرمزي مع المادي، والفائت مع الحاضر واللاحق، وتُبنى الإستراتيجيات وتتجذر، فالجسد تاريخ وجغرافيا لانهائية، كما أنه، وفي مطلق الأحوال، سؤال لا جواب.

وبما هو تاريخ وجغرافيا فإنه متجاوز بالضرورة لبعده التشريحي الفيزيقي، فعوض التعاطي معه كأعضاء ينبغي إدراكه واستقباله كبنية دالة. فالجسد هو ما يمنحنا وجودنا ويدل علينا، فلا يمكن الحديث عن الإنسان بدون العودة إلى جسده. إن عبورنا إلى العالم يتحقق عن طريق الجسد الذي يشكل الوجود والهوية والانتماء، فالجسد هو شرطنا وامتدادنا في المجال والإنسان. ولهذا يتوجب "تحرير" الجسد من سلطة الاقتصاد ورهانات التسليع والاستهلاك و"قهر" المقاس 38.

على سبيل التفكُّه: نتمنى يوماً أن تَخرج علينا عيادة تجميل ما بهذا النوع من الإعلانات: "نُجري عمليات تجميل بفائق الدقة والاحترافية، وبأسعار مقبولة، وذلك على مستوى تكبير قلوب المحبة، وشفط الأحقاد، ونفخ ممكنات الوعي، وتعديل السياسات العامة لتصير في خدمة المقهورين من الماء إلى الماء".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي